قال أستاذ الاقتصاد في الجامعة التونسيّة رضا الشكندالي: “إذا كانت النسخة المتداولة من مشروع قانون المالية 2026 إعلاميّا هي النسخة نفسها التي تسلّمها النوّاب، فعلى الدنيا السلام”.
واعتبر الشكندالي، في قراءة أوليّة لمشروع قانون المالية، أن نوّاب الشعب لن يقدروا بهذا المشروع المقدّم مناقشة أهدافه وسياساته، إن كانت لديه فعلا سياسات.
وعبّر الشكندالي عن استغرابه من التكتّم على الفرضيات وعلى نتائج تنفيذ ميزانية الدولة، مشيرا إلى أن الأرقام المنشورة لهذه النتائج إلى حدّ هذه الساعة لا تتجاوز موفّى مارس ونحن في أكتوبر 2025، وفق قوله.
وبيّن الخبير أنه من المفروض أن يكون قانون المالية لسنة 2026 مختلفا تماما على سابقيه، باعتباره يتنزّل في إطار المخطط الاقتصادي والاجتماعي الجديد 2026-20230، بل هو السنة الأولى لتنفيذ هذا المخطط.
وشدّد على أن السنة الأولى، لكل المخططات، لا بد أن تبدأ بقوّة أي بسياسات جريئة تحدث رجّة قوية في اقتصاد يعيش منذ مدّة في ركود تضخمي.
وأوضح أنه من المفترض أن تكون الأهداف الاقتصادية والاجتماعية لهذا القانون وسياساته حلا للإشكالات التي طرحها الميزان الاقتصادي لسنة 2026.
ولفت إلى أنه الوثيقة الرسمية التي وجب الاعتماد عليها بما أن هذا الميزان يطرح الإشكالات الحقيقية للاقتصاد التونسي بالنسبة إلى سنة 2026 والحلول اللازمة التي وجب اتباعها لتنزيل الرؤية الاقتصادية والاجتماعية التي يتضمنها مخطط 2026-2030 خلال السنة الأولى 2026.
وأشار إلى أن المخطط والميزان وقانون المالية تكشف التشتت والانفصال بين هذه الوثائق الثلاث.
واعتبر أن ذلك يعكس عدم التناغم والتعاون بين وزارة المالية ووزارة الاقتصاد والتخطيط، قائلا: “وكأن كل وزارة لا علاقة لها بالأخرى، وهذا من مشمولات رئاسة الحكومة، فهي التي من الواجب أن تحرص على هذا التناغم والتنسيق”.
ولفت الشكندالي إلى وجود شرخ كبير بين الأهداف والسياسات التي تمكّن من بلوغ هذه الأهداف، مضيفا: “بل هناك سوء فهم للأهداف التي رسمها قانون المالية لنفسه، فالأهداف في سقف عال جدا والسياسات في مستوى ضعيف جدا ولا تمكّن بالمرة من بلوغ حتى المستوى الأدنى من هذه الأهداف”.
ووصف أستاذ الاقتصاد الأمر بـ”كأن من يريد بلوغ القمر يقدّم كوسيلة لذلك “كريطة” (عربة مجرورة) للوصول إلى ذلك”.
وبيّن أن الأهداف نبيلة وهي تترجم بعض الشعارات التي يرفعها رئيس الجمهورية من شعار السيادة الوطنية والاعتماد على الذات، لكن هذا القانون لم يقدر على ترجمتها على أرض الواقع.
وتابع: “أو قد يكون من صاغ هذا القانون مقتنعا بصعوبة أو استحالة تنزيل هذه الشعارات على أرض الواقع وهو مجبر بمجاراة الشعارات التي يرفعها رئيس الجمهورية بدون أن يكون مقتنعا بذلك”.
وأوضح الشكندالي أن قانون المالية لسنة 2026 حصر الدور الاجتماعي للدولة في ثلاث نقاط لا غير:
– التوظيف في الوظيفة العمومية وبالخصوص أصحاب الشهادات العليا والأعوان العرضيون وعملة الحضائر وإدماج الأساتذة والمعلمين النواب. والحال أن التوظيف الحقيقي الذي ينمي الثروة الحقيقية للاقتصاد التونسي يكون في القطاع الخاص وليس في القطاع العام.
فالعدد الوفير من العمال والموظفين، في القطاع العام، أصبح عبئا حقيقيا على المجموعة الوطنية وكوّن بيروقراطية أعاقت الاستثمار الخاص والمبادرة الخاصة وأصبحت فعلا من المعوقات الرئيسية للنمو الاقتصادي. بل هناك من يطلق عليه “حزب الإدارة” لقدرته العجيبة على خنق كل ما يمكن أن يتقدّم بهذه البلاد للأفضل.
– الترفيع في الأجور لسنوات 2026، 2027 و2028 دون مفاوضات اجتماعية حقيقية قد تدفع وزارة المالية إلى النزول إلى أسفل معدلات الترفيع في هذه الأجور بتعلة التوازنات المالية.
إلا إذا كان هناك حرص من أعلى سلطة في البلاد وهو رئيس الجمهورية في أن تكون هذه الزيادات مجزية وتمتص فعلا معدّلات التضخّم المالي الحقيقي. أي المعدلات التي تخص المواد الأساسية الحياتية للمواطن التونسي (الخضروات واللحوم والأسماك واللباس…) وهي في الأغلب معدلات تفوق 15٪ وليس المعدّل العام للتضخم (5٪) والذي لا يعكس بالمرة ما يحس به المواطن التونسي من ارتفاع مشط للأسعار.
وأضاف الشكندالي: “لكن إذا أردنا أن نحسّن فعلا في المقدرة الشرائية للمواطن التونسي عبر الدور الاجتماعي للدولة، وهي الفكرة التي أتبناها بعيدا عن الحلقة المفرغة من زيادة في الأسعار وزيادة في الأجور، هي تحسين جودة الخدمات الاجتماعية والتخفيض في كلفتها حتى يتخلّص المواطن التونسي من الكلفة العالية في المصحات الخاصة والتعليم الخاص والنقل الخاص”.
– دعم أنظمة الضمان الاجتماعي، وذلك بالترفيع في معلوم الترسيم العقاري ومعلوم التسجيل على كراسات الشروط والمعلوم الإضافي عملية شحن الهاتف الجوال والمعلوم على الألعاب والمسابقات ومعلوم التسجيل على كل فاتورة من المساحات التجارية الكبرى وغيرها.
واعتبر الشكندالي أن هذه الإتاوات المتعددة لدعم الصناديق الاجتماعية تعكس القصور الكبير في تقديم الحلول الكفيلة لمعالجة العجز المالي الهيكلي التي تعيشه الصناديق الاجتماعية والتي تتحمل الدولة الجزء الأكبر من حدوث هذه الأزمة بتقاعسها عن خلاص ما تخلّد من ذمتها تجاه العديد من هذه المؤسسات.
وبيّن أن حتى العجز المالي التي تعاني منه عديد المؤسسات العموميّة كالشركة التونسية للكهرباء والغاز أو الخطوط الجوية التونسيّة مردّه أساسا تلكأ الدولة في تسديد ما تخلّد في ذمّتها تجاه هذه المؤسسات والحال أن الدولة وجب عليها أن تكون القدوة في ذلك.
وعرّج الشكندالي في قراءته الأوليّة على السياسات الاقتصاديّة لدفع النمو واعتبر أن اختصارها في امتيازات تقدّم للشركات الأهلية والقليل النادر من خطوط التمويل للشركات الصغرى والمتوسطة ولصغار الفلاحين وغيره من الخطوط الضعيفة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، هو سوء فهم للعوامل العديدة التي تعيق النمو الاقتصادي والتي تمنع من تنشيط حقيقي للاقتصاد التونسي.
ولفت إلى أنّ هذا القانون والذي يمنح قرضا مباشرا وبمبلغ خيالي لتمويل ميزانية الدولة لهذا العام وبنفس مبلغ عجز الميزانية (11 مليار دينار) هو نوع من المغامرة غير محمودة العواقب.
وبيّن أنّ هذا النوع من التمويل سيزيد في تعميق أزمة السيولة النقدية (assechement de liquidité) وسيقلّص من حظوظ تمويل الاستثمار في القطاع الخاص وسيوجّه السيولة كليا إلى تمويل نفقات الدولة وبالتالي سينضاف إلى جملة العوائق التي تحدّ من الاستثمار الخاص خاصة وأن نسبة الادخار ضعيفة للغاية.
وختم الشكندالي بتأكيد أن اختصار الاعتماد على الذات في تحويل وجهة الأموال من القطاع الخاص إلى تمويل نفقات الدولة عبر الاقتراض المباشر من البنك المركزي وتقديم الشركات الأهلية كبديل كلي للقطاع الخاص عوضا عن أن يكون مكملا له، سيضر حتما بمصالح المجموعة الوطنية وسيكون العائق الأكبر للنمو وخلق الثروة المنتجة.



أضف تعليقا