الحبيب المسلماني.. مهندس مسلسلات الزمن الجميل

الحبيب المسلماني.. مهندس مسلسلات الزمن الجميل

في رصيده أكثر من 10 أعمال درامية ناجحة، أبرزها: “بنت الخزاف” (1997)، “عنبر الليل” (1999)، “ضفاير” (2001)، “عطر الغضب” (2002)، “حسابات وعقابات” (2004)، “عودة المنيار” (2005)، “الليالي البيض” (2007)، “بين الثنايا” (2008)، “عاشق السراب” (2008)، “الزوجة الخامسة”، (2013)، وغيرها الكثير.

تشبّعت أعماله بسحر الطبيعة التونسية على غرار “حسابات وعقابات” الناقلة لسحر أرياف ولاية جندوبة بكلّ سحرها وهدوئها ونبض حياتها أيضا..

مشاهد وزوايا تُلتقط دائما وأبدا بكاميرا ناقلة لجمال الشمال الغربي التونسي في أبهى صوره، وتعكس روح المكان وأصالته في اتّساق شديد بروح القصة وخبايا شخصياته وتركيبتها النفسية والاجتماعية.

الأمر ذاته بدا جليا أيضا في مسلسل “بين الثنايا” الذي ركّز على الريف مكانا رئيسيا للأحداث، ويُظهر حياة الناس البسيطة وتحدّياتهم اليوميّة.

صورة واقعيّة للعلاقة بين الإنسان والأرض، وكيف تؤثّر البيئة الريفيّة في سلوك الشخصيّات وطريقة تفكيرهم.

حتى الحيوانات بحركاتها وأصواتها تغدو في العمل شخصيات تقرّب المشاهد من حياة الريف وتمنحه إحساسا بالصخب والهدوء معا.

“بين الثنايا” تجسيد صارخ لمعاناة المرأة الريفية في مجتمع ذكوري يحتكر الأعمال الفلاحية والقرارات المصيرية، قبل أن تظهر الفتاة “نعيمة” (سوسن معالج) والجدة “تبر” (ناجية الورغي) خاصة، رمزا للصمود والقوة والتحدّي بملامحها الثابتة وتجاعيد وجهها الأشبه بالأرض عند تشقّقها في زمن الجفاف.

أما في مسلسل “عاشق السّراب”، فتألّقت مدينة القيروان بعدسة نقلت سحر المدينة وعمقها التّاريخي برؤية فنيّة راقية.

كلّ مشهد هو لوحة تنبض بجمال القيروان وتحكي قصّة من تراثها العريق وشخصياتها الأسطورية. ‎

ومن الشمال الغربي مرورا بالوسط وصولا إلى أعماق الجنوب التونسي، تحضر الكاميرا مرة أخرى ناقلة لجمال الصحراء وخباياها وغموض المناجم واكراهاتها في مسلسل “ضفائر” الذي بدا تحفة دراميّة تجمع بين قصّة إنسانيّة قويّة مستوحاة من واقع صعب وحقيقي في زمن الاستعمار الفرنسي، وشخصيّات مركّبة عاشت صراعات اجتماعيّة وسياسيّة في فترة حسّاسة من تاريخ تونس، قاومت وناضلت وانتصرت لنعيش تونس اليوم.

تونس ما قبل الاستعمار وغداته، تجلّت أيضا في مسلسل “عطر الغضب” الذي قاد المشاهدين إلى رحلة ساحرة في تونس الستّينات والسّبعينات، فأحالت الملابس والإكسسوارات وطريقة العيش إلى تلك الحقبة بكلّ تفاصيلها، لتفيض كل لقطة وكلّ مشهد بسحر زمن جميل “نوستالجي” يستعيد بعضا من ذاكرة الآباء.

أما الأجداد وحكاياتهم فحضرت وبعمق في مسلسل “عنبر الليل” الذي تدور أحداثه في العاصمة تونس في فترة الأربعينات، عبر عائلة من الطبقة المتوسطة تعصف بها أنماط العيش الجديدة التي فرضتها تحوّلات القيم التي شهدتها فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، تحوّل جعل الأخوان “عزوز وسليمان” أعداء في زمن اقتناص الفرص المُمكنة واللّا مُمكنة أيضا.

كل ما تقدّم وغيره، هو نتاج مخرج تونسيّ عبقريّ، اسمه الحبيب المسلماني، تميّزت أعماله بلمسة ريفية وإن كان سياقها الحاضرة أحيانا، فينقل المُشاهد بين جمال الطبيعة الأكيد وصرامة المدن وتحدياتها، مُدبر غير مُنكر مدى قرة الكاميرا -في سياق آخر- على بثّ روح الماضي وخصوصياته في الزمن الراهن.

غاب الحبيب المسلماني أو اختار الغياب عن معشوقته الكاميرا منذ أكثر من عقد تاركا الساحة الإخراجية بلا “عرّاب” يُعيد لها سحر الجمع المتقن بين جمالية الصورة وقسوة الأحداث بلا تكلّف استعراضي.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *