الربي يعقوب سلامة وآخرون…إسرائيل تحاول نقل مزارات يهودية من تونس
tunigate post cover
ثقافة

الربي يعقوب سلامة وآخرون…إسرائيل تحاول نقل مزارات يهودية من تونس

"الربي يعقوب سلامة وحاي طيب ويوسف المعرابي" ... مزارات دينية يهودية في تونس تشكل جانبا من ذاكرتها الجماعية ومن تعددها الديني مهددة اليوم بمحاولات إسرائيلية لسرقتها ... تحقيق خاص ببوابة تونس يكشف حقائق خطيرة
2022-01-25 20:30

وجدي بن مسعود

سأستعير مصطلح “الحديث مع العدو”، لتوصيف تجربتي كصحفي يجري للمرة الأولى حوارا صحفيا مباشرا بلا وسطاء أو أقنعة مع إسرائيليين في الأراضي المحتلة بغاية الكشف عن مساعٍ إسرائيلية للنبش في تراب تونس لنقل رفات يهود، دفنوا قبل عقود في مناطق تونسية متفرقة، من تونس إلى إسرائيل. المزارات اليهودية تمثل مدخلا إسرائيليا خطيرا تحاول تل أبيب العبور منه إلى تونس بحجج كثيرة. 

تحقيق صحفي عن الإرث اليهودي والمزارات الدينية في تونس، بدأ من تونس ولم يدر بمخيلتي في البداية أن ينتهي إلى التواصل عبر الهاتف مع مستوطنين بفلسطين المحتلة ينحدرون من جذور تونسية. التحقيق يشمل ملاحقة تفاصيل قصة مساعي بعض الجهات الصهيونية لنقل رفات عدد من الحاخامات التونسيين المدفونين في تونس إلى القدس المحتلة. 

لم تكن التجربة هينة لما رافقها من تردد وتفكير وحواجز نفسية وفكرية خيمت على الذهنية العربية طوال عقود، فخط بوابة تونس يرفض التطبيع، وينشد الموضوعية، لكن مصداقية البحث وإثبات صحة الرواية التي توصلنا إليها ومدى تهديدها لجزء مهم من التراث التونسي تغلب بالنهاية، مساعينا كانت تستدعي الحصول على معلومات من هناك…من الأراضي المحتلة حيث يحاول المحتل بشتى الوسائل وضع يده على تاريخ اليهود في البلاد العربية وجلب الأحياء والأموات إلى فلسطين.

الحديث إلى “كاتي” الإسرائيلية 

علاقاتي المتعددة مع مواطنين تونسيين يهود تكونت على مدار السنوات الماضية تتنزل في إطار الإيمان بالمواطنة الكاملة لا سيما وقد رفضوا التحول إلى إسرائيل،  إلا أن فكرة الحديث إلى تونسيين يهود تحولوا إلى ما وراء أسوار الاحتلال بدت صعبة، فرق بين مواطن تونسي يعتنق اليهودية وآخر صار إسرائيليا. صوت محدثتي التي سأطلق عليها اسما مستعارا السيدة “كاتي” بدا هادئا، هي المولودة قبل أكثر من 70 سنة في مدينة نابل شمال شرقي تونس، غادرت وطنها الأصلي تونس في سن مبكرة رفقة والديها باتجاه الأرض المحتلة. 

بدا صوتا “كاتي” مغمسا بالترحاب وهي تتحدث إليّ بالفرنسية في البداية قبل أن تطلب مني أن نتحدث بالعربية، وهي تقول “أحكي معايا بالتونسي رانا نحكيوا في الدار بيها”، أي تكلم معي باللهجة التونسية فنحن نتحدث بها في المنزل. 

المقامات اليهودية في تونس 

الطريق إلى “كاتي” جاء في سياق البحث عن تاريخ المزارات والمقامات اليهودية في تونس وتاريخها الذي يرجع بعضه إلى أكثر من 300 سنة، وعلى رأسها مزار الحاخام يعقوب سلامة الذي يوجد ضريحه بالمقبرة اليهودية بمدينة نابل، ويحرص مئات اليهود التونسيين خاصة منهم المقيمين في فرنسا وأوروبا، على إحياء طقوس زيارته سنويا في شهر أوت/أغسطس من كل سنة. 

قبل عدة سنوات تمكنت رغم الحواجز الأمنية من مواكبة زيارة الحاخام سلامة الذي يكنّ له اليهود التونسيون وبالذات المنحدرون من الوطن القبلي تبجيلا وتقديسا كبيرين، بما في ذلك المستوطنين بفلسطين المحتلة حسب رواية “كاتي”، يحرصون على إحياء “الهيلولا” كما تدعى بالعبرية وهي الزيارة السنوية للمقام وإضاءة شمعة على نية احياء ذكراه والتوجه له بالأدعية وطلب الحوائج. 

مقام الحاخام يعقوب سلامة في نابل

تشهد مراسم زيارة “الربي يعقوب” كما يصطلح على تسميته بين اليهود والتي تستمر يوما واحدا، مشاركة أعداد كبيرة تناهز المئات، وتتضمن طقوسا دينية عند الضريح حيث يتجمع رجال الدين والحاخامات لتلاوة مقاطع من التلمود والتوراة، قبل الانتقال إلى وصلة من الإنشاد بشكل جماعي باللغة العبرية تتخللها الأدعية، كما يقوم الزائرون بإشعال الشموع وطلب تحقيق أمنياتهم وتقديم القرابين وتختتم الزيارة بحفل موسيقي. 

تشير السيدة مونيك حيون المقيمة في فرنسا التي تحدثت إليها بوابة تونس بشأن مقام يعقوب سلامة وخصوصياته التاريخية، أن الزيارة تشهد كذلك ترديد أغنية خاصة تتحدث عن خصائل الحاخام سلامة وشمائله وتقول أبياتها: 

زيارة رفيعة عزيز مقاما  زيارة ربي يعقوب سلامة 

أسمعوا مني هذي الشيرة (أغنية) على سيد من عائلة كبيرة 

قدم لنابل بلاد صغيرة  وجعل فيها سكنانا 

نسمع يحكيوا من زمان  سيد شافتوا الأعيان

من تونس جاء على الأعنان  نفتار(توفي) وتدفن حذانا

ضريح يعقوب سلامة من الداخل

الحاخام سلامة

لا يعرف بالتدقيق تاريخ ولادة الحاخام سلامة، لكن الروايات المتداولة التي نقلها إلينا عدد من اليهود التونسيين، تفيد بأن أصوله ترجع إلى طرابلس الغرب وقدم إلى تونس بداية القرن 16، ودرس العلوم التلمودية والشريعة اليهودية في “اليشيفاه”، وهو الاسم الذي يطلق على مدرسة تعليم التوراة.

تتلمذ سلامة على يد الحاخام رافائيل الفاسي، وذاعت شهرته في تونس في أوساط الطائفة اليهودية.

سنة 1773 زار يعقوب سلامة ابنته المتزوجة من الحاخام موردخاي الغيز في نابل، حيث أعجب بتلك المدينة الصغيرة الواقعة شرق تونس ومناخها المعتدل وهدوئها، وسرعان ما صار محط اهتمام اليهود في الوطن القبلي والذي كان يقدر عددهم حينذاك بحوالي 4 آلاف نسمة.

لم يطل المقام بالحاخام سلامة حيث توفي بعد سنة من إقامته بنابل في 1774 ودفن هناك بالمقبرة اليهودية، ليتحول ضريحه إلى مزار يهودي، ويشهد توافد الكثيرين للصلاة عند قبره والتبرك به لشفائهم من الأمراض وتحقيق أمانيهم ورغباتهم.

تنقل الروايات الشفوية أنه في عام 1934 تجسد الحاخام سلامة في حلم أحد أبرز أعيان الطائفة اليهودية في نابل موردخاي قاريلا، وطلب منه إقامة نصب على قبره عند شجرة زيتون في ذلك المكان. 

أقام قاريلا، ضريحا فوق قبر الحاخام سلامة، ونظم في العام ذاته مراسم أول زيارة سنوية للمقام بعد عيد العنصرة اليهودي، كما وقع تخصيص مداخيل الزيارة المذكورة والتبرعات التي تقدم من جانب الزوار، لفائدة اليهود الفقراء في نابل، ويقسم ريعها ما بين صندوق إدارة الطوائف وكذلك مؤسسة “تلمود تورا”.

ضريح موردخاي قاريلا مؤسس مقام الحاخام سلامة

لا تقتصر المقامات الدينية اليهودية التي تحظى بتبجيل وتقديس كبير في أوساط اليهود التونسيين، وتعد جزءا من التراث الوطني القائم على التنوع الديني والثقافي على الحاخام يعقوب سلامة، حيث تشمل بحسب السيد موشيه وزان مساعد الحاخام الأكبر بتونس العاصمة، أضرحة أخرى أبرزها مقام الحاخام “حاي الطيب” الموجود بمقبرة “بورجل” بتونس العاصمة، والذي تنتظم مراسم زيارته السنوية في شهر ديسمبر/كانون الأول. 

ويشير السيد موشيه وزان في حديثه لبوابة تونس، إلى أن موسم زيارة “الربي حاي الطيب” تعتبر ثاني أهم احتفالية سنوية يواكبها الزائرون والمؤمنون اليهود من تونس وخارجها بعد حج الغريبة في جزيرة جربة التي تحتضن أقدم كنيس يهودي في أفريقيا، في ظل تقلص عدد المشاركين في زيارة مقام يعقوب سلامة الذي أصبح مقتصرا على الذين تعود جذورهم إلى جهة نابل.

ويشرف على العناية بهذه المزارات والأضرحة أعضاء الطائفة اليهودية والهيئات الدينية في تونس وجربة بشكل مستقل بحسب السيد وزان، حيث يقع تخصيص مبالغ مالية للعناية بها وترميمها كلما دعت الحاجة كما يقع تفقدها بشكل دوري. 

ويضيف السيد موشيه وزان، “بالنسبة إلى مقام الربي سلامة فهو ضمن دائرة اختصاص الطائفة اليهودية بالعاصمة بحكم العامل الجغرافي، في حين تتولى الطائفة في جربة العناية ببعض الأضرحة الأخرى جنوب البلاد”.

صورة لطقوس زيارة الربي يعقوب سلامة تعود إلى الخمسينات

أيادي صهيونية تمتد لسرقة التراث اليهودي التونسي 

النبش في تاريخ المقامات الدينية اليهودية قادني إلى معلومة تتعلق بمحاولات بعض الإسرائيليين المنحدرين من أصول تونسية، لنقل رفات بعض هؤلاء الحاخامات الذين يعتبرون جزءا من الذاكرة الوطنية وتاريخها، إلى الكيان الصهيوني، لإقامة مزارات لهم في إسرائيل تستقطب السياح اليهود إلى فلسطين المحتلة بدلا عن تونس. 

المعلومة التي تحصلت عليها كانت على درجة من الخطورة تفترض التثبت والحسم في صحتها، وهو ما دفعني إلى التواصل مع “كاتي” التي تنتمي إلى عائلة يهودية تونسية معروفة، وحدثتني عن تاريخ المقام وكراماته المتناقلة عن معتقدات تتعلق بقدرته على علاج المرضى والنساء الراغبات في الحمل.

عندما نقلت إليها قصة محاولات نقل رفات بعض الحاخامات من بينهم “الربي يعقوب”، أكدت محدثتي الرواية مشيرة إلى أن الواقعة تعود إلى عدة سنوات عبر مبادرة قام بها أحد أصدقاء عائلتها، وهو كذلك من أصول تونسية للتواصل مع بعض الجهات في تونس لنقل رفات الحاخام سلامة إلى الأراضي المحتلة. 

المعلومات التي نقلتها محدثتنا تضمنت تفاصيل متناقضة، وهو ما يمكن تفسيره بمحاولتها إخفاء بعض “المعلومات الحساسة” المتعلقة بطبيعة الجهات التي وقع التواصل معها في تونس بشأن نقل الرفات. 

والمرجح أن القصة تعود إلى فترة التسعينيات، خلال الفترة التي قام فيها نظام بن علي بفتح مكتب اتصال سري مع تل أبيب، أخبرتني محدثتي بوضوح بأن صاحب المبادرة “قام بالاتصال بالسفير التونسي”، قبل أن تتراجع عندما سألتها “أي سفير تقصدين لا يوجد سفير تونسي في تل أبيب”، لتقول إن القصة وقعت قبل حوالي 30 سنة زمن حكم بورقيبة دون تحديد الجهة التي وقع التواصل معها في تونس.

“في تونس لدينا أضرحة مقدسة لكل من الحاخامات حاي الطيب ويوسف المعرابي في قابس ويعقوب سلامة في نابل، ونريد نقلها إلى إسرائيل”، تضيف “كاتي” كاشفة بكل وضوح عن معالم المشروع الذي تسعى بعض الجماعات الصهيونية إلى تنفيذه بأي وسيلة، ضمن مساعيها لتأسيس تاريخ مفتعل في فلسطين المحتلة عبر نهب تراث الدول والشعوب الأخرى. 

محدثتي بررت هذه المساعي في سياق ديني، بالقول إن الآلاف من الإسرائيليين المنحدرين من أصول تونسية لا يستطيعون اليوم الدخول إلى تونس وإقامة شعائر الزيارة لتلك المقامات، والتي أصبحت حسب ادعائها تعاني الإهمال ولم يعد يزورها الكثيرون في ظل تراجع أعداد الطائفة اليهودية.

وأضافت كاتي “هؤلاء هم حاخاماتنا ونقدسهم ونكن لهم التبجيل لماذا نمنع من نقل رفاتهم إلى إسرائيل حتى نقيم لهم مقاما يليق بهم ونمارس شعائرنا، خاصة أن عديد العائلات اليهودية التونسية بعد انتقالها إلى إسرائيل قامت بنقل رفات بعض أجدادها التي تعود إلى مئات السنين لدفنها هناك بما فيهم بعض الحاخامات”.

إعلان عن تنظيم زيارة لمقام يعقوب سلامة يرجع إلى سنة 1982

الحديث مع كاتي كشف عن معطيات أخرى، من بينها شبهات دخول وفود إسرائيلية إلى تونس للمشاركة في الزيارة السنوية سنتي 2010 و2011 بجوزات سفر إسرائيلية بحسب ما أسرت به لنا في البداية، قبل أن تتدارك “زلة لسانها” التي كشفت على ما يبدو عن سماح السلطات التونسية لهم بالقدوم من الأراضي المحتلة بموجب تأشيرة خاصة. 

“قدمت إلى تونس مرتين لزيارة الربي يعقوب في 2010 و2011 وقدمت غطاء خاصا للمقام حيث سمحوا لنا بالدخول بعد الحصول على الفيزا”. 

قاطعتها بالسؤال “تقصدين تأشيرة ولكن على أي جواز وقع منحكم التأشيرة؟”. أجابت بارتباك وتلعثم “فيزا أعطونا فيزا للدخول”، ثم أضافت بعد أن كررت السؤال عن الجواز الذي دخلت بموجبه إلى تونس لتقول إنه جواز سفر فرنسي (لكن حاملي الجوازات الفرنسية لا يحتاجون تأشيرة دخول إلى تونس).

من جانبه أكد السيد موشيه وزان مساعد الحاخام الأكبر بتونس العاصمة في حديثه لبوابة تونس عدم علمه بمدى صحة هذه الروايات، مؤكدا أن نقل رفات الحاخامات التونسيين إلى الأراضي المحتلة غير ممكن لاعتبارات قانونية، لأن استخراج رفات أي متوف من الطائفة اليهودية يستوجب موافقة أفراد عائلته وورثته، مضيفا “من شبه المستحيل اليوم الوصول إلى كامل ورثة وأفراد عائلة الربي يعقوب أو غيره من الحاخامات الذين غادر أغلبهم تونس منذ عقود للحصول على موافقتهم على نقل جثمانيهم، هذا الأمر غير واقعي وغير قابل للتنفيذ”.

التراث اليهودي التونسي#
الحاخام حاي طيب#
الحاخام يعقوب سلامة#
الحاخام يوسف المعرابي#
مقامات دينية#
موشيه وزان#
نابل#

عناوين أخرى