“يتنحاو قاع”، هكذا هتف عشرات آلاف الجزائريين الذين انتفضوا وخرجوا في هبة عفوية إلى الشوارع قبل ثلاث سنوات في حراك شعبي هادر لم يكن يتوقعه نظام الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، والذي هيأت له بطانته خلال مرضه وعجزه عن إدارة شؤون البلاد أن النخب الجزائرية بمختلف أطيافها، مستعدة لمبايعته مجددا من أجل عهدة خامسة في السلطة على كرسيه المتحرك الذي لازمه منذ سنة 2013 بعد إصابته بجلطة دماغية حادة.
وفي غمرة حالة من “الشلل” السياسي والاحتقان الاجتماعي والانسداد الاقتصادي، واندفاع أغلب القيادات والقوى الحزبية في ركب تزكية الرئيس المريض ومبايعته، انتفض الشعب الجزائري على مخاوفه وهواجسه وذكريات العشرية السوداء القاتمة، ليقول لبوتفليقة وأركان حكمه التي أدارت البلاد “كفى ارحلوا فلم نعد نريدكم”.
أهم الأخبار الآن:
شلل سياسي
في لحظة استثنائية من الزمن استعاد الجزائريون تاريخهم الموشح بالأمجاد والبطولات، وتمثلوا شموخ آبائهم وأجدادهم الذين قالوا لا للمستعمر الفرنسي، ليرددوا في أثرهم مخاطبين طغمة الفساد السياسي التي جثمت على صدورهم 20 عاما: “إن هذا وقت الحساب”.
“يتنحاو قاع” أي يرحلون جميعا بالعامية الجزائرية، لم يكن مجرد شعار يطالب بإنهاء حقبة رئيس عاجز تجاوزته الأحداث، وأضحى طوال سنواته الأخيرة حبيس كرسه المتحرك ونهبة لعصابة من المقربين والانتهازيين، بقدر ما جسد وعيا ونضجا لدى مختلف فئات الشعب الجزائري التي باتت مدركة أن الإصلاح يقتضي القطع مع طبقة سياسية فاسدة أمعنت نهبا وتخريبا في مقدراتهم وقوتهم، وفصلت المجالس والمناصب والقوانين والتشريعات على المقاس، بما يحفظ لها نفوذها ومواقعها وامتيازاتها.
رفض لرموز حكم بوتفليقة
لم يكن الحراك الجزائري إعلان رفض لبوتفليقة الذي لا ينكر إلا جاحد إرثه الوطني منذ بدايته مجاهدا في صفوف الثورة، ومن ثم وزيرا للخارجية في عهد الرئيس هواري بومدين، فضلا عن مساهماته الواسعة في إطلاق مشاريع إعادة البناء الاقتصادي بعد نهاية العشرية السوداء، وطرحه قانون الوئام المدني في عهدته الرئاسية الأولى بما ساهم في عودة الاستقرار إلى البلاد.
استهدفت ثورة الجزائريين رموز حقبة بوتفليقة من السياسيين الذين تحالفوا على مدار عقود مع لوبيات من رجال الأعمال، والمتمعشين الذين سرعان ما تحولوا إلى طبقة اقتصادية تحتكر الثروات ورؤوس الأموال على حساب ملايين من البسطاء والمفقرين.
تحولت فضائح الرّشى وثراء المسؤولين المشبوه، ورويات النهب وتفاصيل السرقات واختلاس الأموال العامة واستغلال المسؤولين لنفوذهم، إلى حكايات يومية في مجالس الجزائريين طوال العشرية الأخيرة، بل تحولت إلى مجال للسخرية والتندر، وصاروا ينفسون عبرها عن غضبهم وقهرهم المكبوت.
ربيع الجزائر
قال الجزائريون “لا لعهدة خامسة”، معلنين ولادة ربيع الجزائر ضمن موجة ثانية من الربيع العربي سرعان ما التحق بها السودان الذي انتفض بدوره على سنوات البشير.
تبدو حكاية الجزائريين مع الربيع معقدة التفاصيل تتداخل فيها ذكريات قاتمة عن سنوات الذبح والموت الأسود في الشوارع، والإرهاب الأعمى الذي حصد حياة آلاف الأبرياء وما يزال جرحا نازفا في الذاكرة الوطنية. ذكريات اختلطت بموقف الحياد الرسمي الذي انتهجه النظام في التعاطي مع دول الجوار منذ انطلاق موجة الثورات العربية مطلع سنة 2011.
أبدى السواد الأعظم من الشعب الجزائري دعمه لأشقائه التونسيين، لكنه وضع يديه على قلبه مخافة انحراف مسار الثورة التونسية إلى حرب أهلية اكتوى من قبل بنيرانها.
غلب التحفظ في البداية على مقاربة الجزائريين للثورة ومآلاتها التي كانت ترتبط في مخيالهم بحركة التحرر الوطني، لكن مسار الوضع الداخلي وتعفن المشهد جعل من الحراك الشعبي ضرورة وخيارا وطنيا جامعا.
في فبراير /فيفري 2019 حل الربيع أخيرا بالجزائر البيضاء، جامعا كل الفئات والمشارب الفكرية والإيديولوجية التي التأمت في ساحات الجزائر العاصمة ووهران وقسنطينة وسائر حواضر البلاد ، عاقدة العزم أن تحيا الجزائر وتخلصها من أدران الفساد والديكتاتورية.


أضف تعليقا