سهام بن سدرين.. انتصار الحكاية في وجه الهزيمة

سهام بن سدرين

 

رانية الدريدي

 

“الشجاعة لا تضمن نهاية عادلة.. لكنها تضمن حياة تستحق أن تُروى”.. بهذه العبارة يمكن أن نبدأ التأمل في مأساة الذاكرة التونسية، وفي حكاية امرأة راهنت على أن الحقيقة وحدها قادرة أن تكون أساسا لبناء وطن. قبل أن نغوص في عتمة الصمت الجماعي، وقبل أن نسأل عن أسباب هروب التونسيين من آلامهم، يجدر بنا أن نقف قليلا عند النهاية المأساوية لمن حاولت أن تكسر هذا الصمت: سهام بن سدرين.

سهام بن سدرين، الحقوقية التونسية التي كرست حياتها لتفكيك آليات القمع والتعذيب، حُكم عليها في الآونة الأخيرة بخمس وعشرين سنة سجنا، وهي في الخامسة والسبعين من عمرها، بتهم ملفقة، بالطبع، تهم من قبيل احتيال، تزوير، استغلال الصفة للإضرار بالإدارة، تلك التهم الكلاسيكية الجاهزة في تونس لكل من يرفع رأسه بالحقيقة. الحكم ليس مجرد عقوبة لامرأة تجاوزت العمر الذي يمكن أن تتحمل فيه ربع قرن خلف القضبان. الحكم رسالة، رسالة واضحة، قاسية، مدوية، تقول لكل من تسوّل له نفسه أن ينبش في الماضي: هذا مصيرك، هذا ما ينتظر كل من يحاول أن يجعل لذاكرة هذا الوطن أرشيفا غير أرشيف النسيان.

لقد جمعت سهام بن سدرين، عبر هيئة الحقيقة والكرامة التي أسست بعد الثورة وترأستها، أكثر من خمسين ألف شهادة. خمسون ألف صوت خرج من الظلام، خمسون ألف حكاية عن التعذيب والاغتصاب والاختفاء القسري والإذلال.
خمسون ألف دليل على أن ما حدث في تونس لم يكن مجرد “تجاوزات فردية” بل كان نظاما متكاملا للقمع، ماكينة محكمة لطحن البشر وتحطيمهم. ومن بين كل هذه الشهادات، ثمة واحدة لم تفارق ذاكرة سهام، شهادة تختصر كل البشاعة التي يمكن أن تصل إليها آلة الدولة حين تنقلب على مواطنيها.

عائلة تنتمي إلى حركة النهضة في التسعينات اعتقل الأمن الزوجين، وتركوا وراءهم طفلين: بنتا في التاسعة من عمرها، وابنا في السابعة. وفي غياب الأبوين، عاد رجال الأمن إلى المنزل. لم يعتقلوا أحدا هذه المرة. اغتصبوا الطفلة. اغتصبوا الطفل. ثم صاروا يذهبون إلى المنزل باستمرار، في غياب الأبوين، ليكرروا الجريمة. النهاية: الابن انتحر. الأخت فقدت عقلها، ودخلت مستشفى الأمراض العقلية. أسرة دُمرت بالكامل. ليس فقط الأبوان اللذان عُذبا في المعتقل، بل الطفلان اللذان اغتُصبا في “البيت الآمن”، في المكان الذي كان يفترض أن يكون ملاذا لا مسرحا للجريمة. هذه القصة، التي جمعتها سهام ضمن خمسين ألف قصة أخرى، تكفي وحدها لتفسير لماذا كانت فكرة “العدالة الانتقالية” خطرا وجوديا على الدولة العميقة. لأن الكشف عن هذه الجريمة يعني الكشف عن الوجه الحقيقي للنظام. يعني أن يرى التونسيون أنفسهم في مرآة لا تجمّل، وهذا ما لم يكن مسموحا به.

سهام بن سدرين راهنت على أن المجتمع التونسي، بعد الثورة، صار مستعدا لمواجهة حقيقته. راهنت على أن الكرامة التي هتف بها التونسيون في الشوارع تعني أيضا كرامة الضحايا، كرامة الحقيقة، كرامة الاعتراف. راهنت على أن بناء مستقبل ديمقراطي يستحيل دون مصراحة شجاعة مع الماضي، لكنها، في النهاية، وجدت نفسها وحيدة.
وحيدة أمام دولة عميقة تقرأ جيدا نفسية المجتمع التونسي وتعرف كيف تستثمر فيها، وحيدة أمام مجتمع لم يكن مستعدا لمواجهة ظلامه. وحيدة وهي تتلقى حكما بخمس وعشرين سنة، في عمر لا يسمح حتى باستئناف حياة بعد السجن. الحكم عليها ليس حكما على شخصها فقط، بل هو حكم على فكرة الحقيقة ذاتها. الدولة تقول بوضوح: لا نريد حقيقة، لا نريد ذاكرة، لا نريد أن تُروى هذه القصص، ومن يصر على روايتها، فليتحمل العواقب.

في ظل هذه النهاية المأساوية لمن حاولت كسر الصمت، نعود إلى السؤال المركزي الذي يطاردني منذ زمن: لماذا يصمت التونسيون عن آلامهم؟ لماذا نطوي صفحات من تاريخنا المعاصر وكأننا نخجل منها، لا نخجل من الجلادين بل من كوننا ضحايا؟
لعلنا نحتاج أن نغوص في أعماق النفس التونسية لنفهم هذه الظاهرة، ثمة ما هو أبعد من “العار” الفردي. إنه عار جماعي، موروث ثقافي متجذر في علاقتنا بالجسد، بالأنوثة والذكورة، بالشرف والعيب. عندما يُنتهك الجسد في مجتمع يقوم مفهوم الشرف فيه على “صون” هذا الجسد، تصبح الجريمة مضاعفة: انتهاك من الجلاد، ثم وصم من المجتمع.
الضحية تصبح مذنبة مرتين: مرة لأنها عُذّبت، ومرة لأنها “سمحت” لجسدها أن يكون مسرحا للتعذيب. هذا منطق مقلوب لكنه راسخ في اللاوعي الجمعي. ومن هنا يتولد ما يمكن تسميته بـ”التطبيع مع الألم”: أن تتعايش مع جرحك كما لو كان عضوا أصيلا في جسدك، لا جسما غريبا يجب استئصاله بالكلام.

في بودكاست استمعت إليه في الآونة الأخيرة، تحدث الصحفي والمعتقل السياسي السابق كمال الشارني عن تجربته مع كتابه “أحباب الله” الذي وثّق فيه فصولا من معاناته خلف القضبان. روى كمال كيف قصد أحد رفاقه القدامى في سجن برج الرومي سيئ السمعة، ليستأذنه في ذكر اسمه، فوجده قد هجر الشعر والكتابة تماما، وكرّس وقته لشراء العصافير التي تربت في الأقفاص، وتدريبها على استعادة القدرة على الطيران والعودة إلى البرية. رفض الرجل أن يُذكر اسمه، وقال له بلهجة لا تحتمل التأويل: “أنت وجدت الشفاء في الكتابة، وأنا وجدت الشفاء في تدريب العصافير على الحرية”. ثم أنهى حديثه بجملة قاطعة: “لا تعد إليّ أبدا، فقد قضيت معك يوما سيئا أعادني إلى ما أحاول أن أنساه”.

وجد هذا الرجل شفاءه لا في الحكي ولا في البوح، بل في الصمت، وفي طقس إطلاق العصافير كي تحلق في البرية وتعود إلى حيث تنتمي. أما كمال، فقد وجد شفاءه في الكلام، وفي التأليف، وفي تحويل الألم إلى سرد يُقرأ، هذا التباين في استراتيجيات النجاة يفتح الباب على مصراعيه لفهم أعمق للصمت التونسي.

ولعل قصة أخرى، لا تقل وجعًا، تضيء هذا الصمت من زاوية أكثر قسوة، إنها قصة امرأة مناضلة، منتمية لحركة النهضة في التسعينات، فقدت القدرة الجسدية على النطق تماما بعد أن اغتصبتها سجينة أخرى بوحشية داخل المعتقل.
لم تكن المعتدية سجينة عادية، بل امرأة لوطية دفعتْها إدارة السجن لتنفيذ هذه الجريمة بتوصية واضحة ومباشرة. إنه انتهاك مركب: جريمة جنسية مكتملة الأركان، تُرتكب بأداة أنثوية لكن بروح ذكورية قمعية، وتُموَّل أخلاقيًا ولوجستيًا من سلطة السجن.

النظام استخدم جسد امرأة لسحق جسد امرأة أخرى، في لعبة قذرة تتجاوز التعذيب الجسدي إلى تفكيك الضحية من الداخل، عبر جعلها تخون جسدها، تخون أنوثتها، تخون فكرة التضامن النسائي نفسها. هذه المرأة لم تصمم على الصمت، بل فقدت القدرة البيولوجية على الكلام. جسدها الذي انتهك صار سجنا لا يسمح للصوت بالخروج، بعد خروجها من السجن عاشت في قوقعة، صامتة لا بإرادتها، بل لأن الجريمة امتدت من جسدها إلى حبالها الصوتية، من روحها إلى قدرتها على التواصل مع العالم. أليس هذا أبلغ تعبير عن انتصار الجلاد؟ أن تسلب الضحية ليس فقط حريتها، بل قدرتها على رواية ما حدث لها؟

هنا، في هذه القصة بالذات، يتجلى رابط عميق بين صمت المعتقلين السياسيين وصمت ضحايا الاغتصاب والتحرش في المجتمع. الآلية واحدة: الضحية تُدفع إلى الصمت لا خوفا من الجلاد فقط، بل خوفًا من نظرة المجتمع التي تحولها من معتدى عليها إلى كائن منقوص الشرف. المرأة التي تُغتصب، سياسيًا كانت أم لا، تعرف أن مجتمعها سيغفر للجلاد أكثر مما سيغفر لها. سيسألها المجتمع، ضمنا أو صراحة: ماذا كنتِ ترتدين؟ لماذا كنتِ هناك؟ لماذا لم تقاومي؟ وهذه الأسئلة نفسها، بصيغ مختلفة، تُطرح على المعتقل السياسي: لماذا دخلت السياسة أصلًا؟ لماذا لم تسكت مثل غيرك؟ ألم تكن تعرف العواقب؟ الضحية في الحالتين تصبح مذنبة، ويتحول الألم إلى وصم، والصمت إلى عقاب ذاتي تفرضه الضحية على نفسها قبل أن يفرضه الآخرون عليها.

هذا الوصم يعمل في صمت، في الظل، في اللاوعي الجمعي للمجتمع التونسي.
وهو يصبح أكثر إيلاما وتعقيدا حين نضعه في سياق الصورة التي يحب التونسيون رسمها عن أنفسهم.
لعقود طويلة، ساد خطاب يمجّد التونسي باعتباره كائنًا استثنائيًا في محيطه: شعب مثقف، واعٍ، منفتح، أقرب إلى الأوروبيين في عقليته وسلوكه. مجتمع مدني عريق، تعليم عصري، نساء متحررات، نخبة مثقفة تقرأ وتكتب وتناقش. هذه الصورة، التي عززتها نخب ما بعد الاستقلال، خلقت نوعًا من الغرور الوطني الذي يرفض رؤية الوجه الآخر للمرآة.

فكيف لشعب بهذه الدرجة من “التحضر” أن يمارس تعذيبًا ممنهجًا ضد أبنائه بسبب آرائهم؟ وكيف لهذا المجتمع “المنفتح” أن يحول ضحايا التعذيب والاغتصاب إلى منبوذين يخجلون من آلامهم؟ التناقض صارخ: نحن منفتحون بما يكفي لنبدو أوروبيين في علاقتنا بالحداثة، لكننا منغلقون بما يكفي لنمارس وصمًا اجتماعيا لا يختلف في جوهره عن أكثر المجتمعات محافظة وتقليدية.

هذا التناقض ليس جديدًا، بل هو جزء من بنية الشخصية التونسية كما تشكلت تاريخيًا. نحن شعب يريد الحداثة في مظهرها لا في جوهرها، نريد التعليم العالي، لكننا لا نريد التفكير النقدي الذي يصاحبه، نريد حقوق المرأة، لكننا لا نريد إعادة النظر في مفهوم الشرف المرتبط بجسدها، نريد الديمقراطية، لكننا لا نريد مواجهة الماضي الديكتاتوري الذي جعل الديمقراطية مستحيلة، هذا الانفصام بين الظاهر والباطن، بين الصورة المعلنة والحقيقة المعيشة، هو ما يفسر لماذا ندفن جراحنا بدل أن نداويها. الحديث عن التعذيب، عن الاغتصاب، عن الإذلال، يفضح هذا الانفصام. إنه يذكرنا بأننا لسنا كما ندّعي، بأن تحت قشرة “التحضر” الأوروبي ثمة أعماق ما تزال تحكمها أعراف قبلية، وبأننا لم نتصالح بعد مع ظلامنا الداخلي. والصمت هنا يصبح وسيلة للحفاظ على الصورة الجميلة، على الوهم المريح الذي يسمح لنا بالاستمرار في تصديق أنفسنا.

لكن الأمر لا يتعلق فقط بسيكولوجيا المجتمع وصورته عن ذاته. ثمة غياب موازٍ، أكثر برودة وأكثر إفزاعًا، هو غياب التوثيق الأكاديمي والعلمي المنهجي لهذه الفترة. بعد كل هذه السنوات، وبعد آلاف المعتقلين السياسيين الذين مروا بالتجربة، وبعد قصص تعذيب واغتصاب وإذلال لا تُحصى، وبعد موت عدد غير معروف منهم تحت التعذيب، لا تكاد توجد دراسات أكاديمية تونسية جادة توثق هذه الحقبة. نعم، هناك بعض الكتب، بعض الروايات التي تندرج ضمن ما يسمى “أدب السجون”، بعض الأفلام الوثائقية القليلة، بعض المقالات الصحفية المتفرقة. لكن أين الدراسات السوسيولوجية المعمقة؟ أين الأبحاث النفسية حول تأثير التعذيب على الضحايا وعائلاتهم؟ أين التوثيق التاريخي المنهجي لآلة القمع التونسية؟ أين الأطروحات الجامعية التي تُناقش هذه الفترة؟ أين مراكز البحث التي تجمع الشهادات وتحفظها وتُخضعها للتحليل العلمي؟

هذا الغياب ليس صدفة، المؤسسة الأكاديمية التونسية، شأنها شأن بقية المؤسسات، كانت جزءا من بنية الدولة ما قبل الثورة. أساتذة الجامعات، المشرفون على الأبحاث، رؤساء الأقسام، كلهم كانوا يعرفون أن ثمة خطوطًا حمراء لا يمكن تجاوزها. البحث في تاريخ القمع والتعذيب كان من أشد هذه الخطوط حُمرة، ومن نجا من القمع المباشر، نجا عبر الرقابة الذاتية: أن يقنع الباحث نفسه بأن هذا الموضوع “ليس من اختصاصه”، أن “الوثائق غير متوفرة”، أن “الوقت لم يحن بعد”. وهكذا، انتقلت الرقابة من خارج المؤسسة الأكاديمية إلى داخلها، من سلطة الدولة إلى سلطة الذات، تمامًا كما انتقل السجان من الزنزانة إلى أعماق الضحية. النتيجة هي فراغ بحثي مرعب يترك الذاكرة الوطنية عرضة للتشويه والمصادرة والنسيان.

العدد الهائل للضحايا يجعل هذا الفراغ أكثر فداحة، نحن لا نتحدث عن مئات، بل عن آلاف المعتقلين السياسيين. موجة تلو موجة، من السبعينيات إلى التسعينيات إلى ما قبل الثورة مباشرة، في كل موجة، قصص تعذيب بشعة: عن اغتصاب الرجال والنساء، عن تعذيب بالأدوات، عن إذلال نفسي ممنهج، عن موت تحت التعذيب، عن عائلات دُمرت وشردت. قصص لو وُثقت كما ينبغي لشكلت أرشيفًا ضخمًا من الألم، ولكانت اليوم سدًا منيعًا أمام أي محاولة لإنكار الماضي أو تزييفه.

لكنها لم توثق، أغلب هذه القصص بقي حبيس صدور أصحابها، أو تناقلته الذاكرة الشفهية في لقاءات عائلية مغلقة. مات كثيرون وهم يحملون أسرارهم معهم إلى القبور، وهكذا، كلما مات معتقل سياسي دون أن يدلي بشهادته، ينتصر الجلاد من جديد.
في هذا السياق، تبدو سهام بن سدرين استثناءً بطوليًا، في مشهد عام يلفه الصمت والتجاهل، وقفت وحدها تقريبًا، أو مع فريق صغير من الحقوقيين، لتقول: لا، يجب أن نعرف، يجب أن نسمي الأشياء بأسمائها، يجب أن نوثق.
أكثر من خمسون ألف شهادة جمعتها الهيئة في سنوات قليلة، في سباق محموم مع الزمن، قبل أن يموت الشهود أو تفتر عزيمتهم أو تنتصر ثقافة النسيان.

هذا الرقم، خمسون ألفًا، ليس مجرد إحصائية، إنه دليل على أن الصمت لم يكن قدرا محتوما، بل كان خيارا. خيارا جماعيا يمكن كسره إذا توفرت الإرادة السياسية والمساحة الآمنة.
لكن ما حدث بعد ذلك، من سحب للأرشيف وملاحقة لسهام، أثبت أن الدولة العميقة فهمت الدرس جيدا: لا يمكن السماح بوجود ذاكرة موثقة، لأن الذاكرة الموثقة هي سلاح، هي أساس المحاسبة، هي ما يجعل من المستحيل على الجلاد أن ينام قرير العين.
وهنا، في هذا المأزق، تنفتح أسئلة مؤرقة قد لا نجد لها إجابات قريبا، لكن مجرد طرحها هو شكل من أشكال المقاومة.
لماذا يلف الصمت جراح التونسيين التاريخية رغم أن هذه الجراح هي التي فجرت الثورة؟ هل نحن حقا مجتمع تحرر من قيوده، أم أننا نقلنا القيود من الخارج إلى الداخل، من السجن إلى الذاكرة، من الجلاد إلى الذات؟ كيف لشعب يدّعي الاستنارة والانفتاح أن يمارس وصما بهذه القسوة على ضحاياه؟ هل نختلف حقًا عن المجتمعات التي نحب أن نقارن أنفسنا بها، أم أن تحررنا لم يكن سوى قشرة رقيقة تخفي تحتها أعماقا ما تزال تتحرك بمنطق القبيلة والعار والوصم؟ هل يمكن لذاكرة مثقوبة أن تحمي حاضرا أو تبني مستقبلا؟ وهل فشل هيئة الحقيقة والكرامة هو فشل الفكرة أم فشل المجتمع الذي لم يكن مستعدا لها بعد؟ وهل حكم الخمس والعشرين سنة على سهام بن سدرين هو النهاية، أم هو بداية جديدة للصراع على الذاكرة؟

في النهاية، تبقى سهام بن سدرين، المرأة التي راهنت على الحقيقة وخسرت كل شيء، رمزا للمأساة التونسية برمتها. هي التي حاولت أن تفكك آلة القمع، فوجدت نفسها أمام آلة ما تزال تعمل، لا تزال تطحن، ما تزال تنتج صمتا جديدا كل يوم.
لكنها، رغم كل شيء، تركت خمسين ألف شهادة، وحتى لو سُحب الأرشيف، وحتى لو أُغلقت الملفات، وحتى لو ماتت سهام في سجنها أو خارجه، تبقى فكرة أن خمسين ألف إنسان تكلموا ولو لمرة واحدة.

وهذه الفكرة، بذاتها، هي انتصار صغير في معركة يبدو أننا نخسرها كل يوم. الشجاعة لا تضمن نهاية عادلة، كما تقول العبارة. لكنها تضمن حياة تستحق أن تُروى. وسهام بن سدرين عاشت حياة تستحق أن تُروى، حتى لو كان الثمن خمسا وعشرين سنة في قفص، وحتى لو كان المجتمع الذي راهنت عليه لم يستطع أن يحميها.

اشترك في قائمتنا البريدية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد مباشرة.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *