الصحراء الغربية.. هل يشكل القرار  الأممي2797 مفتاحا لحل النزاع؟ (الجزء الثاني)

محمد بشير ساسي
بعيدا عن المعطيات الجيوسياسية والسياقات التاريخية ومسارات التفاوض بخصوص الصحراء الغربية، تجمعُ عديد التحليلات للمشهد بأنّ جنوح خطاب مجلس الأمن من الدعوة إلى تقرير المصير عبر الاستفتاء إلى فرض تقرير المصير ضمن مبادرة الحكم الذاتي المغربية يعكسُ تغيّرا كبيرا في قواعد اللعبة بخصوص الملف التائه لسنوات داخل أورقة الأمم المتحدة ورغبة قوية من قبل المنتظم الدولي لطيّه نهائيا..
دوافع أميركية
في قراءة متأنية ومعمّقة لما وراء مقترح التسوية، يبرزُ بوضوح أنّ واشنطن (اللاعب الرئيسي) وضعت كلّ ثقلها في اتجاه تمرير القرار وتسريع إيجاد حلٍّ نهائي لنزاع الصحراء الغربية.
فمنذ اعتراف إدارة الرئيس دونالد ترامب عام 2020 بسيادة المغرب على الصحراء المغربية، تحوّل الموقف الأميركي من الحياد النسبي إلى دعم سياسي واضح للرباط، تم ترسيخه لاحقا في قرارات مجلس الأمن المتعاقبة.
وجدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب دعمهُ لسيادة المغرب على الصّحراء في جويلية الماضي، في الوقت الذي صرّح مبعوثه للشرق الأوسط ستيف ويتكوف بأن الإدارة تعكف على إنجاز اتفاق سلام بين الجزائر والمغرب.
كما قال كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس أنه تم العمل مع الطرفين المغربي والجزائري للوصول إلى أكثر القرارات المرضية لهما مشيرا إلى أن الملك المغربي مد اليد للجزائر والرئيس عبد المجيد تبون، وهذا مهم جدا، وأميركا تعول على حكمة الجزائر في هذا الملف.
بين كلّ هذه المواقف يمكنُ تحديدُ جملة من الدّوافع الأميركية المتشابكة:
– واشنطن ترى في الملف مصدر توترٍ مزمن يهدّد الاستقرار الإقليمي في شمال إفريقيا والساحل، وهي منطقة محورية في الاستراتيجية الأميركية لمكافحة الإرهاب، ومن شأن استمرار هذا التوتر أن يهدد المصالح الأميركية الحيوية في القارة الإفريقية، وبالتالي تسعى لترسيخ مقاربة جديدة تقوم على دعم الاستقرار وإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية، في مواجهة صعود الدورين الروسي والصيني في المنطقة.
–  الدعم الأميركي للموقف المغربي – الذي انعكس بوضوح في نص القرار – يأتي في سياق صفقة أبراهام في عام 2020 التي طبَّعت بموجبها المغرب علاقاتها مع إسرائيل مقابل اعتراف أميركي بمغربية الصحراء.
وفي حين تؤكد الرعاية الأميركية للقرار التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والمغرب، فإنها تبين أيضًا حدود التقارب الأميركي – الجزائري خلال السنوات الأخيرة، وتكشف عن عدم الارتياح الذي تنظر به واشنطن إلى العلاقات التقليدية، الجزائرية الروسية – الصينية.
– لا يمكن فصل دور الولايات المتحدة في تمرير القرار وضغطها من أجل تسوية سريعة للنزاع عن الرغبة الشخصية لدى ترامب في تعزيز صورته بوصفه رجل السلام القادر على حلّ نزاعات مزمنة عجز غيره عن حلها.
انفتاح مغربي
في ضوء هذه التطورات، تَبرزُ المُصالحة المغربيّة – الجزائرية كسيناريو محتمل لتسريع الحل، مدعومة من الولايات المتحدة التي تراهن على تقريب وجهات النظر بين الطرفين خلال الأشهر المقبلة.
فبعد دقائق من صدور القرار اعتبر المغرب ملكًا وشعبًا ذلك انتصارا تاريخيا لخيار وحدته الترابية يفصل ما قبل 31 أكتوبر عمّا بعده، لأنه جعل مبادرة الحكم الذاتي السكة التي يتعين أن يسير عليها قطار المفاوضات، وأن السيادة المغربية على الصحراء هي محطة الانطلاق، وأن التوصل إلى اتفاق نهائي هو محطة الوصول.
وشدّد العاهل المغربي محمد السادس على بلاده (المستفيد الأكبر من القرار 2797؛ بعدما  نجح في الدفع بحل الاستفتاء على تقرير المصير إلى الظل، وحشد الدعم الدولي لخيار التفاوض حول الحكم الذاتي) شدّد على أنه لا يسعى للانتصار على أحد، بل إلى حلّ “لا غالب فيه ولا مغلوب”، داعيا الصحراويين في مخيمات تندوف الجزائرية، إلى “اغتنام هذه الفرصة التاريخية” والعودة إلى وطنهم للمشاركة في تنمية أقاليمهم ضمن إطار الحكم الذاتي الذي يضمن لهم إدارة شؤونهم بحرّية وكرامة داخل الوطن الموحّد.
كما وجّه العاهل المغربي دعوة إلى الجزائر لإجراء “حوار مباشر وأخوي” مع المغرب، من أجل تجاوز الخلافات وبناء علاقات جديدة قائمة على الثقة وحسن الجوار، مؤكدًا حرصه على إحياء الاتحاد المغاربي على أسس التعاون والتكامل بين دوله الخمس.

تحفظ البوليساريو

الطرف الثاني في قضية الصحراء الغربية جبهة البوليساريو، أبدت موقفاً متحفظاً بشدة بشأن قرار مجلس الأمن واصفة بعض بنوده بأنها “انحراف خطير وغير مسبوق عن الأسس التي اعتمدها مجلس الأمن في تناوله لقضية الصحراء الغربية طبقاً للمبادئ الأساسية المُكرسة في ميثاق الأمم المتحدة وتنتهك الوضع الدولي للصحراء”،
وأكدت جبهة البوليساريو أنها “لن تكون طرفاً في أي عملية سياسية أو مفاوضات تقوم على أي مقترحات تهدف إلى إضفاء الشرعية على الاحتلال العسكري المغربي غير الشرعي للصحراء الغربية وحرمان الشعب الصحراوي من حقه غير القابل للتصرف وغير القابل للمساومة أو التقادم في تقرير المصير”، بحسب البيان.
وجددت الجبهة في المقابل استعدادها الدائم للتعاطي البناء مع المسار السلمي، والانخراط بإيجابية في عملية السلام والدخول في مفاوضات مباشرة مع الطرف الآخر، طبقاً لقرارات الأمم المتحدة الأخرى ذات الصلة”، وذكّرت في السياق بمقترحها الموسّع الذي قدمته إلى الأمين العام للأمم المتحدة في 20 أكتوبر الحالي.
وعلى الرغم من تراجع الدعم الدولي وسحب دول عديدة اعترافها بالجمهورية الصحراوية، ما تزال البوليساريو تستند إلى الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية (1975) وقرارات الجمعية العامة بشأن تصنيفها ضمن قضايا تصفية الاستعمار، إضافة إلى قرارات محكمة العدل الأوروبية بشأن الموارد الطبيعية في الصحراء الغربية المشمولة بالاتفاقيات الاقتصادية بين الاتحاد الأوروبي والمغرب.
لكن تمسّك البوليساريو بهذه الأدوات القانونية، واستعدادها للمفاوضات، لا ينفي النبرة الحادة جدًّا التي عبرت بها الجبهة عن موقفها من القرار: “العنصر الحاسم في معادلة حل النزاع في الصحراء الغربية هما الشعب الصحراوي وجيش التحرير، واللذان عليهما مواجهة مؤامرات العدو المغربي الذي أقدم على هذه الخطوة بمساعدة أطراف نافذة بمجلس الأمن”،  وهو مؤشر دالّ على تحديات كبيرة تنتظر المفاوضات حول الحل النهائي، ولا يُستبعَد منها تقويض وقف إطلاق النار وعودة الاشتباكات العسكرية بين القوات المغربية وعناصر جيش التحرير الصحراوي.

ثوابت جزائرية

أما الجزائر الداعم الرئيسي للبوليساريو التي امتنعت عن التصويت على القرار الأممي وصفه مندوبها لدى الأمم المتحدة عمار بن جامع بأنه “فرصة ضائعة”.
وأعرب المسؤول الجزائري في كلمته التي تلت التصويت على القرار الأممي، عن أسفه لأنّ “مبادرة الرئيس دونالد ترامب الرامية إلى تحقيق السلام والانفراج في المنطقة لم تتمكن من الانطلاق على النحو المناسب، بدعم فعلي من جميع الأطراف” مضيفا أن القرار لا يخلق بعد الزخم ولا الظروف الملائمة للنجاح. نجاح يجعل الجميع رابحين، دون منتصر أو مهزوم.
وفسّر بن جامع عدم تصويت الجزائر على القرار بكونه “لا يعكس بأمانة العقيدة الأممية في مجال تصفية الاستعمار”، وتابع: “باعتبار الجزائر دولة مجاورة للأطراف المعنية بالنزاع في الصحراء الغربية، فقد شاركت بحسن نية وبروح بنّاءة في مفاوضات النص الذي عُرض عليها”.
وعلى الرغم من تأكيد بن جامع أن أميركا أدخلت تحسينات جوهرية على النص الأولي من خلال التذكير بالمعايير الأساسية لحلّ عادل ودائم لنزاع الصحراء الغربية، وتأكيد الحق غير القابل للتصرف للشعب الصحراوي في تقرير مصيره، وبدعوة الطرفين، المملكة المغربية وجبهة البوليساريو، إلى الدخول في مفاوضات بحسن نية ودون شروط مسبقة، تحت رعاية الأمم المتحدة”، إلّا أن “الإطار الضيق للمفاوضات المقترحة الذي يعطي الأفضلية لخيار على حساب الخيارات الأخرى، يحدّ من الإبداع والمرونة اللازمين للتوصل إلى اتفاق حرّ ومستقل، ويسلّط الضوء على الطموح الإقليمي لأحدهما، ويتجاهل في المقابل تطلعات الآخر”، بحسب قوله.
بعدها بأيّام تكلم وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف بنبرة تعكس نوعا من المرونة، مؤكدا بأن بلاده لن تبخل بتقديم دعمها لأي مبادرة للوساطة بين المغرب وجبهة البوليساريو شريطة أن تندرج هذه المبادرة في الإطار الأممي وأن تحتكم في شكلها وفي مضمونها إلى ثوابت الحل العادل والدائم والنهائي لقضية الصحراء الغربية على النحو المنصوص عليه في جميع قرارات مجلس الأمن ذات الصلة
وأكد عطاف أن ملف الصحراء الغربية لم يطو وما زال مطروحا أمام مختلف الأمم المتحدة في جمعيتها العامة وفي مجلس الأمن وفي اللجنة الأممية لتصفية الاستعمار لجنة الـ24.
وعدّد عطاف  3 مكاسب رئيسية حققها قرار مجلس الأمن رقم 2797 ، قد تمكن جبهة البوليساريو من الدفاع عن موقفها من موقع قوة صلب ومتجذر في الشرعية الدولية ويتعلق الأمر بتجديد ولاية بعثة “مينورسو” ورفع الطابع الحصري عن المقترح المغربي للحكم الذاتي الذي أريد تكريسه كأساس وحيد وأوحد للمفاوضات. إلى جانب عدم الفصل المسبق في طبيعة أو نتيجة ما ينبغي أن تفضي إليه المفاوضات وترك ذلك لاتفاق طرفي النزاع.
وربط عطاف حرص الجزائر على المساهمة في حل النزاع القائم في الصحراء الغربية يرتبط بحرصها الدائم على أمن واستقرار جوارها وهو الحرص الذي يقوم على قناعتها الراسخة بأن أمنها واستقرارها هما جزء لا يتجزأ من أمن واستقرار جوارها ومحيطها وكل فضاءات انتمائها.

قراءة جديدة

يُرتقب أن تشهد المرحلة المقبلة جولة جديدة من المحادثات بين الأطراف المعنية، غالباً في جنيف أو نيويورك، يقودها المبعوث الأممي للصحراء ستيفان دي ميستورا استناداً إلى المستجد الحاصل، وذلك بعد إقناع أطراف النزاع الأخرى، الجزائر و”البوليساريو”، بالانخراط في المحادثات.
وقبل ذلك سيقوم المغرب، وفق ما كشفته مصادر دبلوماسية، بتقديم مشروعه للحكم الذاتي إلى الأمم المتحدة، وستقوم وزارة الخارجية المغربية بتقديم تفصيل لمشروع الحكم الذاتي الذي ستقترحه على جبهة “البوليساريو” قبل بدء أية مباحثات بين الأطراف المعنية بالنزاع.
بالتوازي سيُنجز الأمين العام خلال ستة أشهر “تقييماً استراتيجياً” لبعثة “المينورسو”، وهو إجراء نادر الحدوث، يُفهم منه أن الأمم المتحدة تستعد لإعادة تحديد دور البعثة، من بعثة لتثبيت وقف إطلاق النار إلى بعثة مرافقة لمسار سياسي قيد التبلور.
وراء هذه التحركات يراهن محللون على أن التقارب بين المغرب والجزائر -المدعوم من الولايات المتحدة- قد يؤدي إلى انفراج في القضية، بدءا من القضايا الثنائية وصولا إلى إيجاد مخرج لأزمة الصحراء الغربية، خاصة أن دي ميستورا يعتبر هذه المصالحة ممكنة في حدود 60 يوما إذا تدخلت واشنطن بثقلها.
ويرى خبراء أن قراءة دولية جديدة تتبلور لمنطقة شمال إفريقيا والساحل بحكم أن القوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة، وفرنسا، والمملكة المتحدة، باتت ترى أن استمرار النزاع لم يعد مسألة “تصفية استعمار”، بل تهديداً لاستقرار إقليمي هشّ في مواجهة الإرهاب والهجرة غير النظامية.
ويعتقد مراقبون أن تكون أبرز مفاعيل القرار الأممي لتسوية أزمة الصحراء الانعكاسات الإيجابية المنتظرة على المغرب العربي
بعدما أضفت القضية توتراً لم يكُن له مبرراته على العلاقات بين المنطقة.
وقد تعقَّدت العلاقات بين الجارين العربيين الجزائر والمغرب خلال الحقبة الماضية، ووصلت إلى حد القطيعة التي ما زالت قائمة، كما أجهض الخلاف اندفاعة اتحاد دول المغرب العربي الخمس الذي تأسس بحماسة قوية في العام 1989.
بطبيعة الحال ستُزال العديد من العوائق من أمام مسيرة الاتحاد، ولن تكون الأزمة السياسية في ليبيا حجر عثرة أمام هذا التوجه، بل على العكس من ذلك، فقد يساعد تفعيل العمل المشترك في المغرب العربي على إيجاد حلّ للنزاع الليبي.
وهنا تحديدا يتوقع كثيرون أن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون سيتعاطى بإيجابية مع الوضعية الجديدة، ولن يتجاهل الرغبة الصادقة التي أطلقها الملك محمد السادس، فتبون معروف بحرصه على العمل المشترك ولديه عاطفة عربية مشهودة.
في آخر المطاف تبقى الإجابة عن السؤال الجوهري معلقة: هل يمثل القرار الأممي 2797 بداية حقيقية لحل النزاع، أم أنه مجرد محطة جديدة في رحلة طويلة من المفاوضات المتعثرة؟

اشترك في قائمتنا البريدية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد مباشرة.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *