محمد بشير ساسي
بات يُنظر إلى الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران التي جنحت نحو هدنة لأسبوعين ليس بوصفها مجرّد جولة عنف عابرة ضمن سلسلة الاشتباكات التقليدية التي اعتادت عليها المنطقة، بل بمثابة اختبار حقيقي يتقاطعُ فيه صمود البنية الأمنيّة بأكملها مع “تحديات إستراتيجية”تجاوزت ارتداداتها الحدود الجغرافية المباشرة، لتضرب عمق أمن الطاقة العالمي، واستقرار الأسواق المالية، ومرونة سلاسل الإمداد الدولية.
أهم الأخبار الآن:
دوافع التأسيس
فبعد دخول النزاع العسكري شهره الثاني، تزايدت الأسئلة حول مآلاته وتداعياته الإقليمية والدولية على فضاء كان بالأمس القريب ملاذا آمنا للمستثمرين ليُصبحَ اليوم في قلب المعادلة لا طرفا متأثرا بشكل مباشر من الأحداث، وإنّما كيانا يدفعُ ثمن حرب استنزاف أفقها غامض أثّرت على صورته واستقراره وأمنه ومصالحه.
لا يمكن قراءة الحقائق الجديدة التي أفرزتها الحرب الأخيرة وفرضت نفسها بقوة على منطقة الخليج توازنات وقواعد جديدة، بمعزل عن مسار كامل ومترابط من المحطات التاريخية والتقلبات الجيوسياسية والصدمات الاقتصادية.
تعد منطقة الخليج العربي من إحدى أهم المناطق الحيوية والإستراتيجية في العالم استنادا إلى عدة اعتبارات كموقعها الإستراتيجي، وأهميتها الاقتصادية المتمثلة في معدّلات التبادل التجاري مع دول العالم، فضلا عن كونها خزان للطاقة التقليدية.
ومن ناحية أخرى، تمثل دول مجلس التعاون الخليجي تركيبة سياسية متجانسة، تجمعها التجربة التاريخية، ويربطها الموقع الجغرافي والحدود المشتركة.
وانطلاقا من أهميتها وارتباطها ببعضها البعض برزت أهمية وجود كيان جماعي يعبِّر عن المصالح المشتركة لتلك الدول ويتفاعل مع الأحداث الإقليمية والدولية المحيطة تأثيرا وتأثرا، واستجابة لبعض المتغيرات والمعطيات الإقليمية والدولية.
وبالفعل، فقد تمَّ الإعلان عن إنشاء المجلس خلال اجتماع قادة دول الخليج الست (المملكة العربية السعودية، الكويت، الإمارات العربية المتحدة، قطر، البحرين، عُمان) في أبو ظبي خلال الفترة (25-26) ماي 1981، وأُطلق على هذا الاجتماع قمة التأسيس؛ حيث تم خلاله التوقيع على النظام الأساسي للمجلس والذي هدف إلى تحقيق التعاون بين دول الخليج الست وتنمية علاقاتها، وتحقيق التنسيق والتكامل والترابط وتعميق وتوثيق الروابط والصلات القائمة بين شعوبها في مختلف المجالات، وإنشاء المشاريع المشتركة، ووضع أنظمة متماثلة في جميع المجالات بما يخدم مصالحها ويقوي قدرتها على التمسك بعقيدتها وقيمها.
تاريخيّا سيطر الدافع الأمني على إنشاء مجلس التعاون الخليجي بالنظر إلى الظروف الإقليمية والدولية التي كانت سائدة في تلك الحقبة المتمثّلة في:
– الثورة “الإسلامية” وتطوّر الأوضاع الداخلية الإيرانية وتعقّد الوضع الجيوستراتيجي المجاور لدول الخليج العربي.
– الحرب العراقية – الإيرانية وما ترتب على قيامها من إشكاليات أمنية خطيرة للدول الخليجية التي وجدت نفسها أمام خيارات صعبة بين القوتين الرئيستين في المنطقة، وهما: العراق وإيران
– تميز دول الخليج العربية الست بتماثل الوضع الاقتصادي إلى حد كبير وكذلك تماثل التركيبة السياسية والاجتماعية، مع تطلع كل منها إلى تقليل الاعتماد على النفط، وتنويع مصادر الدخل والرغبة “الجادَّة” في إيجاد قاعدة صناعية قوية ومتنوعة.
– ضعف جامعة الدول العربية بعد الجدل الذي أُثير حول معاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية، وانتقال الجامعة إلى تونس، وبالتالي تفكك عنصر الأمن القومي العربي الجماعي.
– دخول منطقة الخليج في إطار الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفيتي، وفي هذا السياق جاء ردُّ “بريجنيف” على مبدإ “كارتر” بشأن أمن الخليج واستغلال الاتحاد السوفيتي لعلاقاته القوية مع العراق وبعض دول الخليج الأخرى في تقوية نفوذه بالمنطقة في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية؛ مما أضفى نوعًا من التوتر على التفاعلات السياسية بها، خاصة مع اقتراب الاتحاد السوفيتي من المياه الدافئة في الخليج بعد غزوه أفغانستان عام 1979.
– التغيرات التي حدثت على الصعيد الدولي، وخاصة في مجال العلاقات الاقتصادية العالمية، والتي نتجت عن انتقال السيادة النفطية من شركات ودول الاستهلاك الكبرى إلى المنتجين، في ضوء نظام اقتصادي جديد، يسعى إلى ترتيب العلاقات بين الشمال والجنوب، ويحاول أن يجعلها متكاملة ومتجاورة بدلا من بقائها معتمدة على إحدى الجهات دون غيرها.
هواجس أمنية
إجمالا كان هدف قيام التعاون الخليجي تجنيب دول الخليج الصراعات التي لا تخدم الأمن الخليجي في المقام الأول، لكن الحرب الأخيرة على إيران ألقت الضوء مجددا على ضرورة مراجعة صلابة الأرضية العميقة التي أنبتت فكرة النظام الخليجي أو الأمن الخليجي الذي لم ينحصر مبعث تشكيله في الاحتماء الجماعي من الثورة الإسلامية الإيرانية التي عَدَّت تحالف دول الخليج مع الولايات المتحدة خطرًا مستمرًّا على استتبابها وعلى استقرار النظام الإسلامي الوليد.
فوفق باحثين، يوجد مبعث ثان لقيام التعاون الخليجي، هو إنشاء عقيدة أمنية خليجية تتجنب العقائد الأمنية العربية التي قد يرى بعضها أن التهديد الرئيسي ليست إيران، مثل سوريا في عهد حافظ الأسد التي كانت تقيم مدركاتها الأمنية على اعتبار إسرائيل التهديد الأول، واعتبار إيران شريكًا في الإحاطة بالعراق لوضعه وسط كماشة تضيِّق الخناق على صدام حسين.
أولى التبعات المباشرة للنزاع العسكري الأخير أنه وضع دول الخليج العربية أمام امتحان حقيقي لرهاناتها الخارجية حيث طرأ تحول جذريا في وظيفة القواعد العسكرية الأجنبية المنتشرة في المنطقة. فبعد أن شكلت هذه القواعد لعقود طويلة مظلة ردع صلبة وفعالة تضمن الاستقرار وتحمي تدفق المصالح، أصبحت أهدافا محتملة في حرب استنزاف غير متماثلة.
وتعتمد هذه الحرب الجديدة بشكل أساسي على تكتيكات هجومية تستخدم أسراب الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية رخيصة التكلفة، وهي أسلحة تمتلك قدرة تكتيكية خطيرة على إرهاق الأنظمة الدفاعية المتقدمة التي تكلف خزائن الدول ملايين الدولارات لكل عملية اعتراض ناجحة.
هذا التفاوت الهائل في التكلفة يغير معادلات الردع التقليدي، إذ يحول التفوق التكنولوجي الباهظ إلى عبء اقتصادي يسهل استنزافه. وأمام هذا الواقع المتغير، تجد عواصم الخليج نفسها أمام ضرورة ملحة لإعادة صياغة إستراتيجياتها الأمنية والدفاعية؛ لأن استمرار هذه الأزمة ذات الطبيعة الاستنزافية لم يعد يهدد الاستقرار الأمني فحسب، بل يضع مسار التنمية الاقتصادية طويل الأمد ومشاريع التنويع الاقتصادي الكبرى أمام تحديات عميقة تتطلب استقلالية إستراتيجية وحلولا تتجاوز فكرة الاعتماد الكلي على الحليف الخارجي.
تحديات اقتصادية
بقدر ما كشفت الحرب على إيران أن أمن الخليج يرتبط بشبكة معقدة من التحديات المترابطة التي تتجاوز المفهوم التقليدي للحروب، لتجمع بين التصعيد العسكري المباشر، والهجمات السيبرانية الخفية، والضغوط المستمرة على خطوط الملاحة البحرية الحيوية، فإن حالة “الاستنزاف”وضعت المنطقة أمام تحديات اقتصادية كبيرة.
فالخليج لم يعد مجرد خزان للطاقة التقليدية، بل تحول إلى شريان لوجستي ومالي حيوي يربط اقتصادات الشرق والغرب، وكما هو معلوم تعتمد اقتصادات الخليج الحديثة بشكل متزايد على قطاعات حيوية تتسم بحساسية مفرطة تجاه الاستقرار الأمني.
فالمراكز المالية والسياحية العالمية، والمشاريع التنموية العملاقة، ومحاور الطيران والنقل اللوجستي، بالإضافة إلى مساعي التنويع المالي والتجاري المتسارعة، جميعها قطاعات تعتمد بنيويا على تدفق رؤوس الأموال وحرية الحركة وثقة المستثمر. ولهذا، فإن أي تهديد أمني مستمر، حتى وإن كان غير مباشر أو يندرج ضمن حروب المنطقة الرمادية، يقلل بوضوح من جاذبية هذه الاقتصادات للاستثمارات الأجنبية المباشرة بنسبة وازنة، وذلك وفقا لتقييمات المخاطر الجيوسياسية المعتمدة لدى مؤسسات الاستثمار الدولية. هذا التراجع يمثل تحديا لخطط التحول الاقتصادي التي تعول عليها المنطقة لمرحلة ما بعد النفط.
مقاربات جديدة
تمثل مرحلة الخليج ما بعد الحرب نقطة تحول استراتيجية عميقة، حيث لم تعد دول المنطقة تنظر إلى الأمن والاقتصاد بالمنظور التقليدي، بل عليها تبني مقاربات أكثر شمولًا ومرونة. فالحرب لم تكن مجرد صراع عسكري، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة دول الخليج على الصمود والتكيف وإعادة التموضع وتعزيز مكاسبها الاقتصادية والسياسية على المديين المتوسط والطويل في نظام دولي متغير.
فالتاريخ يُظهر أن الأزمات الكبرى لا تعيد توزيع المخاطر فقط، بل تعيد أيضًا توزيع النفوذ والثروة. وفي هذا السياق، تبدو دول الخليج في موقع يسمح لها بتحويل التحديات إلى فرص، إذا ما أحسنت إدارة المرحلة.
ورغم مخاطرها الأمنية والجيوسياسية، كشفت الحرب عن مجموعة من الدروس العميقة التي ستؤثر في مسار المنطقة لعقود قادمة:
– أمن الطاقة: لطالما اعتُبرت دول الخليج، مركز الثقل في أسواق الطاقة العالمية. لكن الحرب على إيران، خصوصًا إذا ترافقت مع تهديدات بإغلاق مضيق هرمز، أثبتت أن وفرة الموارد لا تعني بالضرورة أمن الإمدادات، فقد كشفت الأزمة عن هشاشة طرق النقل التقليدية، ما يدفع دول الخليج إلى التفكير بجدية في بدائل إستراتيجية، مثل خطوط الأنابيب العابرة للأراضي، وتوسيع موانئ التصدير خارج مناطق التوتر.
– تنويع الاقتصاد: أحد أبرز الدروس يتمثل في ضرورة تقليل الاعتماد على النفط. فالتقلبات الحادة في الأسعار، وتذبذب الطلب العالمي خلال الأزمات، أكدت أهمية تسريع برامج التنويع الاقتصادي مثل رؤية السعودية 2030 ومشاريع التنويع في أبوظبي والدوحة.
كما أبرزت الحرب أن الاقتصادات الأكثر مرونة هي تلك القادرة على امتصاص الصدمات عبر قطاعات بديلة مثل السياحة، التكنولوجيا، والخدمات المالية.
– الأمن الغذائي والمائي: أظهرت الحرب هشاشة سلاسل الإمداد، خاصة في ما يتعلق بالمواد الغذائية والمياه، فدول الخليج، التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد، وجدت نفسها أمام تحديات تتعلق بارتفاع الأسعار وصعوبة الوصول إلى الأسواق، كما أن أي تهديد لمحطات تحلية المياه وهي شريان الحياة في الخليج قد يتحول إلى أزمة وجودية.
بالتالي، بات الاستثمار في الزراعة المحلية، والتقنيات الحديثة مثل الزراعة الرأسية وتحلية المياه بالطاقة المتجددة، ضرورة إستراتيجية لا خيارًا.
– التحالفات الدولية: كشفت الحرب أن الاعتماد المطلق على الحماية الخارجية لم يعد كافيًا. صحيح أن دولًا كبرى مثل الولايات المتحدة ما تزال شريكًا أمنيًا رئيسيًا، لكن التردد أو إعادة ترتيب الأولويات العالمية يدفع دول الخليج إلى تنويع شراكاتها، بما في ذلك الانفتاح على الصين وروسيا، وهذا التحول لا يعني استبدال تحالف بآخر، بل بناء شبكة علاقات متعددة تضمن التوازن وتقليل المخاطر.
– الصناعات الدفاعية المحلية: امتلاك قدرات دفاعية ذاتية لم يعد رفاهية، فالهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة سلطت الضوء على الحاجة إلى تطوير أنظمة دفاع جوي محلية، وتعزيز الصناعات العسكرية.
وبالتالي سرعت الحرب وتيرة الاستثمار في هذا القطاع، سواء عبر الشراكات أو التصنيع المحلي.
– الحرب السيبرانية والإعلامية: لم تعد الحروب تقليدية فقط؛ فقد برزت الهجمات السيبرانية والتضليل الإعلامي كأدوات رئيسية، وهذا يفرض على دول الخليج تطوير قدراتها في الأمن السيبراني، وبناء منظومات إعلامية قادرة على مواجهة الحملات الدعائية، خاصة في ظل التأثير الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي.
– إدارة الأزمات: من الدروس المهمة أيضًا أن سرعة الاستجابة ومرونة المؤسسات تلعبان دورًا حاسمًا في تقليل الخسائر، فالدول التي تمتلك خطط طوارئ واضحة، وسلاسل إمداد بديلة، وأنظمة حوكمة فعالة، تكون أكثر قدرة على تجاوز الأزمات بأقل الأضرار.
– الاستقرار الداخلي: في أوقات الحروب، يصبح التماسك الداخلي عنصرًا حاسمًا.، فالحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، وضبط التضخم، وتوفير الدعم للمواطنين، كلها عوامل تمنع انتقال تداعيات الحرب إلى الداخل.
وقد أظهرت الأزمة أن الاستقرار ليس مجرد نتيجة، بل سياسة يجب إدارتها بوعي عبر أدوات اقتصادية واجتماعية متكاملة.
– الفرص الكامنة:رغم المخاطر، تخلق الحروب فرصًا، فارتفاع أسعار الطاقة، وزيادة الطلب على البدائل الآمنة، يمنح دول الخليج فرصة لتعزيز مكانتها كمورد موثوق، كما أن إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية قد تفتح المجال أمام المنطقة لتصبح مركزًا لوجستيًا عالميًا.
إذن الخليج ما بعد الحرب ليس كما قبلها ، فالدرس الأبرز منها هو أن الاستقرار لا يُبنى فقط على الثروة، بل على التنوع، والجاهزية، والقدرة على التكيف مع عالم سريع التغير.
ورغم أن الحرب تحمل مخاطر كبيرة، فإنها في الوقت ذاته تفتح نافذة تاريخية لدول الخليج لإعادة تعريف دورها في النظام العالمي.


أضف تعليقا