محمد بشير ساسي
بعد خمسة عقُود من النزاع “المعقّد” بين المغرب والجزائر حول الصحراء الغربية، أعاد المجتمع الدولي في لحظة مفصلية طرح الملف (القديم – الجديد) بصيغة وصفها بـ”واقعية” بخصوص الإقليم.
قرار تاريخي
ففي خطوة غير مسبُوقة، اعتمد مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025 القرار التاريخي رقم 2797 -الذي جاء بمبادرة من الولايات المتحدة الأميركية- بتأييد 11 دولة من أصل 15 دولة، وامتنعت روسيا والصين وباكستان عن التصويت، في حين لم تشارك الجزائر.
وتضمّن القرار الذي أكد خطة الحكم الذاتي التي اقترحها المغرب لحل القضية وقدّمها أول مرة إلى الأمم المتحدة عام 2007، عدة بنود رئيسية
– مقترح الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يمكن أن يشكل الحل الأكثر جدوى ونجاعة”، مع الدعوة للمشاركة في مناقشات للتوصل إلى حل سياسي نهائي يكفل تقرير مصير شعب الصحراء الغربية.
– الترحيب بمبادرة ستيفان دي ميستورا المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة للصحراء لعقد اجتماع بين الطرفين للبناء على الزخم الحالي واغتنام هذه الفرصة غير المسبوقة لتحقيق سلام دائم.
– تمدد القرار ولاية بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في الصحراء الغربية (المينورسو) في الصحراء الغربية لمدة عام، مع مطالبة الأمين العام بتقديم مراجعة إستراتيجية للبعثة خلال 6 أشهر.
بقدر ما يعدّ القرار الذي تزامن مع الاحتفال بما يطلق عليه في المغرب “المسيرة الخضراء”، تطورًا مهمًّا في ما يخصّ أحد أطول النزاعات الإقليمية في إفريقيا، ويشجّع القرار الأطراف المعنية على الدخول في مفاوضات، فإنه يطرحُ في الوقت نفسه تساؤلات مهمة من قبيل: هل يحرّك القرار المسار السياسي المتعثر؟ وإلى أي مدى تشكّل الوساطة الأمريكية بين المغرب والجزائر مفتاحا للحل؟ وكيف سيفتحُ الطريقَ أما معادلات جديدة في المغرب العربي الكبير؟
معطيات جغرافية
في الإجابة عن جلّ هذه الأسئلة، تفرضُ عديدُ المُعطيات الجغرافية والتاريخية نفسها منطلقا مهمّا لفهم سياقات أشدّ النزاعات استعصاء في القارة السمراء، وسير المفاوضات، ومواقف الأطراف الرئيسيّة، وردود الأفعال عقب القرار الذي شكّل منعطفًا لهذه القضيّة داخل أروقة الأمم المتحدة.
جغرافيا تقع الصحراء الغربية المعروفة باسم “الساقية الحمراء ووادي الذهب” شمال غربي إفريقيا، تُطل على المحيط الأطلسي غربا، ويحدها المغرب شمالا والجزائر شرقا وموريتانيا جنوبا.
تبلغ مساحتها نحو 266 ألف كيلومتر مربع، وهي بمساحتها تلك تعادل -تقريبا- مساحة بريطانيا، يدير المغرب منها نحو 80%، وجبهة البوليساريو 20%.
يبلغ عددُ سكان المنطقة -الذين هم خليط من القبائل العربية والأمازيغية- أكثر من نصف مليون شخص حسب إحصاءات حديثة يتوزعون على مدن الصحراء الغربية الرئيسية.
تزخر منطقة الصحراء الغربية بثروات طبيعية تسهم بنسبة كبيرة في مكونات الاقتصاد الصحراوي، وتشمل الثروة الحيوانية والصيد البحري، إذ يبلغ طول السواحل الصحراوية 1110 كلم على المحيط الأطلسي، إضافة إلى المعادن مثل الفوسفات الذي تقول إحصاءات إن الصحراء الغربية تمتلك نسبة 28.5% من المخزون العالمي منه.
ومن هذه المعادن كذلك الحديد الذي تؤكد دراسات جيولوجية أن نسبته في التربة عالية في بعض مناطق الصحراء، هذا إضافة إلى النحاس والمنجنيز والحديد والرخام، وهناك إمكانية توفر احتياطيات معتبرة من النفط والغاز.
كما تمتلك الصحراء الغربية إمكانيات سياحية متنوعة وكبيرة، تدعمها مناظر صحراوية خلابة وسواحل ممتدة على امتداد مئات الكيلومترات تضم مواقع رائعة للسياحة والاستجمام البحري.
يضاف إلى ذلك توفر الظروف الملائمة لسياحة المغامرة والاستكشاف، ومن المناطق السياحية المشهورة في الصحراء: واحة لمسيد، وبحيرة نايلة، وخليج خنيفيس، وشلالات أم بدعة، ووادي تافودار.
سياقات تاريخية
تاريخيا، استوطنت قبائل صنهاجة الأمازيغية منطقة الصحراء الممتدة ما بين جنوبي المغرب وأقصى الجنوب الموريتاني في الفترات السابقة على دخول الإسلام المنطقة في النصف الأول من القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي).
وأسست هذه القبائل في منتصف القرن الخامس الهجري (الـ11 للميلاد) دولة المرابطين التي بسطت سيطرتها على جميع المنطقة وانطلقت منها إلى حكم المغرب والأندلس.
وقد شهدت الصحراء الغربية بدءا من القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) استقطابا كبيرا لقبائل العرب (بنو هلال وبنو معقل) التي استوطنت سابقا منطقة الشمال الأفريقي قادمة من شبه الجزيرة العربية.
معظم تاريخها، ظلت الصحراء الغربية خارج السيطرة المركزية لأي دولة، وتقول مصادر تاريخية إنها كانت في فترات من تاريخها جزءا من الأراضي التي تحكمها الدولة المركزية التي قامت في المغرب منذ عهد الأدارسة في أواخر القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي).
واختلفت فترات هذه السيطرة على المنطقة حسب ظروفها وحسب الدول التي حكمت المغرب، فقد كان هذا النفوذ يمتد أحيانا حتى أراضي دولة مالي حاليا، كما أنه في أحيان أخرى تراجع إلى مشارف مدينة مراكش الواقعة جنوبي المغرب.
في الفترة الممتدة ما بين عامي 1884-1975، خضعت الصحراء الغربية للاستعمار الإسباني، وفي عام 1963 أدرجتها الأمم المتحدة ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي تحت اسم الصحراء الإسبانية بموجب الفصل 11 من ميثاق المنظمة الأممية.
وفي عام 1975 أصدرت محكمة العدل الدولية رأيا استشاريا نفت فيه وجود “أي رابطة من روابط السيادة الإقليمية” بين الصحراء الغربية والمغرب أو موريتانيا، وشددت في الوقت ذاته على حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير.
وبعد أسابيع قليلة من صدور هذا الرأي الاستشاري وردّا عليه، نظّم المغرب ما عُرف بـ”المسيرة الخضراء” بدعوة من الملك الراحل الحسن الثاني شارك 350 ألف مغربي، اتجهت نحو الصحراء الغربية من أجل الضغط على إسبانيا لمغادرة منطقة التي كانت تحتلها.
وقد وصفت المسيرة التي تخلد كلّ سنة عيدا وطنيا في المغرب- من طرف الصحراويين المطالبين بالانفصال والجزائر بأنها عمل عدائي لتكريس “احتلال” المغرب للصحراء الغربية.
في 14 نوفمبر 1975، وقّعت إسبانيا اتفاق مدريد الذي جرى بموجبه اقتسام إدارة الإقليم بين المغرب وموريتانيا. وبعد انسحاب إسبانيا رسميّا في فيفري 1976، أعلنت الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب المعروفة باسم “البوليساريو” قيام الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية؛ ما أدّى إلى نشوب حرب بينها وبين المغرب وموريتانيا. وبحلول عام 1979، انسحبت موريتانيا من النزاع، لتسيطر المغرب على معظم أراضي الإقليم.
وفي عام 1991، توصل الطرفان إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، وأنشأ مجلس الأمن بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية، ومهمتها الإشراف على تنظيم استفتاء على تقرير المصير، ومع ذلك، تعطلت العملية بسبب خلافات في تحديد قوائم الناخبين الصحراويين، فتحوّلت مهمة مينورسو إلى مراقبة وقف إطلاق النار، بدلا من تنظيم الاستفتاء، لتدخل القضية مرحلة جمود طويلة الأمد.
