"الزندالي" أغاني السجون في المزود التونسي
tunigate post cover
ثقافة

"الزندالي" أغاني السجون في المزود التونسي

أغاني السجون في موسيقى المزود التونسي وثّقت لأحداث منسية ومرويات لصيقة بالمتخيل واليومي، ومع ذلك ما يزال فن الزندالي منبوذا في تونس لارتباطه بوسم "البانديّة"
2022-06-24 18:47

صابر بن عامر

في الموسم الرمضاني الدرامي للعام 2020 اشتهرت أغنية تونسية يقول مطلعها:

“الصبابة ولو باندية… أووه باندية

ما تبكيش يا عينيا ها يا ما تبكيش يا يا عينيا

الصبابة ولو باندية… أووه باندية

يا ماتبكيش يا عينيا ها يا ما تبكيش يا عينيا

ها من غدوة توفا الربطية… وأووه الربطية

ونخرج ونحوزهم بيديا

هاي ونخرج ونحوزهم بيديا ها

لميمة قالت يا شومي أووه يا شومي

وليدي هزوه حبس الرومي

يا وليدي هازو حبس الرومي

الصبابة ولو باندية… أووه باندية”.

وتستمرّ كلمات الأغنية بأوجاعها وشجنها، وهي التي ظهرت في مسلسل للمخرج التونسي عبد الحميد بوشناق “نوبة” في جزئه الأول، أدّتها مجموعة من الممثلين/ المساجين في السجن، فانتشرت في الأوساط الشعبية كالنار في الهشيم لتكون أغنية الموسم سنتها.

تعتبر الأغنية واحدة من أشهر الأغاني الشعبية في تونس بصفة خاصة والمغرب العربي الكبير بصفة عامة، وهي أغنية خرجت من عمق السجون التونسية، تحديدا سجن الرومي في بنزرت، أشهر السجون التونسية،  والنزلاء فيه من أصحاب الأحكام القضائية التي تفوق 20 سنة.

وإن كان لا يعرف بالتحديد السنة التي خرجت فيها هذه الأغنية من أسوار السجون إلى عامة الناس، إلاّ أنها انتشرت بشكل كبير جدا في السنوات الأخيرة، بعد أن أدّاها أولا الشاب بشير، ثم الممثلون في “نوبة ».

تقول الرواية إن صاحب هذه الأغنية الأصلي تعرّض لخيانة حبيبته، وكان يردّد هذه الأغنية إلى أن انتقلت إلى بقية السجناء الآخرين وسجون أخرى قبل أن تظهر إلى العلن. هذا النوع من الغناء يُصطلح على تسميته بـ”الزندالي” يُمكن اعتباره ترنيمات السجون التونسية.

كيف انطلق الزندالي من الغرف المغلقة والأسوار محكمة الإقفال ليصبح من أناشيد العامة في أفراحهم وجلساتهم الحميمية، وهم أحرار خارج قضبان السجون؟

مآثر سجنية مُغناة

عن الزندالي يقول الصحافي المختص في الشأن الثقافي عبد الجليل السمراني لبوابة تونس: “الزندالي هو المآثر السجنية التي تصبح مُغناة، وأطلقت حصرا على الفن الشعبي متجسّدة في المزود، ويعود أصل التسمية إلى المصطلح التركي “الزندال” وهو الحبس الانفرادي، أي” الزنزانة”.

ولعل أشهر السجون التونسية التي التصق بها هذا اللون الغنائي هو سجن الكراكة بحلق الوادي الذي كان يضم أخطر النزلاء.

ولا تقتصر أغاني الزندال على الفن الشعبي بل تعدّته إلى الوتري مثل أغنية “يا فاطمة بعد النكد والغصة” التي عرف بها الشيخ العفريت.

ويسترسل السمراني: “أما عن الأشهر شعبيا فهي أغنية “ميقودة” التي أدّاها كل من الهادي حبوبة وصالح الفرزيط واشتهر بها هذا الأخير. ويختلف المختصون في الفن بشأن نسبها من حيث النظم، لكنها حُصرت أساسا في كل من قويدر النيغاوي والعربي الوشتاتي. لكن ما هو مُتعارف عليه أن نزلاء السجون يتداولون في ما بينهم أبياتا مختلفة قد تكون على الوزن ذاته، فهذه الأغنية الشهيرة تتكوّن من 176 بيتا وفق عدة مختصين”.

ومن المصادفة أنها على وزن الأغنية المذكورة آنفا “يا فاطمة بعد النكد والغصة… يدور الفلك ونروّحوا للمرسى” والأصل ونروّحوا للدشرة.

قصة أغنية موجعة

يقول عدد من الرواة  إن صالح الفرزيط، أحد كبار فن المزود التونسي،  نقل أغنية “نيران جاشي شاعلة ميقودة” عن رجل قضىّ مدة طويلة ومؤلمة في السجن. كانت له زوجة جميلة أحبها كثيرا وظلت وفية له تزوره في السجن وتحمل إليه قفة المؤونة.

لحظها ذات مرة مدير السجن، وبدأ يهمس إليها في كل زيارة بترك زوجها، مذكراً إياها بقسوة الزمن الذي سيلتهم عمرها وشبابها.

بعد فترة أذعنت المرأة لإغواء مدير السجن وهرسلته المستمرة، وقبلت أن تترك زوجها لتصبح زوجة مدير السجن صاحب السلطة والقرار. حزن الرجل لغياب زوجته وكفّها عن زيارته، وأصابه كرب شديد من غيابها.

كان من عادة مدير السجن أن يستغل السجناء ويحملهم معه للقيام بأشغال في منزله  دون مقابل يذكر. وذات يوم كان ذلك الزوج المكروب أحد هؤلاء. بعد العمل ساعات طويلة تحت الشمس الحارقة، جلس تحت شجرة ليتظلل بعد أن أنهكه التعب والعطش. لمحته زوجة المدير وهمت بحمل الماء إليه. اقتربت منه، واكتشف هول الفاجعة.

عند عودته إلى الزنزانة، ظل يردّد “نيران جاشي شاعلة ميقودة”، أتم قصيدته من فرط عذابه، وظل رفاقه في السجن يردّدون الأغنية دون أن يعلموا قصتها.

وقبل الإفراج عن الرجل بعد سنوات طويلة قضاها وراء القضبان طلب منه أصدقاؤه أن يكشف سر القصيدة، فروى القصة وأعاد شريط الأحداث في ذهنه فسكنه الألم ذاته.

لم يتم ليلته الأخيرة، إذ مات قبل أن يُغادر السجن إلى مجتمع لفظه وسلبه كل سبل الحياة خارج القضبان، خاصة المرأة التي أحب.

بين الاعتراف والإنكار

في سياق متصل يؤكّد عبد الجليل السمراني أن الذاكرة الغنائية تذهب إلى أن بعض أغاني البدو والرحل يتضمّن أصولا “زندالية” كالأغاني التي تردّدها القبائل الجزائرية والتونسية، وأشهرها أغاني الفنان الجزائري الطاوس عمروش وكل من الشيخ العنقة والشيخ بورقعة.

ويوضّح السمراني: “هذه الأغاني الشعبية ذات لون وتريّ يجمع بين  تونس والجزائر بُعيد استقلالهما، ويتجسّد التقاء القبائل الجزائرية بالتونسية أساسا في مدينة جندوبة، إذ كانت مركزا تجاريا، كما يمكن اعتبارها عكاظيات الفن الشعبي لتلك الربوع”.

و”دائما مع فن السجون لم تبخل علينا الذاكرة السجنية بُعيد تأسيس الدولة الحديثة بإنتاجات لم تختلف مواضيعها عن سابقاتها، لعل أهمها “إرضى علينا يا لميمة” التي أدّاها صالح الفرزيط ناسبا إياها إلى نفسه كالعادة. وهي في الأصل من إنتاج عدة سجناء”، وفق تصريح السمراني لبوابة تونس.

في حفلاته كان الفرزيط عادة يرتدي “الدنقري”، وهو لباس “الزوفري”، لفظ مشتق من الكلمة الفرنسية les ouvriers وتعني العمّال، وتطلق في اللهجة العامية التونسية على الصعاليك والمتسكعين، كما يرتدي “مريول” (قميص) بحري، في إشارة منه إلى انحيازه إلى المهمشين والفئات الشعبية.

ويُشير هذا الانحياز إلى نزعة تحرّرية سكنت الفرزيط حمّلها فيما بعد طابعا سياسياً صريحا، إذ كانت له حكاية مع السجن الذي قضى فيه “ربطية” (محكومية).

ففي أواسط السبعينات كتب  الفرزيط وغنى، وفق رواية أخرى تقوّض ما قاله السمراني، “إرضى علينا يا لميمة رانا مضامين”، التي يطالب فيها النظام بحقوقه المدنية. فالسجين الذي يُغادر السجن يُسلب من حقوقه المدنية ويلفظه المجتمع. وتقول كلماتها:

“إرضى علينا يا لميمة رانا مضامين

نستناو في العفو يجينا من ستة وسبعين

إرضى علينا يا لميمة رانا مضامين

التفتيشات اتبع فينا حتى في الملاسين”.

وصادف أن تزامنت محكومية الفرزيط مع وجود رعيل من سجناء حركة آفاق العامل التونسي اليسارية. كان منهم فاضل الجزيري الذي استدعى الفرزيط في عرض “النوبة” أوائل التسعينات وطلب منه أن يغني “إرضى علينا يا لميمة” في حفلي قرطاج والزينيت.

وفي ليالي السجن الطويلة، كان مناضلو حركة آفاق يؤلفون الأشعار والأغاني ويختارون لها من الألحان ما علق بذاكرتهم قبل دخول السجن. ولا تختلف الأغنية عن باقي الأشكال الفنية المتاحة داخل السجن.

فجلبير نقاش مثلا، أحد رموز اليسار الستيني لحركة آفاق، نجح في كتابة رواية داخل السجن على لفافات التبغ “الكريستال”، وهو تبغ شعبي يدخنه عامة الناس. أطلق على روايته فيما بعد العنوان ذاته “كريستال”.

داخل عالم الزندالي، لا يقتصر الأمر على الغناء، وهو ما يؤكّده الموسيقار التونسي شادي القرفي بقوله: “الزندالي هو أشعار السجون رغم عدم موافقتي على هذا التعريف، لأنه لا يمكن اعتباره شعرا كما هو متعارف عليه، فأنا أجده نظما”.

ويسترسل القرفي شارحا: بالنسبة إلى الأغاني يمكن تصنيفها إلى صنفين: الأغاني ،

السياسية

والأغاني ذات الشجن العميق من فقدان الحبيبة إلى الأم إلى آخره”.

وعن سؤال بوابة تونس: هل يعد الزندالي الثقافة المضادة لثقافة السلطة؟ يجيب: “الزندالي غناء وكلام تلقائي، فلا يمكن أن يصنّف كثقافة حتى يكون ضدّ أو مع ثقافة الدولة، مع العلم أن منع المزاودية من الإعلام كذبة أعجبتهم واستثمروها جيدا”.

ويسترسل: “فنان السلطة صالح المهدي لحّن “يا سيد الأسياد” و”سيد الرياس” في عزف لأشهر عازف مزود في ذلك الوقت  الخطوي بوعكاز، فهل تعتقد أن صالح المهدي سيخاطر بنفسه؟”.

في المُقابل  يقول عبد الجليل السمراني: “تجسّد الإنتاج السجني، أيضا بما يعرف بالأغنية الملتزمة التي ظهرت لتنقد أداء  السلطة وانحرافها كفرق الحمائم البيض والبحث الموسيقي في تونس وجيل جلالة في المغرب والثنائي الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم في مصر”.

ويستحضر السمراني أحدث الأغاني السجنية التي نظمت في العشرتين الأخيرتين، والتي أدّاها الفنان الشعبي التونسي وليد التونسي مثل: “غلطة عمري” و”بالله يا طير الّي ماشي” والأولى نظمت بطلب منه بعد تجربته السجنية الأولى، فيما عُرضت عليه الثانية من قبل أحد السجناء. وفق تصريحه لبوابة تونس.

التزام وواقعية

وإن اعتبر شادي القرفي أنه الزندالي التونسي لا يمكن تصنيف  بأي شكل من الأشكال ثقافة مضادة للسلطة نتيجة عفويته وتلقائيته، فإن الباحثة التونسية أمل بن خالد التليلي ترى عكس ذلك تماما مُستشهدة بأغنية “قالوا مجدة” التي فضحت ممارسات القضاء الذي تُمسك السلطة بزمامه، والتي يقول مطلعها:

“مجدة خش حباس الناس

غصبا عالشيفان

غصبا عالشيفان محوني

نحكيلكم يا ناس بهمومي

خمسة سنوات حكموه

بعد المال إلي خسرو بوه والمال إلي مشا

والمال إلي مشا وتفيا

على وكيل الجمهورية محمد فرحات

محمد فرحات وأعضاده

والناس إلي حكمو بزيادة رفعت الجلسـة

رفعت الجلسة وحكموه

بعد المال إلي صرفو بوه على محمد فرحات

قالو مجدة مشا وغبر

وإسمو ما عاد يتذكر من تونس تمحى

من تونس تمحى وتفيا

عند وكيل الجمهورية محمد فرحات”.

و”مجدة اسم تصغير لعبد المجيد الذي صدر في حقه حكم قاس، بخمس سنوات، هو نموذج للأحكام طويلة المدى التي ترمي بالإنسان في السجون التونسية إلى حد “مشا وغبر… وإسمو ما عاد يتذكر”، كما وردت في الأغنية دليلا على أن الزندالي فن مُناضل ومُلتزم وواقعيّ يذكر الوكيل العام للجمهورية بالإسم، وفي ذلك تقول الباحثة التونسية: “بالتالي لا يمكن أن لا تكون هذه الأغنية وهذه الوقائع إلاّ حقيقية لا مجال للتشكيك في صحتها”.

هكذا وثّقت أغاني السجون لأحداث منسية ومرويات لصيقة بالمتخيل واليومي، كما دوّنت أيضا الأحداث الكبرى كملطمة “خبر الممات كيف جانا” التي تُشير إلى حادث اغتيال النقابي فرحات حشاد من قبل منظمة اليد الحمراء التابعة للاستعمار الفرنسي في العام 1952، وهي ملطمة شعبية ألقتها إحدى النساء بمنطقة الجم بالوسط التونسي إثر سماعها نبأ الاغتيال عصرئذ.

ومع كل ما سبق ظل فن الزندالي في تونس منبوذا ومذموما لاقترانه بوسم السجن و”البانديّة” (الفتوّات)، فبقي لسنوات مقصيا من الحياة الثقافية لأسباب سياسية، ترى فيه فنا رديئا وهجينا لا يُعبّر عن دولة الاستقلال وتشكيل الهوية التونسية كما يودّها القائد لا الشعب… إلى أن أتت “نوبة” الفاضل الجزيري في العام 1991 لتُصالح التونسي مع موروثه الشعبيّ المنسيّ والمقصيّ في احتفاء بالمزود وأغاني الزندالي، في المُقابل وإلى يوم الناس هذا ظل أدب السجون ورموزه طي النسيان، إلاّ من استطاع التحايل على الجلاّد كجلبير النقاش و”كريستاله” الذي نفث دخانه عاليا كاسرا كل الحواجز.

الزندالي#
المزود التونسي#
تونس#

عناوين أخرى