رأي

الشعبوية ومنابتها السياسية والثقافية.. مساهمة د عزمي بشارة في تأصيل المصطلح

فوزي الصدقاوي
يُعدّ الفصل بين سيادة الشعب وتمثيليته شرطا ضروريا، في الديمقراطية الليبرالية، لكن هذا الفصل في حقيقة الأمر هو منشأ حالة اغتراب المواطنين عن النخبة الحاكمة، ومنها تنشأ “فجوة الثقة”، لكن وفق كارل سميث -(1888-1985) أستاذ القانون، صاحب كتاب اللاهوت والسياسي (1934)، وهو مَن نظّر للنازية واحتفى بها- إذَا كانت سيادة الشعب أو أيّ حكومة -كما في تعريفه للسيادة- تجسّد قدرتها على إعلان حالة الطوارىء (الاستثناء)، التي يُسمح فيها بتجاوز القانون، فيُمكن أن يفعل ذلك شخص غير مُنتَـخَــبٍ يُــمثّل الشعب. لكون تمثيل إرادة الشعب عند سميث هي الديمقراطية المباشرة فعلا.
فالديمقراطية، بالنظر إلى تعريفات سميث، هي تماهي الحكّام والمحكومين، بيد أنّ الأحزاب، برأيه، تُشوّه هذا التماهي، بما تعقده من”صفقات” في الغرف البرلمانية، حسمًا لنزاعات الأكثرية والأقلية، وإذا كان أعضاء الفئات البرلمانية يُمكنهم أن يُــمــثّلوا الشعب، فإنّه يصّح أيضا أن يُمثّل الشعبَ شخص واحد، تتجسد فيه السيادة بالقدرة على الحسم.
تعيش الديمقراطية الليبرالية توتّرا دائما بين مبادىء الليبرالية التي تـُعنى بحماية الحقوق والحريات الفردية والمشاركة الشعبية الواسعة. وقد ينجم عن هذه الديمقراطية الليبرالية، انتشار سياسات الهويّة ومخاطبة الغرائز، وقد تنشأ عنها تيارات تخوض غِمَار العمل السياسي من منطلقات معادية للسياسة ذاتها، وللمؤسسات السياسية والنخب القائمة على وجه خاص.
والواقع أنّه يمكن أن تُـآخذ الديمقراطيات لكونها تنشأ في طبقة سياسية من الأحزاب الكبرى، وتتبادل في ما بينها، في لعبة داخلية، القوة والنفوذ والسلطة، الأمر الذي يُعمّق اغتراب الناس عن السياسة، وتُشعِرَهم أنّ مشاركتهم في الاقتراع، هي مشاركة وهميّة، لأنّها تقتصر على انتخاب أعضاء للحكم من بين نخب تتعاقب على إدارة الحكم. لكن يصحّ القول أيضا في المقابل، إنّ الرقابة القضائية والشعبية على المنتخبين تشتد، وإنّ حقوق الناس وحريّاتهم تزداد رسوخا.
ويعتقد عزمي بشارة من جهته، في هذا السياق، أنّ هذه الهوّة الفاصلة بين السيادة والتمثيلية يمكن تجسيرُها بتوسّط الأحزاب والمؤسسات المدنية التي يجري في ظلها إدارة الحوارات والمناقشات، فتصبح الرقابة متبادلة، حين تتولّى المؤسسات، مراقبة المنتخبين عبر المحاكم وفي الإعلام وفي المؤسسات التعديلية واللجان البرلمانية.
أمّا القضاء والحريات المدنية، فتبقى قيودا مضروبة على النخب السياسية، لا يمكن فصلها عن آليات النظام التمثيلي بما في ذلك الانتخابات، حـيث لا ضمانة لنزاهة تلك الانتخابات، من دون الحريات ومن غير استقلاليّة جهاز القضاء، الذي يمكن اللجوء إليه في حالات التزوير أو فساد السياسيين أو خرق مبادىء دستورية. فجميع تلك الآليات وغيرها، في الديمقراطية الليبرالية، هي بتعبير عزمي بشارة، أجراسٌ للإنذار، تقرعها الأزمات، وتستدعي بها المنظومة إلى إصلاح ذاتها.
ورغم ما يلوّح به الساسة الشعبويون المعاصرون من طعون ضد البرلمانات، فإنّ تلك الطعون المتهافتة، وهي مُـــعَـدّة للاستهلاك الموسمي (حملات انتخابية.. مثلا)، يُمكن، إذا ما أخفق النظام الديمقراطي في حلّ أزماته، أن تُصبح تلك الأزمات خطرا محقّقا على الاستقرار، وبالنتيجة ستخيّم الضبابية على رؤية المستقبل.
وفي مستوى ثانٍ من معضلات الديمقراطية الليبرالية.. أنّها لا تستقيم، من دون الجمع بين مبدأي الحريّة والمساواة، وأنّ أيّ محاولة لعزل أيّ بعدٍ عن الآخر، ستنتهي إلى إفراغه من مضمونه. فالحرية من دون نوع من المساواة الاجتماعية تفقد معناها، ولا يُمكن ممارستها، ليس فقط بسبب انتقال عدم التكافؤ في الفرص من المجالين الاقتصادي والاجتماعي إلى المجال السياسي، مما يجعل من المشاركة السياسية بلا معنى، بل لأنّ الحرية في حياة الفرد تصبح نظرية في ظل شحّ الخيارات المتوفّرة لديه.
وتنهض المساواة بوصفها مبدأَ موجِّهًا، تـتّسع بها الخيارات، شرط أن تكون الفرص متساوية أمام عموم المواطنين، من أجل توفير متطلّبات العيش الأساسية، ذلك أنّ المساواة السياسية التي يقوم عليها منطق الديمقراطية، تسمح لمبدإ المساواة أن يــتمدّد إلى مجالات ثقافية واجتماعية كثيرة. لكن الباحثين لم يهتمّوا بما يكفي بمخاطر غياب المساواة، التي أصبحت من أهم مصادر الشعبوية المعاصرة، إذ تقع عليهم أيضا مسؤوليّة البحث في معالجة مَنشأ هذه الشعبوية المعاصرة ليس في التوتّرات وحسب بل في منابتها الاجتماعية والثقافية أيضا.
كان ألكسيس دو توكفيل، يعتقد أنّ التطلّع إلى المساواة هو المحرك الرئيس للثورات، وأن حركة المساواة في التاريخ مستقلة عن حركة الحرّية.
ويمكن، بناءً على ذلك، أن تتعايش المساواة مع الديمقراطية والاستبداد على حد سواء. وربما يصحّ رأي دو توكفيل حينما يتعلّق الأمر بالمساواة المطلقة، التي سبق أن انتقدها أرسطو، ولكنّه لا يَـصحّ بشأن العدالة الاجتماعية التي يُهدّد غيابها أيّ نظام وخصوصا النظام الديمقراطي الذي تَفقد فيه الحرية معناها في ظروف الحرمان الاجتماعي.
كما أنّ التجربة تـُثبتُ أنّ الحرّيّة تتحوّل إلى نقيضها من دون مساواة اجتماعية، فتوفير الخدمات والمنافع من دون حريات ينتهي إلى نظام استبدادي وإلى تحكّم فئة قليلة في السياسة والاقتصاد، بقدر أكبر بكثير من قدرة النخب في النظام الديمقراطي الليبرالي.
 ومن المهمّ، أن نلاحظ أنّه لا توجد علاقة ضمنية بين المشاركة والمساواة، من دون فاعليّة مبدإ الحرّيّة. لأنّ الأمر يعتمد على درجة وعي المشاركين، وعلى طبيعة القوى السياسية وبرامجها. فالمساواة في المجال السياسي ليست مبدأ مطلقا، فهو في الاقتراع مقيّد بشروطه، وبمجاله.. وبقوانينه الناظمة، مع ضمان حماية الحريات.
فمثلما تـُـقيِّد الليبرالية عنصر المشاركة في الديمقراطية السياسية، والقائم على مبدإ المساواة الأخلاقية، والمساواة في العقل بين المواطنين، تقيّد مبادىءُ أخرى عملية المشاركة في صنع القرارات، ضمن مؤسسات اجتماعية مختلفة، مثل الجمعيات والمجالس المحليّة والشركات.