مسار التفاوض
خلال الأعوام الخمسة الأخيرة تغيّرت كثيرا المواقف الدولية عما كانت عليه سابقا، ولعلّ اعتراف واشنطن بسيادة المغرب على الصحراء الغربية في مقابل انخراطه في اتفاقيات أبراهام وتطبيع علاقاته مع إسرائيل شكل منعطف حاسما ودفع العديد من الدول الأوروبية إلى تأييد مبادرة الحكم الذاتي التي تقدّمت بها الرباط عام 2007.
وتنص خطة الحكم الذاتي على إنشاء سلطة تشريعية وتنفيذية وقضائية محلية للصحراء الغربية ينتخبها سكانها، في حين تسيطر الرباط على الشؤون الدفاعية والخارجية والدينية. وبدلا من ذلك، تريد جبهة البوليساريو إجراء استفتاء مع وضع الاستقلال ضمن الخيارات.
في نوفمبر 2020، عادت البوليساريو إلى القتال ضد القوات المغربية بذريعة ما وصفته خرقا مغربيّا لوقف إطلاق النار في منطقة الكركرات، وتبع ذلك تزايد في التوتر الإقليمي مع إعلان الجزائر في أوت 2021 قطع علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب.
ورغم جهود المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دي ميستورا خيم الجمود السياسي على القضية، وبين سطور التقرير الذي قدّمه إلى مجلس الأمن في 30 سبتمبر 2025، أكّد على غياب “تقدم نحو حل سياسي للنزاع”، كما دعا إلى “التعجيل بحل هذا النزاع الذي طال أمده بما يخدم مصلحة شعب الصحراء الغربية وتطلعاته”، وإلى تجديد دعم مينورسو سنة كاملة إلى 31 أكتوبر 2026، وجاء هذا التقرير ليشكّل الأساس الذي استند إليه مجلس الأمن في صياغة القرار 2797.
وفي 22 أكتوبر 2025، وزّعت الولايات المتحدة مسوّدة أولية للقرار. وقد شهدت المفاوضات بشأن صيغته النهائية شدّا وجذبا أفضيا إلى تعديلها مرتين. فقد تحفّظ عدد من أعضاء مجلس الأمن، من بينهم الجزائر، على مشروع القرار بوصفه منحازا إلى الموقف المغربي، لا سيما وصفها مبادرة الحكم الذاتي بأنها “الحل الأكثر جدية وصدقية وواقعية”، كما اعترضت على مقترح تمديد ولاية مينورسو ثلاثة أشهر فقط. فأدخلت الولايات المتحدة تعديلات على هذه المسوّدة، بما في ذلك تمديد ولاية البعثة ستة أشهر، وخففت بعض العبارات بالإشارة إلى أن “معظم” الدول (وليس جميعها) أبدت دعمها لخطة الحكم الذاتي المغربية. ومع ذلك، طالبت الجزائر بإدراج إشارات إلى أطر أخرى للمفاوضات، من بينها “المقترح الموسّع” للبوليساريو.
قدمت الولايات المتحدة بعد ذلك مسوّدة منقّحة ثانية، حُذفت منها العبارة التي تصف مبادرة الحكم الذاتي المغربية بأنها “الأكثر جدية وصدقية وواقعية”، لكنها استمرت في تقديمها أساسا للمفاوضات. فكسرت الجزائر صمت المجلس بشأن المسوّدة بسبب عدم الإشارة إلى مقترح البوليساريو؛ فاستدعى ذلك عقد مشاورات جديدة. وشارك عدد من أعضاء المجلس الجزائرَ رأيها بأن النص ما زال يفتقر إلى التوازن.
فقدمت الولايات المتحدة مسوّدة منقّحة ثالثة في 30 أكتوبر، جددت فيها ولاية مينورسو سنة كاملة، وأدرجت صياغة معدّلة تشير إلى أن “العديد من الدول الأعضاء” أعربت عن دعمها للمبادرة المغربية “أساسًا لحلٍّ عادل ودائم ومقبول من الطرفين”، مع الإقرار بأن “الحكم الذاتي الحقيقي” يمكن أن يشكّل أحد أكثر المخرجات قابلية للتطبيق”، بدلا من الصيغ السابقة التي انطوت على درجة أكبر من الحسم. وهكذا، مثّلت النسخة المنقّحة الثالثة تسوية وسطا، وصيغت بلغة أكثر اعتدالا مقارنةً بالنسخ السابقة.


أضف تعليقا