“الشباب الحرّاقة”.. الجزائر أولى بأبنائها من “المهجر المهمّش”

الحرقة

محمد العرقوبي

في لحظة دقيقة وضمن سياق تحوّل مفاجئ، قطع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خطوة وصفت بـ”الجريئة” نحو مسألة التعاطي مع ملف الهجرة “غير النظامية” بعد دعوته علنا وبشكل مباشر الشباب الجزائري الموجود بالخارج، ولا سيما أولئك الذين غادروا البلاد بطرق غير شرعية أو يعيشون أوضاعًا هشة وغير قانونية إلى تسوية ملفّاتهم والعودة “الآمنة والمنظمة” إلى الجزائر.

مقاربة سيادية

بنبرة حازمة شدّد بيان رئاسة الجمهورية الجزائرية على أن عددا منهم جرى دفعه عمدا إلى مسارات خاطئة من قبل أطراف “إجرامية مافوية” توهّمت أن استغلال هذه الفئة يمكن أن يُسيء إلى مصداقية الدولة الجزائرية أو يُستعمل ضد الوطن في الخارج.
كما انتقد الرئيس الجزائري بشدة “محاولات بعض الجهات توظيف الإحصائيات المتعلقة بالهجرة غير النظامية، المعروفة بـ”الحرقة” بهدف تشويه صورة الجزائر وبث الارتباك في صفوف الشباب.

على هذا الأساس تم تحديد إطار واضح للتسوية مع تلك الفئة، بشروط كالتالي:
– الالتزام بعدم العودة إلى الخارج بطريقة غير قانونية.
– اضطلاع القنصليات الجزائرية بالخارج بتنفيذ الإجراءات اللازمة لضمان عودة المعنيين إلى الوطن في إطار منظم وآمن.
– استثناء كلّ من تورّط في جرائم جسيمة مثل إراقة الدماء أو الاتجار بالمخدرات والأسلحة أو التعاون مع أجهزة أجنبية للإضرار بأمن الدولة وسيادتها.

تفاعل داخلي

أثار القرار الذي قُدِّم من خلال بيان مجلس الوزراء على أنه خطوة لمعالجة ملف استُغلّ طويلاً للضغط على الجزائر وتشويه صورتها، تفاعلات واسعة في الداخل الجزائري بين من ثمّنه باعتباره إجراءً يعزّز التلاحم الوطني، وآخر دعا إلى توسيعه ليشمل فئات أخرى من الشباب داخل الوطن.

وسط الدائرة السياسية، تقاطعت مواقف أحزاب مثل (جبهة التحرير الوطني، وجبهة المستقبل، والتجمع الوطني الديمقراطي حركة البناء الوطني) في التأكيد أن الجزائر، بما تزخر به من مقدرات وموقع استراتيجي، باتت محل استهداف ممنهج، ما يستدعي تعزيز التماسك الوطني، والالتفاف حول مؤسسات الدولة، وتحصين الجبهة الداخلية في مواجهة مختلف التحديات.

في حين دعت حركة البناء الوطني إلى أن تسبق طاولة الحوار الوطني المرتقب إجراءات “تهدئة” حتى تعم السكينة والطمأنينة المجتمعية تحضيراً لنجاحه، ولغلق الباب نهائياً أمام المشككين والمتربصين بالجزائر وشعبها.

واعتبرت الحركة أن فتح باب العودة أمام هؤلاء الشبان للاستفادة من تسوية وضعياتهم ووضع حد لمعاناتهم وفراقهم الطويل عن أسرهم، يشكّل خطوة إيجابية لترقية التلاحم الوطني وتمتين الجبهة الداخلية.

ويبرز هذا الإجماع السياسي وفق ملاحظين أن قرارات مجلس الوزراء الأخيرة لا تندرج فقط في إطار معالجة ملفات اجتماعية وإنسانية، بل تمثل خياراً سيادياً يعزز الثقة بين الدولة ومواطنيها، داخل الوطن وخارجه، ويؤكد أن الجزائر تمضي بثبات نحو حماية مكتسباتها وصون وحدتها الوطنية.

