سياسة عرب

الشعبويّة والاستثمار في التوترات.. مساهمة د. عزمي بشارة في تأصيل المصطلح (2)

يشتغل الخطاب الشعبوي على شيطنة الخصوم، متعمّدا المبالغة والكذب. ويجتهد في إدانة النخب السياسية وإثارة الشكوك في جدارتها السياسية والطعن في مشروعيّـتها، ساعيا في ذلك إلى استقطاب قدر واسع من التعاطف الشعبي
 فوزي الصدقاوي 
انتهى الباحـــثـون في تاريخ الديمقراطيات منذ فلاسفة اليونان، وصولا إلى علماء السياسة المعاصرين، ممن شخّصوا الشعبوية وبحثوا في الخطر الذي يهدد الديمقراطية، إلى أن القضايا والإشكاليات المتعلقة بتاريخ الديمقراطيات، إنّما يثيرها التوتر القائم بين الحريّة والمساواة، وأن مثل هذا الأفق الإشكالي يفسح المجال على نحو مناسب ليثير عزمي بشارة بدوره، في نطاق مساهمته في تأصيل المصطلح، السؤال عن الشعبوية كيف تستثمر أزمات الديمقراطية الناشئة؟ وكيف يغنم الخطاب الشعبوي من فجوة الثقة من أجل بلوغ الحكم؟
 يتخذ أرسطو  موقفا حذرا من مخاطر ”الديماغوجية”، التي نسميها اليوم ”الشعبوية” والتي تعتبر  أنّ الناس إذا كانوا متساوين في الحرية، فيجب أن يكونوا متساوين فيها على وجه الإطلاق، وهو رأي يؤدي إلى رفع أي قيود عن “سلطـــــة الشعب”.
فالشعبوية في نواتها الصلبة هي الاعتقاد أن الشعب مساو للحكم وهو أفضل من حكّامه، وهذا التصوّر هو ما يصفه إدوارد شيلز  بــــــ”الديمقراطية المفرطة”، لكونها تهدد سيادة القانون، وتلحق الضرر بجميع مراكز السلطة والقوة في المجتمع. أمّا وليام كورنهاوز (1925) ، (William Korn hauser)، فيعتبر الشعبوية من أعراض مجتمع الجماهير، ويستخدم  أيضا عند وصف الظاهرة، مصطلح “الديمقراطية الشعبوية”. لأن الديماغوجيين وفق دعواهم، يتصرّفون باسم الشعب، وهم بذلك يصادرون ثقة الشعب، ويمارسون الحكم من دون قوانين تقيّدهم.
أمّا سيمون مارتن ليبسيت، (Seymon Martin Lipset) فيعود بجذور الحركات الشعبوية إلى الفئات المهمّشة من البرجوازية الصغيرة، التي تتبنى إيديولوجيا ترفض كل ما هو قادم من المدن الكبرى، وتطالب بتحديد سلطة الدولة، والمحافظة على مكسبي:  الملكية الخاصة والحريات، وهذه الحركات الشعبوية، تلجأ في الغالب، دفاعا عن وجودها في مواجهة ما يتهددها، من تحديث سريع، إلى تبني نظرة رومانسية في  تصوّرها للهويّة القومية وتتحصن بالتقاليد.
يهتم عزمي بشارة في هذه المساهمة، فضلا عن إستوغرافيا دراسات حول الشعبوية بالسؤال عن الحدود المميزة للظاهرة الشعبوية ودرجاتها في نطاق الديمقراطيات، كما يعتني بفحص المفردات التي يتزود بها الخطاب الشعبوي، والتوترات التي يستمد منها شرعيته مستثمرا في مناخات الأنظمة الديمقراطية.
يشتغل الخطاب الشعبوي على شيطنة الخصوم، متعمّدا المبالغة والكذب. ويجتهد في إدانة النخب السياسية وإثارة الشكوك في جدارتهم السياسية والطعن في مشروعيّـتهم، ساعيا في ذلك إلى استقطاب قدر واسع من التعاطف الشعبي. ولئن بدت الشعبوية حركة، يرسم الاحتجاج العفوي مسارها، فإنّها على الحقيقة لا تخفي حرصها، في إرساء استراتيجيتها بهدف الوصول إلى الحكم،  مستفيدة من جمهور الناخبين الغاضب، ومن مزاج الرأي العام المتشنج، لاسيما أنّ المد الشعبوي، في النظام الديمقراطي، يظلّ يتغذى على الدوام، من فجوة الثقة التي باتت تعبيرا نفسيا وأخلاقيا عن حالة اغتراب جمهور الناخبين عن الحكم وعن نُـخبة الحكم.
وبينما تُــعمِّق فجوة الثقة السياسية، حالة اغتراب أفراد المجتمع عن النخبة الحاكمة، يغتنم الخطاب الشعبوي هذا المناخ المحتقن، ليَـحمـِـــل المواطنين على البحث عن هويّات بديلة، فينتهى إلى استقطابهم حول “نحن” متخيّلة من جهة، يصطف خلفها الشعبويّون، ويَـنسِب في الجهة المقابلة، خصوم التيار الشعبوي  إلى “هم” متخيّلة أيضا.
تتجلى مخاطر الخطاب الشعبوي، في قدرته على الاستقطاب والتعبئة بهدف إعداد بيئة للاحتراب الداخلي، وتتجلى أيضا مخاطر هذا الخطاب في مشروعه لتحويل مركز الممارسة السياسية من المجتمع إلى الدولة ولإعادة تصميم المجتمع، و”معاداة السياسة” وسلب آليات الممارسة السياسية وأدواتها الخاصة في إرساء التشاركية والتعددية ومن ثمّ مصادرة مجال السياسة بعد إفراغها من مضمونها، بصورة يتحوّل فيها هذا الخطاب الشعبوي إلى إيديولوجيا فعلاً، تؤسِس لاستراتيجية سياسية، تُقسّم بها النخبة إلى “ممثلين حقيقيين” للشعب و”ممثلين غير شرعيين”، وتُــصنّــف المواطنين في خانتين : خانة “الشعب”/ وخانة الـ”أعداء”، لينتهي الأمر بسبب ذلك إلى تفكيك المجتمع من فوق إلى أسفل، وتفكيك نسيجه الاجتماعي المترابط وإثارة النعرات الساكنة  في نفوس الناس وذاكرة المجتمع، وتلك من أخطر  وجوه معاداة الديمقراطية.
يُعد نشوء ظاهرة الشعبوية وانتشارها تعبيرا عن ثلاثة توترات بنيوية:
التوتر الأول، بين المشاركة الشعبية بناء على اعتبارات أخلاقية وسياسية للمساواة بين الناس: (البعد الديمقراطي)، وما يقوم على مبدإ الحرية المتمثلة في الحقوق والحريات المدنية وكرامة الإنسان وملكيته الخاصة :(البعد الليبرالي).
والتوتر الثاني، يقوم بين فكرة “حكم الشعب لذاته من جهة، وضرورة تمثيله من قبل نخب وقوى سياسية تتولى المهمات المعقدة في إدارة الجهاز البيروقراطي للدولة”.
أمّا التوتر الثالث، فهو بين مبدإ التمثيل بالانتخابات الذي يقود إلى اتخاذ قرارات بأغلبية ممثلي الشعب المنتخبين أو بأصوات ممثلي الأغلبية من جهة، وبين قوى ومؤسسات غير منتخبة من جهة ثانية، تؤثــّر  في صنع القرارات أو في تعديلها أو في عرقلتها ().
والخطاب الشعبوي يستفيد من تلك التوترات البنيوية الثلاثة للديمقراطية الليبرالية، ويعمل على أن يستثمر في التناقضات الاجتماعية، التي تمثل مصدرا للتهميش وسببا في وجود فئات متــضررة من النظام، وفي نشوء بيئة غاضبة ومزاج جماهيري متشنج، حيث تتحويل “فجوة الثقة السياسية” إلى حجة لوضع النظام الديمقراطي نفسه في دائرة  النقد.
لكن هذه التوترات الثلاثة تظل قائمة في بنية هذا النظام، حتى مع ارتفاع معدلات النمو ومع تحقيق قدر من التقدم في مستوى العدالة الاجتماعية. فمثل هذه التوترات وما ينجم عنها من أزمات، غالبا ما تكون سببا في تطوير الأنظمة الديمقراطية الليبرالية، لما  تتضمن من مرونة في التكيّف وفي  تعديل ذاتها.
وما تميّزت به الديمقراطيات التاريخية التي بدأت بنظام ليبرالي، هو وضعها حدودا مع السلطة التنفيذية وحماية الملكية الخاصة والحريات وحق اقتراع حصري، إلى أن ترسخت الحريات والحقوق المدنية. وقد توسّع تطبيق هذا الحق بالتدريج، ليشمل فئات أوسع فأوسع من المواطنين. وقد كان ذلك سبيل احتواء الحركات الشعبية المناهضة عموما لمكوّنها الليبرالي من دون أن يلحق ضرر بالحريات.
غير أن الديمقراطيات الناشئة التي لم تمر  بمرحلة ليبرالية، ولم تؤسس للحريات، أو لم تسعفها الصعوبات لترسيخها، فكانت أكثر هشاشة وأقلَ مقاومة للخطاب الشعبوي ومضاره. وهو ما يبرهن على أنّ الدمقرطة حين تتم من دون حماية مناسبة للحريات، فإنّها تترك الأفراد دون وسائل رقابية وتعديلية، وتجعلها عرضة لسيطرة نخب ذات توجّه جماهيري. لكن  يتوجّــب على السلطة أن تكون مستقرة ومحدودة الصلاحيات، وإلا فإن عمليات الدمقرطة، ستصب في صالح الحركات المعادية للحرية وللديمقراطية.