فوزي الصـددقاوي
تشدّد الأنظمة الاستبداديّة نقدها لليبراليّة، ولقيم الفردانيّة التي تُـعلي من شأنها، وبسبب مناقضتها لقيم التضامن الأهلي والجماعة، ولما تناشده من قيم الحرية والمساواة أمام القيود المحافظة على الروابط الاجتماعيّة والعائليّة كأساس لبنية الدولة، إلا أن النقد لم يكن ليطال الديمقراطيّة بنفس ذاك القدر وتلك الحدة، لأن أنظمة الحزب الواحد في أوروبا كانت تسمّي نفسها بـ”الديمقراطية الشعبية” قبل أن يعاد نسخ تلك التسمية ونقلها إلى أحزاب مماثلة في العالم الثالث والعالم العربي.
والحالات الثلاث (سورية واليمن وليبيا)، مع ما شهدته من احتجاجات شعبية، منذ 2011، ومن تدخّل خارجي وتفريخ لفصائل مسلحة محليا، كان كافيا أن تُـجهض تجربة التغيير منذ بداياتها، وأن تَـفرِض السؤال حول علاقة الدولة ببنية المجتمع. لاسيما أنّ هشاشة الدولة (الحالة الليبية) كانت سببا في استدعاء النزعات القبلية والمناطقية بين أبناء “المجتمع الواحد”، الذي فكّكت “الدولة الوطنيّة” طوال عقود مؤسساته المجتمعيّة النشطة، ما جعل الوقوف على الصعوبات التي حالت دون الانتقال إلى الديمقراطيّة، قضيّة جديرة اليوم بالبحث والاعتبار، والاجابة عمّا حال دون طرح بديل انتقالي يتّسم بقابليّة التطبيق.
واذا كانت الديمقراطيّة عام 2013 في مصر، قد دخلت مرحلة من التراجعات، فقد تجددت في 2019، الموجة الثانيّة للربيع العربي التي عبرت عن نفسها من خلال الانتفاضات الشعبيّة، في السودان والجزائر ولبنان والعراق، وطالبت بالديمقراطية، فكانت تقرن الفساد الذي أصاب مجتمعاتها، بالدولة والنخب السياسية.
ففي حالة الأنظمة العربيّة التي شهدت انتفاضة الشعوب ضدها، لم تكن الديمقراطيّة هي التي جاءت إليها بالفوضى، وإنّما معلوم أنّ الاستبداد والفساد المنهجي وتخريب بُنى المجتمع ومؤسساته من قبل تلك الأنظمة من أجل الهيمنة، هي التي هيّأت للفساد قواعد سلوك في الإدارة والمجتمع، ليصبح الفساد ثقافة إدارة ومجتمع ، فضلا عن أن الحروب الأهليّة وتنمية ثقافة القبيلة والانتماء الطائفي والمناطقي، التي كانت السلطة المركزيّة تحتاجها لتسود وفّرت الهشاشة ودعمتها، وهيّأت بيئة للسقوط الأنظمة المؤجل.
متى بدأ الاهتمام بدراسات الانتقال في العالم العربي؟
وفق ليزا أندرسون (Lisa Anderson)، لم يكن في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، اهتمام بدراسات الانتقال قبل ثورات 2010-2011، فالدراسات الملحّة والحارقة في الساحة السياسية والثقافية والعلميّة في الشرق الأوسط حينها، كانت تُـعنى بقضايا بناء الأمة وتشكّل الهويات ودينامية الاقتصاد الريعي ودور الجيش في السياسة ونشوء بيئات حاضنة للإرهاب. لكن عددا كبيرا من الباحثين الغربيين المدافعين عن الديمقراطية الليبرالية ممن اهتموا بدراسات الانتقال خلال تلك الفترة، حملتهم الرغبة في إسداء نصائح للسياسات الخارجية الأمريكية، خاصة أن العلوم السياسية الأمريكية منذ ولادتها ظلت متمسّكة بتقاليدها في دراسة الديمقراطية ونشوئها، دون الانشغال بما سواها من القضايا.
