تونس رأي

الخطر الوجودي على الإعلام.. المرسوم 54 أم الذكاء الاصطناعي؟

عبدالسلام الزبيدي 
“التدمير الخلّاق” مفهوم من ابتكار عالم الاجتماع النمساوي جوزيف شمبيتر، استخدمه أداةً تفسيرية لاضمحلال عدد كبير جدّا من المهن بل من القطاعات المهنيّة بفِعل الثورة الصناعيّة الثانية. ونحن في زمن المعلوماتية والذكاء الاصطناعي، فإنّ الأداة التفسيرية نفسها لها كامل الصلاحية للمساعدة على فهمْ ما يحدث في عالم اليوم من تفكيك لمهن وتغيّرٍ لها، بل الأكثر من ذلك الاضمحلال والفناء.
على المشتغلين في قطاعيْ الإعلام والاتّصال عدم وضع أنفسهم فوق هذا الأفق. فالاضمحلال وارد وإرهاصاته بدت واضحة للعيان. ولذلك يتنادى أهل القطاع في كلّ الأصقاع للحديث عن الآثار والمخاطر (منها المخاطر الوجودية) والتأقلم والفرص. فالذكاء الاصطناعي خطر داهم وفي الوقت ذاته فرصة سانحة للتغيير والتبدّل. ومن هنا جاءت ندوة “دور التكنولوجيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في تطوير المضامين الصحفية لوكالات الأنباء”، التي نظّمتها وكالة تونس إفريقيا للأنباء الخميس 23 ماي 2024، واحتضنها مقر اتحاد إذاعات الدول العربية بالعاصمة تونس.
لهذا السبب الذكاء الاصطناعي ليس خطِرا
تداول متحدّثون كُثر على المصدح من الترحيب والمجاملات، مرورا باجترار عبارات وتعداد ما يعتبرونه إنجازات في محاولة تفكّر هذه المسألة والتأقلم معها والحدّ من آثارها، وصولا إلى دقّ ناقوس التنبيه من المخاطر القادرة على جرف القطاع برمّته.
في زمن المطبوع والمرئي والمسموع باعتبارها منفصلة قبل زمن المعلوماتية والذكاء الصنعي، كانت المخاطر تتوزّع بين النموذج الاقتصادي للمؤسسة، وشروط وجودها القانوني، والبنية القانونية والسياق السياسي، والخط التحريري في علاقة بالمتلقّين (سلطة، رأس مال، جمهور). أمّا الآن، فإنّ الإعلام غدا مُحدَّدا في وجوده أوّلا وفي طبيعته ثانيا بالمعطى التكنولوجي الواعد بقدرته على استبدال الإنسان ببرمجيات وآلات وروبوتات.
فالخطر الداهم على الإعلام في تونس، مثلا، ليس فقط الهشاشة الاقتصادية للمؤسسة، والتضييق على الحريات عبر استخدام القوانين الزجرية والسالبة للحريات وذروتها المرسوم 54، بل هو كذلك المعلوماتية والذكاء الأذكى من الذكاء البشري.
بين “الاستنجاد” بفصولٍ من المجلات الجزائية والعسكرية ونصوص الاتصال الإلكتروني ومكافحة الإرهاب والمرسوم 54، وبين رصد التحوّلات التكنولوجية القادرة على العصف بوضع الصحفي، تتوزّع انشغالات أهل القطاع محليّا. وهذا “العصف” قد يكون تغييرا للأدوار و”الوصف المهني” أو تدميرا كليّا لمهنة الصحافة.
لكن ما يبعث بعضا من الطمأنينة في نفوس الجديرين بصفة الصحفي أو منتحلي الصفة رغما عن القوانين وعن النقابات، هو أنّ الخطر المعلوماتي ليس داهما في تونس وليس ماثلا بل هو مؤجَّل إلى حين من الدهر. وبعض مبرّرات ذلك الفجوة الكبرى في الاستعداد للتأقلم مع هذه التكنولوجيات الحديثة في تونس وبين ما تشهده دول أخرى عربية وغربية. ففي زمن تتاح فيه لروبوتات تقديم نشرات إخبارية أو التنشيط، ويتمّ استخدام البرمجيات الذكية للكشف والتفحّص والتركيب والتوليد والصياغة، ما تزال عموم المؤسسات التونسية في طور التأتأة والتلعثم في تعلّم الكلام، وهي ما تزال تحبو لو أردنا التشبيه بمسار التدرّب على المشي.
من حقّ أهل المهنة الاعتراض على هذه “الأحكام” التي لم أقدِّم أيّ دليل يثبت صحتّها ويرتقي بها من وضع الادّعاء إلى منزلة الحقيقة. وأوّل عناصر الردّ الإحالة على ما تمّ عرضه خلال الندوة المذكورة من جهود المؤسسات التونسية للتأقلم مع التكنولوجيات الحديثة والذكاء الاصطناعي. ولستُ في حاجة إلى التأكيد بأنّني بصدد الكتابة حول الندوة لا عنها، إنّه تفكّر ذاتي من وحيها وليس نقلا…
مفارقة الذكاء والمرسوم 54
إنّ النقْل هو “الرياضة” المفضّلة للمؤسسات الإعلامية التونسية. هذه التقنية تقينا شرور المرسوم 54 وترسانة القوانين الأخرى المذكورة أعلاه. كما أنّ الحديث عن المخاطر الوجودية للذكاء الاصطناعي يعفينا، دون ريب، من أن نحوم حول حمى تلك النصوص فنرتع فيها. ومعلوم أنّ لتجاوز الحدود واقتحام الحمى كلفة تبتدئ بالاستدعاء، فالاستماع، يليه الاحتفاظ ثم الإيداع. وبفضل القضاء السريع والناجز يكون النطق بالحكم في أفضل الآجال وأقربها.
ومن باب النصيحة، ينبغي التسلّح بالحذر. فالناظرون في الذكاء الاصطناعي والمُتأمّلون في مخاطره وآثاره، والحريصون على التأقلم مع مستجدّاته تقليصا للفجوة مع من سبقونا سبقا تكنولوجيا وحضاريا وليس زمنيّا، قد يجدون أنفسهم في فخّ المرسوم 54. فتقنيات الذكاء الصُنعي تُضلِّل وتُزيّف، والوقوع في براثنها له عواقب.
كما أنّ التقنيات ذاتها تكشف عن التضليل والتزييف، ممّا يعني أنّ استخدامها لمعالجة بيانات صادرة عن جهات لها امتيازات إنشاء المعلومة وشدّ الخناق على كلّ من يحاول النفاذ لها، مآله لا يختلف عمّن زيّف الإشاعات وضلّلها ونشرها وبثّها وأرسلها وألحق من خلالها الضرر بالنظام العام.
فليحذر الهاربون من استحقاقات الحرّيات وضرورة تغيير المرسوم 54 نحو الذكاء والتكنولوجيات، من أنّهم قد يجدون أنفسهم بين بئر تحوّل الإعلام إلى أداة اتّصال ودعاية ونقل، وبين عصا القانون. وليعذرني من أملِ نقلا للفعاليات.. فتلك المهمة بإمكان منتجات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الرقمية الاضطلاع بها بكفاءة أكبر.