وتناغمت الأصوات الحقوقية مع القرار مطالبة بتعميم مبادرة الرئيس عبد المجيد تبون تجاه شباب الخارج إلى قضايا النشطاء في الداخل من خلال إيجاد تسويات قانونية تُنهي المتابعات المرتبطة بملفات الرأي والنظام العام.

واعتبر البعض من الأوساط الحقوقية أن من مصلحة الوطن أن تتوقف المتابعات الأمنية القضائية المرتبطة بالآراء والمواقف السياسية سواء بالنسبة للنشطاء خارج الوطن أو داخله معتبرا أن المعالجة الشاملة لهذا النوع من القضايا تشكّل مدخلا لتهدئة المناخ العام.

فيما قدّر آخرون توسيع المبادرة من شأنه أن يغلق هذا الملف أمام المزايدات والمخاطر التي يحملها على الوحدة الوطنية وأمن المجتمع في إشارة إلى ما يمكن أن تخلّفه هذه القضايا من توترات داخلية.

انسداد الأفق

في فهم تجديد الرئيس تبون مبادرة “اليد الممدودة” للجزائريين بالخارج وتقديم السلطة نموذجًا في إدارة ملف معقد وحساس قائم على منح الفرصة الثانية دون التفريط في ثوابت الجمهورية، لا يمكن قراءتها خطوة سياسية عابرة، وإنما تدور وفق متابعين في فلك مقاربة ترميم علاقة السلطة بجيل كامل فقد الثقة في الداخل ليرتمي في أحضان الخارج.
بشكل عام شهدت الجزائر خلال السنوات الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في هجرة الشباب، سواء عبر المسارات القانونية (الدراسة، العمل، الكفاءات) أو غير النظامية، فيما بات يُعرف اجتماعيًا بـ”الحرقة”.

ومع تواصل انسداد الأفق في الجزائر ولجوء السلطات إلى المقاربة الأمنية كما تتحدث أصوات معارضة للنظام في البلد المغاربي، لم يعد يلجأ الشباب المحبط فقط إلى الهجرة غير النظامية، حيث انضم جزائريون من مختلف الأعمار والفئات الاجتماعية وأسر بكاملها.
ووفق عدة تقارير تحوّلت الهجرة غير الشرعية إلى ظاهرة مركّبة ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية وأمنية وإنسانية، ترتبط بتحولات داخلية وضغوط إقليمية ودولية. وقد عرفت الجزائر موجات هجرة تاريخية، إلا أن الهجرة غير النظامية عبر البحر برزت بقوة منذ مطلع الألفية الثالثة، مع تشديد سياسات الهجرة الأوروبية وارتفاع البطالة في صفوف الشباب.

مع مرور السنوات، لم تعد الجزائر فقط بلد منشإ للمهاجرين، بل أصبحت أيضًا بلد عبور لمهاجرين قادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، ما زاد من تعقيد الظاهرة، والقسم الغربي للبحر الأبيض المتوسط يعرف أيضا بالطريق الجزائري والذي يصل عبره المهاجرون على متن قوارب إلى جزر البليار الإسبانية أو إلى الشواطئ الجنوبية الشرقية لإسبانيا. وتتم أيضا محاولات عبور من الشواطئ الشرقية لشمال الجزائر في محاولة للوصول إلى إيطاليا.

وبحسب السلطات فقد أعادت خلال العام الماضي 2025 أكثر من 24 ألف مهاجر غير نظامي بعد اعتراضهم عند مناطقها الحدودية
مثل عين الجزام وتنزاواتين وبرج باجي مختار، وغيرها.
ورغم غياب إحصاءات رسمية موحّدة وشاملة لعدد المهاجرين غير النظاميين من الجزائر وحدها، فإن المعطيات المتوفرة تسمح برسم صورة تقريبية:
– آلاف المحاولات سنويًا انطلاقًا من السواحل الجزائرية، تُحبط نسبة معتبرة منها من قبل حرس السواحل.
– مئات القوارب تُرصد أو تُفكك شبكاتها سنويًا، مع توقيف منظّمين ومهرّبين.
– تكلفة الرحلة للفرد تتراوح عادة بين 3 آلاف و8 آلاف دولار، حسب المسار ونوع القارب.
– الخسائر البشرية تبقى من أصعب المؤشرات قياسًا، بسبب القوارب المفقودة في عرض البحر وعدم العثور على جثث، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى من المعلن.

ويفسّر مراقبون أن اتخاذ ظاهرة الحرقة أبعادًا أكثر عمقًا يعود إلى ارتفاع معدّلات البطالة في صفوف الشباب التي تقارب 10 بالمائة وفق أرقام الديوان الوطني للإحصائيات، أغلبهم من حاملي الشهادات الجامعية في ظل ضعف آفاق الإدماج الاقتصادي والاجتماعي وتراجع الثقة في المؤسسات والفرص المحلية.

وبالتالي، فإن الشباب الموجود في الخارج بحسب محللين لا يمثل مجرد جالية، بل مرآة لأزمة داخلية تتقاطع فيها السياسة بالاقتصاد وبالعدالة الاجتماعية.

تحديات الداخل والخارج

في خطوة استباقية للحدّ من نزيف الهجرة غير النظامية بالجزائر قررت الرئاسة رفع منحة بطالة العاطلين عن العمل (منحة البطالة) من 15 ألف دينار (115 دولارا) إلى 18 ألف دينار (نحو 140 دولارا).
وتصرف منحة البطالة لأكثر من 2 مليون مستفيد، وفق بيانات رسمية جزائرية. ووجه تبون بمراجعة شرط تجديد ملف منحة البطالة كل 6 أشهر، مشددا على أن مجلس الوزراء قد حدّد صرفها لمدة سنة كحد أدنى قابلة للتجديد.

وتتوقع موازنة الجزائر للعام الجديد (2026) مستوى إنفاق تاريخي هو الأعلى في تاريخ البلد بنحو 135 مليار دولار، وعجز يقدر بنحو 54 بالمئة.
ضمن مرحلة مليئة بالتحديات الاقتصادية، تخطّط الجزائر عبر خطاب الاحتواء والاسترجاع خصوصًا في ظل فشل المقاربات التقليدية في الحد من “الحرقة” من أجل الاستفادة من الطاقات المهدورة والمهمشة في المهجر وتوظيفها في المشاريع كبرى في مجالات الطاقة، والصناعة، والزراعة، والبنى التحتية، وبالتالي تريد السلطة أن تظهر بمظهر الطرف المتصالح مع شبابها وتقدّم نفسها كشريك له.

في قلب المقاربة الجزائرية لتسوية وضعيّات الشباب الجزائري المتواجد بالخارج، تبرز الهواجس الأمنية للبلد المغاربي الشاسع
في محيط إقليمي يتّسم بالاضطراب وعدم الاستقرار.

فالدولة التي نجحت منذ نهاية العشرية السوداء، في بناء نموذج أمني قائم على الوقاية والاستباق، تجد نفسها اليوم أمام تحديات جديدة تفرض إعادة تعريف مفهوم الأمن القومي وسدّ كل الثغرات الأمنية المنغّصة ومنع شبابها المهاجر في الانخراط في:
– المشروع الانفصالي التي يرفع رايته “حركة تقرير مصير القبائل التي أعلنت من العاصمة باريس الانفصال واستقلال منطقة القبائل في الجزائر، وتأسيس “الجمهورية الاتحادية للقبائل.

وتعدّ حركة “ماك” أحد أبرز الملفات الخلافية في العلاقات بين الجزائر وفرنسا. وكانت الحركة تطالب بالحكم الذاتي لمنطقة القبائل منذ عام 2002 إلى غاية عام 2018، حيث تبنّت بعدها مطلب الانفصال. وفي شهر ماي 2021، قررت السلطات الجزائرية إدراج الحركة على لائحة الإرهاب، وفككت خلايا تابعة لها في الجزائر، وتفاوضت خلال الفترة الماضية مع عدد من قيادات الحركة للاستفادة من قانون خاص للعفو، وتسوية وضعيتهم وفق القانون الجزائري والاستفادة من العفو.

– رغم الانحسار الكبير للعمليات الإرهابية داخل الجزائر، إلا أن المؤسسة الأمنية ما تزال تعتبر أن الخطر لم يُستأصل نهائيًا، فقد تحوّل الإرهاب من تنظيمات هرمية واضحة إلى خلايا صغيرة
وأفراد معزولين (الذئاب المنفردة) وشبكات عابرة للحدود.
ويُضاعف هذا التهديد احتمال تسلل عناصر متطرفة من مناطق النزاع في الساحل، مستفيدة من هشاشة الحدود الإقليمية.
– تمثل منطقة الساحل الخطر الاستراتيجي الأكبر على أمن الجزائر القومي، فعدم الاستقرار في مالي والنيجر وبوركينا فاسو أدى إلى انتشار السلاح وتصاعد نفوذ الجماعات المسلحة.

وترفض الجزائر الحلول العسكرية الأجنبية، خوفًا من تدويل الأزمة وتمدد الفوضى نحو أراضيها الجنوبية، وتدفع بدلًا من ذلك نحو المقاربات السياسية والحوار الإقليمي.
– الوضع في ليبيا يشكل مصدر قلق دائم للجزائر في ظل الانقسام السياسي والسلاح المنفلت والميليشيات العابرة للحدود، وأي تدهور أمني كبير هناك ينعكس مباشرة على الجنوب الشرقي الجزائري، ما يفرض يقظة أمنية مستمرة.
– تعيش علاقات الجزائر مع المغرب حالة من الجمود والقطيعة، وزاد سباق التسلح والتصعيد الإعلامي والتوتر الدبلوماسي بسبب التطبيع مع إسرائيل الطينة بلة.

وتتهم الجزائر الرباط بدعم حركة استقلال منطقة القبائل والتعاون مع حركة المعارضة (رشاد) التي تصفها السلطة بالمنظمة الإرهابية. وجاءت حرائق الغابات التي اندلعت، أوائل أوت 2021، في الجزائر لتعقد المشهد إذ تقول السلطات الجزائرية، إن حركة “ماك” كانت وراءها بل لمَّحت باتهام المغرب وإسرائيل بالوقوف وراء الحركة في تنفيذ هذه الحرائق.
وفضلًا عن ذلك فإن ملف التجسس المعروف إعلاميًّا ببرنامج بيغاسوس الإسرائيلي عمَّق الأزمة بين البلدين؛ حيث ترى الجزائر أن عمليات تجسس كثيفة تعرض لها مواطنون ومسؤولون جزائريون من قبل الأجهزة الاستخباراتية المغربية، وقد استعملت الرباط في ذلك، حسب تحقيق مجمع من وسائل الإعلام الدولية الكبرى.

إن دعوة الرئيس تبون للشباب الجزائري بالخارج إلى تسوية أوضاعهم تمثل منعطفًا رمزيًا مهمًا في خطاب الدولة تجاه الهجرة والشباب، حيث يكمن الرهان ليس في الإجراءات بل في عامل الثقة.
فالشباب الذي غادر لم يفعل ذلك فقط بسبب ضيق العيش، بل بسبب شعور عميق بـالتهميش وغياب العدالة في الفرص وسيطرة البيروقراطية والمحسوبية ضعف الاعتراف بقيمة الفرد.
وعليه، فإن أي دعوة إلى العودة لا يمكن أن تنجح إذا لم تترافق مع إصلاحات مؤسسية ملموسة وضمانات قانونية واقتصادية وسياسات تشغيل شفافة وإشراك حقيقي للشباب في صنع القرار.
وفي حال عدم تحول المبادرة إلى مدخل لإعادة بناء الثقة واسترجاع الطاقات، ستظل مجرد إعلان نوايا يضاف إلى أرشيف الوعود غير المكتملة.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *