رأي عرب

“الشعبوية”.. مساهمة عزمي بشارة في تأصيل المصطلح

الشعبوية السياسية لا تنشأ إلا في سياق الأزمة الدائمة للديمقراطية وفقدان الثقة في النظام والأحزاب القائمة

فوزي الصدقاوي 

 لماذا الاهتمام بظاهرة الشعبوية السياسية؟ وما الذي يجعل من هذه الظاهرة موضوعا جديرا  لدى الباحثين بالبحث والفهم والتحليل، ومنها الحرص على رسم حدود لمعناه مصطلحا إجرائيّا، لاسيما أنّ تشريح الظواهر السياسية والمجتمعية المعاصرة بطبيعتها المركّبة، في مجتمعاتنا العربية على وجه الخصوص، يحتاج إلى جهود متفانية للحفر ليس فقط في البنى السياسية وإنّما أيضا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بأرصدتها التاريخية. 

 كان بروز حركات يمينية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، وانتشار هذه الحركات خارج منظومات الأحزاب السياسية المعروفة، قد صاحبهما حضور متميّز لمصطلح الشعبوية، في قائمة المعجم الاصطلاحي الإعلامي والأكاديمي، وذلك في نطاق توصيف تلك الظواهر  السياسية الجديدة، التي شبّت عن طوق التصنيفات التقليدية للقوى النشطة.

 يأتي سعي الدكتور عزمي بشارة في محاولة تخليق مضمون أكثر وضوحا لمعنى “الشعبوية”، إسهاما يُضاف إلى كلّ المحاولات النظرية المتعدّدة التي قدّمها عدد من علماء السياسة، وإلى ما رافقها من مناقشات استصحبت التحوّلات العميقة التي شهدتها مجتمعات العالم. ولكن يندرج أيضا، الاهتمام بهذه الظاهرة، في سياق أبحاث الدكتور عزمي بشارة، المتعلقة بالديمقراطية والانتقال الديمقراطي من خلال التجارب العربية (2).   

 وهو ما يميّز هذا الجهد، ويمنح هذا الإسهام، مضمونا يضيف إلى معنى المصطلح، خصوصيّة، غالبا ما تهدرها، معاجم الاصطلاح وموسوعات العلوم الإنسانية، فتلك الخصوصية التي أعطت للاصطلاح معنى ملائما للحالة العربية، حملت الدكتور بشارة، على التوقّع مبكّرا (في مقاله، سنة 2019) أنّ “مصطلح الشعبوية، [….] سوف يكتسب راهنية في مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية في الوطن العربي”(3).

 ليست الشعبوية السياسية ظاهرة مستحدثة، وإنما هي نمط من المخاطبة والممارسة، متجدّدة، فهي تنشأ مع الأزمات، بسبب فقد الثقة في النظام والأحزاب السياسية القائمة والنخب الحاكمة، وإن تصدّرت المشهد السياسي، فعلت ذلك بمزاج متوتّر.

 والشعبوية إن تشكّلت سارعت إلى اعتبار نفسها قوة تغيير قادمة، وقوة اقتراح ناجعة، إلّا أنّ بروزها باعتبارها ظاهرة سياسية، كان يُفهم دوما على أنّه علامة على وجود أزمة.  فالشعبوية السياسية لا تنشأ إلّا في سياق ما يُسميه الدكتور عزمي بشارة،” بـ”الأزمة الدائمة للديمقراطية” التي توفّر لها فرصة الاستفادة مما تجده من استجابات عفوية لدى شرائح واسعة من ضحايا الديمقراطية الليبرالية المعاصرة، وبما يدّعيه خطابها من تعبير عن تطلّعات تلك الشرائح الاجتماعية، بوصفها قوى حاملة لمشروعٍ في التغيير وفي الحكم.

لا تستأهل الديمقراطية في عصرنا، هذه التسمية، وفق الدكتور عزمي بشارة، ولا يليق بها أن تضاف، إلّا إلى الديمقراطية الليبرالية، التي كانت نتاج مخاض طويل من التجانس بين الديمقراطية والليبرالية. وهذا الموقف هو بمثابة المقدّمة الكبرى في هذه الدراسة، المشغولة بالتفكير في إشكاليات الانتقال الديمقراطي، وفحص أزماته. على أنّ  هذه الدراسة، تسعى على أساس من تلك المقدّمة، إلى تمييز  ظاهرة الشعبوية في ظل الأنظمة الديمقراطية الراسخة، وفي تلك الأنظمة الديمقراطية الناشئة في البلدان غير الديمقراطية، من جهة حدودها ودرجاتها، كما تسعى أيضا إلى أن تتفحّص طبيعة المعارضة من جهة وطبيعة السلطة من جهة ثانية، بما يميّزهما من شعبية أو بمقدار ما تنغمس فيهما من شعبوية. 

تولي هذه الدراسة اهتماما بما يميّز مخاطر الشعبوية على الديمقراطية الراسخة، وما يميّز من جهة ثانية مخاطر تلك الشعبوية على الديمقراطيات الناشئة، فإذا كانت الديمقراطية الراسخة تتحصّن بما لها من خبرة وتجربة وآليات لاحتواء ما يعتريها من أزمات دورية، فإنّ الديمقراطية التي نشأت عقب نظام سلطوي ولم تكن قد سبقتها تجربة ليبرالية ما حرمها من  أن ترسّخ بيئة ثقافية وقيمية للحقوق والحريات. ستجعل من الشعبوية السياسية خطرا حقيقيا داهما، ليس فقط على الانتقال الديمقراطي، وإنّما أيضا على الدولة والمجتمع.

________________________________________________________________________________________

الهوامش:

[1] – بشارة (عزمي) ، الشعبوية والأزمة الدائمة للديمقـراطية، مجلة سياسات عربية، العدد 40، أيلول، سبتمبر 2019، صص (7- 34).

[2] –  أتم الدكتور عزمي بشارة، إعداد كتاب حول دراسات الانتقال وراهنيتها عربيًا ، حاول فيه أن يقــدم إسهامًا نظريًا انطلاقًا من التجارب العربية.

[3]  – شهدت تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس مثلا ، إثر إنتخابات سنة 2019، صعودا مثيرا  للخطاب الشعبوي، في مستوى مؤسسة البرلمان و بعض الأحزاب البرلمانية وغير البرلمانية والتكتلات “المدنية”مستحدثة (تنسيقيات الحشد الشعبي..)، وتطور هذا الخطاب لاحقا في مستوى رئاسة الجمهورية

(تحت شعار الشعب يريد..)، إلى قرارات غلق البرلمان وتجميد عضوية أعضائه ورفع الحصانة عنهم، والغاء الدستور، والاستفتاء على دستور جديد، الذي وسّع من صلاحيات رئاسة الجمهورية، وألغ دور المؤسسات الوسيطة وحولّ سلطة بعضها إلى “وظيفة”. وإنتهت التعبئة الشعبوية المصاحبة لهذه الاجراءات، إلى تقسيم المجتمع، إلى أخيار و أشرار، وصالحين وفاسدين، وإلى مواطنين وخونة، ليُنشأ على إثر ذلك في بنية الخطاب ضميران يعكسان نزاعا وجوديا حول السلطة، يعبر عنهما بـــ (الأنا) و(الهم) في خطاب أعلى هرم السلطة التنفيذية، وسينتهي الأمر،  بمفعول هذا الشحن الوظيفي، إلى زجّ رموز سياسية معارضة في السجن، إنقضى زمن الاحتفاظ القانوني الأفصى (14 شهرا)، دون أن يطلق سراحهم أو يحالوا على أنظار المحاكم .