قال أستاذ الاقتصاد رضا الشكندالي إنّ “قرار وكالة فيتش رايتينغ بشأن تونس يعكس وضعًا سياديًا دقيقًا”.
جاء ذلك في قراءة لقرار الوكالة والقاضي بتثبيت التصنيف السيادي طويل الأجل لتونس عند مستوى B- مع نظرة مستقبلية مستقرة.
أهم الأخبار الآن:
وأوضح الشكندالي في قراءته التي نشرها اليوم الأحد على صفحته بفيسبوك أنّ “ميزانية 2026 لم تؤدّ إلى تدهور إضافي في التصنيف، لكنها في المقابل لا تمنح هامش أمان واسع”.
وأشار إلى أنّ “استقرار التصنيف يظل رهين قدرة الدولة على تنفيذ ميزانيتها كما هي معتمدة، وعلى إدارة توازناتها المالية والخارجية، وتحسين جودة الحوكمة، في ظرف إقليمي ودولي بالغ الحساسية”.
تقييم مباشر
كما أوضح أستاذ الاقتصاد أنّ “قرار فيتش لا يستند إلى نوايا أو وعود مستقبلية، بل إلى تقييم مباشر لخيارات مالية قائمة، ولمدى قدرة الدولة التونسية، في إطار ميزانية 2026، على الحفاظ على توازناتها المالية والخارجية”.
وبيّن أنّ تصنيف B- يعني، بلغة مبسطة، أن “تونس تُعدّ دولة ذات مخاطر ائتمانية مرتفعة، لكنها لا تزال قادرة على الإيفاء بالتزاماتها طالما تمّ التحكم في العجز، وضمان حدّ أدنى من التمويل الخارجي، والحفاظ على استقرار نسبي في الاحتياطي من العملة الأجنبية”.
واستنتج الشكندالي أنّ “تثبيت هذا التصنيف، بدل تخفيضه، يعكس تقدير الوكالة بأن ميزانية 2026، رغم ما تحمله من ضغوط، لم تؤدّ إلى تدهور إضافي مقارنة بما كانت فيتش تتوقعه”.
وقال أستاذ الاقتصاد في تحليله “من العناصر الجديدة في هذا القرار، اعتماد وكالة فيتش لمنهجية تدمج ما يُسمّى بـتصنيف التعافي، حيث منحت أدوات الدين السيادي التونسية تصنيف RR4. ويُقصد بذلك أن الوكالة تفترض، في حال واجهت الدولة صعوبات جدية في سداد ديونها، أن الدائنين لن يفقدوا أموالهم بالكامل، لكنهم في المقابل لن يسترجعوا قيمتها كاملة، بل جزءًا منها، عبر آليات مثل إعادة جدولة الديون، أو تعديل آجال وشروط السداد. وبعبارة أبسط، فإن فيتش لا تتوقع سيناريو انهيار شامل، لكنها لا ترى أيضًا أن الدولة تمتلك عناصر قوية تضمن حماية عالية للدائنين، مثل احتياطات مالية كبيرة أو أصول سيادية واضحة أو إطار مؤسسي متكامل لإدارة إعادة هيكلة الديون”.
وتابع الشكندالي “في هذا السياق، يمكن فهم هذا التقييم أيضًا في ضوء الخيارات البديلة لإدارة الدين الخارجي، ومن بينها تحويل جزء من الديون إلى استثمارات. ففي مثل هذه الصيغ، لا يتحقق التعافي للدائنين عبر استرجاع نقدي مباشر، بل عبر إعادة توظيف ديونهم في مشاريع استثمارية أو شراكات طويلة الأجل داخل الاقتصاد التونسي، وهو ما يسمح لهم بالحفاظ على جزء معتبر من القيمة، ويخفف في المقابل الضغط على احتياطي العملة الصعبة وعلى ميزان المدفوعات. ويُعدّ هذا التوجّه منسجمًا مع ما تعتبره فيتش “تعافيًا متوسطًا ومنظمًا”.
نظرة حذرة
ويرى الشكندالي أنّ “تقييم فيتش يعكس على المستوى المالي نظرة حذرة إلى ميزانية 2026، خاصة من حيث استمرار ارتفاع حاجيات التمويل، وثقل بعض بنود الإنفاق العمومي. فالوكالة لا تقيّم فقط مستوى العجز المعلن، بل تقيّم أيضًا قدرة الدولة على الالتزام به فعليًا طوال السنة، دون اللجوء إلى حلول ظرفية قد تُفاقم الضغوط المالية لاحقًا”.
وحسب قراءة أستاذ الاقتصاد “تولي فيتش أهمية كبيرة لمسألة التمويل الخارجي، إذ تعتبر أن التصنيف السيادي الحالي لتونس يظل شديد الحساسية لتطور الاحتياطي من العملة الأجنبية. فكلما كان التمويل الخارجي واضح المصدر ومستدامًا، كلما تعزّزت الثقة في قدرة الدولة على تنفيذ ميزانيتها دون ضغوط حادة على سعر الصرف أو على التوازنات الخارجية”.
وأوضح الشكندالي أنّ فيتش تعتمد إلى جانب المؤشرات المالية، على تقييم ما يُعرف بعوامل ESG، أي العوامل البيئية والاجتماعية والحوكمية. وتقوم الوكالة بمنح درجات تأثير تتراوح من 1 إلى 5، حيث تشير الدرجة 5 إلى أن العامل المعني يؤثر بشكل مباشر وجوهري على التصنيف السيادي.
وتابع الشكندالي “في حالة تونس، تمنح فيتش درجة مرتفعة من حيث التأثير لعامل الحوكمة، أي للاستقرار السياسي، وسيادة القانون، وجودة المؤسسات، ووضوح السياسات العامة. ويعني ذلك أن الوكالة ترى أن ضعف قابلية التنبؤ بالسياسات، وصعوبة تقييم القدرة التنفيذية للإصلاحات، يؤثران مباشرة في مصداقية الميزانية وفي ثقة الدائنين، حتى عندما تكون الأرقام المالية في ظاهرها مقبولة”.
كما تأخذ فيتش وفق قراءة الشكندالي بعين الاعتبار العامل الاجتماعي، حيث ترى أن الهشاشة الاجتماعية وارتفاع حساسية السلم الاجتماعي تُقيّدان هامش الدولة في تنفيذ إصلاحات مالية عميقة، لا سيما فيما يتعلق بالدعم أو الإنفاق الاجتماعي. أما العوامل البيئية، مثل شحّ الموارد المائية أو آثار التغير المناخي، فهي حاضرة في التقييم، لكنها لا تُعدّ في المرحلة الحالية عاملًا حاسمًا في التصنيف.



أضف تعليقا