أضحت دراسة التحول الديمقراطي في بعض الدول العربية أمرا ملحا في أعقاب الثورات العربية، في تقدير عزمي بشارة، بل وازدادت أهميتها، في رأيه، حتى بعد تعثّر مسارات هذا التحول، في بعض الدول العربية، وباتت مهمة أيضا في البرامج الدراسيّة والبحثيّة للعلوم الاجتماعيّة المتخصّصة لاسيما مع انفتاحها على غيرها من التخصّصات في العلوم الإنسانية مثل التاريخ والعلوم الاقتصادية والعلوم السياسيّة والديموغرافيا والدراسات الثقافيّة وغيرها…
وإذا كانت العلوم الاجتماعية تهتم بالتحوّلات التي تشهدها الظاهرة المدروسة، فيتوجب في نظر عزمي بشارة، التعامل مع هذه العلوم على نحو غير منفصل عن باقي اختصاصات العلوم الإنسانية، (الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتاريخية..) وينبغي النظر إليها باعتبارها تشتغل جميعا، في حقل معرفي واحد.
فهذه العلوم تهتم من الناحية الكيفيّة بالتحولات (Transformations) ومن الناحية العمليّة تهتم بالانـتقالات (Transitions). وفي الحالتين تعمل هذه العلوم على اكتشاف قوانين التغيير وعوامل التطوّر التدريجي (Evolution)، وملاحظة الطفرة (Saltation)، أي نقطة التغيير الفجائي في مسار تشكّل الظاهرة مثل التحوّل من الاقطاعية إلى الرأسمالية ومن المجتمع التقليدي إلى المجتمع الحداثي. وما يجدر ملاحظته أيضا، أنّ هذه العلوم الاجتماعيّة نشأت في الغرب في سياقات ثقافية وحضارية مخصوصة لذلك فإنّ المفاهيم والمصطلحات الجاهزة في تلك البيئة ستواجه صعوبات عند الانتقال إلى بيئة ثقافيّة مغايرة، خاصة أن المصطلحات التي تصف بُـنَى المجتمع الأوروبي، أبعد من أن تستوعب ظواهر نشأت في الشرق، وهي معضلة تواجهها التوصيفات والمصطلحات والمفاهيم المستخدمة في دراسات الانتقال. غير أنّ النقد الموجّه إلى “دراسات المناطق” يظلّ مفيدا في تحقيق فهمٍ أعمق للتحولات داخل سياقات واقعية مغايرة وخصوصية، حتى في الحالات التي تُستعار فيها مصطلحات جاهزة لتفسير عناصر تتطابق مع السمات المفترضة للظاهرة المدروسة.
“تكمن الإشكالية في إسقاط المفاهيم والمصطلحات المستمدة من السياق الغربي -كالإقطاع والرأسمالية والحداثة- على الواقع العربي ودول العالم الثالث؛ إذ تُنقل كقوالب نظرية جاهزة للتطبيق خارج بيئتها الأصيلة. ويؤدي هذا التوظيف إلى وصف بنى اجتماعية واقتصادية مغايرة للواقع، لا تتطابق في جوهرها مع المضامين الحقيقية لتلك المفاهيم”.
وإذا كانت هذه الملاحظات جديرة بالاهتمام، فإنّ التحصّن بمناهج البحث في العلوم الاجتماعيّة برأي عزمي بشارة والتعامل نقديا مع مفاهيمها، والاستفادة من خبرتها وأرصدتها الفكريّة، من شأنه أن يقلّل من الحذر عند استخدامها في غير منبتها الاجتماعي والسياسي والثقافي، أو عند استخدام تلك المصطلحات والمفاهيم من غير مراعاة لما يميّز سياقات إنتاجها، لاسيما أن دراسات الانتقال الديمقراطيّ محليّة بطبيعتها، وهي لا تتعجّل استخلاص النتائج، باعترافها، وهي أخيرا، لا تسارع إلى التعميم كما تفعل السرديات الكبرى في العلوم الاجتماعيّة الغربيّة.
ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
(*)-عزمي بشارة، الانتقال الديمقراطي واشكالياته، دراسة نظريّة وتطبيقيّة مقارنة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، بيروت، 2020.


أضف تعليقا