الشكندالي يلخّص مسار الاقتصاد التونسي منذ الثورة

الشكندالي اقتصاد تونس

في مقارنة بين أهم الفترات التي ميّزت الاقتصاد التونسي بعد الثورة اعتبر أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية رضا الشكندالي أن سنة 2010 مثّلت سنة الأساس المرجعية، حيث اتسمت بتوازن ماكرو-اقتصادي مهم لكن بدون تنمية ودون عدالة اجتماعية وجهوية، وهو ما أفضى إلى اندلاع الثورة.

وقال في تدوينة نشرها على صفحته بفيسبوك إن المؤشرات الكلية كانت تعكس استقراراً محاسبياً، بنسبة نمو في حدود 3٪، وعجز مالي لا يتجاوز -1 ٪، وحجم دين عمومي متحكم فيه في حدود 40.7٪ من الناتج المحلي الإجمالي، مع تضخم معتدل بـ 4.6٪

2011 الصدمة الداخليّة

هذا التوازن سرعان ما اهتز مع سنة 2011، وهي “سنة الصدمة الداخلية” إبان الثورة تحت إشراف حكومة الباجي قائد السبسي.

وأشار الشكندالي إلى أن محركات الإنتاج، في هذه السنة، توقفت ميكانيكياً نتيجة الانفلات الاجتماعي وانخراط النقابات في المطلبية المفرطة، مما أدى إلى انكماش اقتصادي بـ – 1.9٪.

ورغم التراجع الاستثنائي لنسبة التضخم إلى 3.7٪ نتيجة انكماش الطلب الكلي وحالة الانتظارية لدى المستثمرين. بدأت، وفق أستاذ الاقتصاد، ملامح الانزلاق المالي تلوح في الأفق مع اللجوء إلى الترفيع الأولي في كتلة الأجور لامتصاص الاحتقان الاجتماعي، ليرتفع عجز الميزانية إلى – 3.3٪ ويبدأ مسار التداين العمومي في التصاعد لتمويل هذا العجز.

تحوّل في الفلسفة الاقتصادية

بين سنتي 2012 و2014، ومع تولي حكومات الترويكا (حمادي الجبالي وعلي العريض) ثم حكومة الكفاءات (مهدي جمعة)، شهدت البلاد تحولاً هيكلياً عميقاً في الفلسفة الاقتصادية للدولة.

فقد تم الاعتماد على سياسة التوسع المالي غير المنتج لشراء السلم الاجتماعي، حيث قفزت كتلة الأجور بشكل غير مسبوق لتتجاوز 11.5 مليار دينار في 2014، وتضاعفت نفقات الدعم أولا تحت الارتفاع الصاروخي للأسعار العالمية للنفط وثانيا مع تنامي استهلاك المواد المدعمة بعد الهجرة المكثّفة للأخوة الليبيين لتونس هروبا من الانفلات الأمني وكذلك تنامي تهريب المواد المدعمة عبر الحدود الليبية.

واعتبر الشكندالي أن هذا الضخ النقدي الهائل أفرز نمواً اصطناعياً بمتوسط 2.8٪، مدفوعاً بالاستهلاك العمومي وليس بالاستثمار أو التصدير.

والنتيجة الحتمية لهذا الخيار كانت انفجار عجز الميزانية ليبلغ ذروته بـ -6.9٪ في 2013، وظهور “تضخم مدفوع بالطلب” حيث ارتفعت الأسعار لتبلغ 5.8٪.

ولتمويل هذا العجز الهيكلي، تم فتح باب الاقتراض الخارجي على مصراعيه، ليكسر الدين العمومي حاجز الـ 50٪ لأول مرة.

واعتبر الشكندالي أن هذه الفترة أسست للاختلالات الهيكلية التي ستعاني منها المالية العمومية لاحقاً.

الركود التضخّمي

 

مع دخول الفترة الممتدة من 2015 إلى 2019، والتي قادتها حكومتا الحبيب الصيد ويوسف الشاهد، سقط الاقتصاد التونسي في فخ “الركود التضخّمي “(Stagflation).

لقد استنفدت الدولة حيزها المالي، وأصبحت الموارد الجبائية تُوجه أساساً لتغطية النفقات الجارية (الأجور وخدمة الدين) على حساب نفقات التنمية التي تراجعت بشدة.

يقول الشكندالي: “أدّى تدمير الاستثمار العمومي إلى شلل النمو الذي لم يتجاوز متوسط 1.7٪. وفي ظل عجز الميزانية المستمر وضعف الإنتاج، لجأت الحكومات إلى التخفيض الانزلاقي لقيمة الدينار خاصة بعد تركيز القانون الأساسي للبنك المركزي في سنة 2016، مما غيّر طبيعة التضخم ليصبح “تضخماً مستورداً”، لتقفز الأسعار وتبلغ ذروتها بـ 7.3٪ في 2018.

وتابع: “في هذه المرحلة، أصبح الدين العمومي يغذي نفسه بآلية (كرة الثلج)، ليقفز من 55.4٪ إلى 67.8٪، وتصبح خدمة الدين عبئاً ثقيلاً يمتص مقدرات الدولة”.

2020 الصدمة الخارجية

مثلت سنة 2020، تحت حكومة إلياس الفخفاخ، “سنة الصدمة الخارجية” غير المسبوقة بسبب جائحة كوفيد-19.

وقال الشكندالي إنّه عكس صدمة 2011، ضربت هذه الأزمة العرض والطلب العالميين والمحليين في آن واحد، مما أدى إلى انهيار تاريخي للنمو بـ -8.6٪.

المشكلة الجوهرية هنا كانت في “الصلابة الهيكلية” لميزانية الدولة؛ فالنفقات الكبرى كالأجور لا يمكن تقليصها رغم الانهيار الحاد في الموارد الجبائية.

وأدّى هذا التقاطع المميت إلى انفجار عجز الميزانية لمستويات قياسية بلغت -9.4٪، مما أجبر الدولة على اقتراض طارئ وضخم رفع حجم الدين العمومي ميكانيكياً إلى مشارف 80٪ من الناتج في ظرف وجيز، مع استقرار التضخم نسبياً عند 5.6٪ بسبب الشلل الكلي للاستهلاك خلال فترات الحجر الصحّي.

مرحلة “أثر المزاحمة

أما في الفترة الأخيرة الممتدة من 2021 إلى 2025، والتي تعاقبت فيها حكومات هشام المشيشي، نجلاء بودن، أحمد الحشاني، كمال المدوري، وسارة الزعفراني، فقد دخل الاقتصاد مرحلة “أثر المزاحمة” (Crowding Out Effect) والتعديل بالتضخم.

ومع انغلاق منافذ التمويل الخارجي وتصاعد كلفة خدمة الدين الذي تجاوز 145 مليار دينار (84.2% من الناتج المقدر لـ 2025)، اضطرت الدولة إلى التوجه بكثافة نحو السوق المالية الداخلية لتمويل عجزها المستمر.

وبيّن الشكندالي أن هذا الشفط الهائل للسيولة من البنوك المحلية حرم القطاع الخاص من تمويل الاستثمار، مما يفسر ضعف نسب النمو التي قاربت الصفر في 2023 (0.2٪).

تزامناً مع ذلك، أدت الصدمات الجيوسياسية العالمية إلى ارتفاع كلفة التوريد والدعم، لينفجر التضخم مسجلاً أعلى مستوياته التاريخية بـ 9.3٪ في 2023.

ورغم التراجع المقدر للتضخّم نحو 5.4٪ في 2025، إلا أن التضخم الغذائي ارتفع بصورة جنونية ليلعب دوراً مهما في تآكل القدرة الشرائية، وهو ما يمثل اقتصادياً اقتطاعاً غير معلن يقلص الاستهلاك الداخلي ويفرض استقراراً هشاً على حساب الرفاه الاجتماعي والنمو الحقيقي.

اشترك في قائمتنا البريدية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد مباشرة.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *