فـــوزي الصــدقاوي
الأسئلة التي يطرحها المراقبون حول الثورة التونسية هي من الأهميّة، بحيث يكون نفعها، تُفيد منه أسئلة عربيّة كثيرة ذات خصوصية قُطرية وتفيض من تجاربها الثريّة أجوبة ملهمة ذات شؤون عربيّة وهموم قوميّة محتملة. والتفكير الذي يُعنى بالثورة، بمثل ما يفعل د. عزمي بشارة في بعض كتاباته(1)، يكون مثمرا حين يجعل من الحالة الثوريّة في البلد الذي تنشب فيها الثورة موضوعا للدرس، ومن القابليّة للثورة مسألةً للبحث. فالنظر في الأصول التي تتغذّى منها الثورات العربيّة وما يجري في مجراها وفي منابتها، لا يتوقف عند ظاهرة مفردة، وإن توقفت عند حالة بعينها فمن أجل عقل ظاهرة الثورة، في تعدّدها وفي خصائصها المشتركة وفي مآلاتها الإقليمية.
أهم الأخبار الآن:
لقد أصبحت الأنظمة العربية القومية منذ فترة طويلة، قومية فقط على مستوى الخطب، لكنها على صعيد الممارسة تنتهج نهجا قُطريا. وهي من أجل استقرار نظامها باتت تعتمد على الحكم مدى الحياة وترتيبات التوريث التي يجري إعدادها في الكواليس. وقد تكفّلت اللبرلة الاقتصادية المتعايشة مع الأنظمة الاستبداديّة، بمحو الفروق بين الدول العربية. وقد شهدت خاصيات الأنظمة العربية القوميّة والأنظمة العربية القطريّة، تضيّقا لما كان بين أنظمة الحكم من فجوات. وأسهمت في إنضاج بيئة اجتماعيّة مثيرة لانتفاضات متعاقبة، لاسيما أنّها كانت وراء تعمّق الهوّة بين الأغنياء والفقراء.
أمّا البورجوازيّة الجديدة التي نشأت في ظل الرأسمال الريعي وأصبحت أكثر تصالحا مع الاستبداد السياسي، فإنّها صارت إحدى مكوّنات الاستبداد الجديدة. فيما بات يمكن لهذه البورجوازيّة أن تزاوج بين العلمانيّة وأنماط الحياة الاستهلاكية، ولا ترى مانعا أيضا أن يروّج النظام بين الناس تديّنا شكليا، ويثبّت وعّاظا موالين له، بتعلّة القضاء على التدين المتطرف الذي نشأ في المناطق المحرومة التي أهملتها برامج التنميّة.
ولعل أحد أسباب ارتباك الطبقة البورجوازية العربية، مع نشوء الثورات العربية ضد الاستبداد هو انخراط هذه البورجوازية المدينية في دوائر المستفيدين من المنظومة الحاكمة، وارتباطها أيضا بطائفة واسعة من فنانين ومثقفين يقدّمون للسوق الاستهلاكيّة ما يحتاج من إبداعات، تحت مسميات التنوير والتحديث بهدف تلميع الاستبداد ودعمه بحجّة الدفاع عن الدولة من مخاطر الانزلاق في الفكر الظلامي. وهم يشيدون بعلمانيّة النظام دفاعا عن الاستبداد المتنوّر ضد أيديولوجيات جماهيريّة غير ديمقراطيّة. لقد فقدت هذه الأنظمة -كما يعتقد عزمي بشارة- شرعيتها الوطنيّة، وفقدت معها وظيفتها التاريخية التحديثية، فضلا عن كونها ذهبت بعيدا في قمع الحريات وبدّدت قدرتها على تلبيّة حاجات المواطن اليوميّة.
أما في مستوى خاصيات المجتمع التونسي فقد توفّر على طبقة وسطى واسعة، ونسبة تعليم عاليّة، زائد بنيّة مجتمعيّة مهيكلة وعريقة، وثقافة مدنيّة ونخبة ذات خبرة سياسية، وتاريخ احتجاجيّ ورصيد نضالي نوعيّ في علاقته بالدولة، وهي مميّزات مهمة جعلت من الطبقى الوسطى تطمح إلى المشاركة السياسية والمساهمة الفاعلة في الإنتاج الاقتصادي والاجتماعي.
وقد أصاب عزمي بشارة حين كتب في مرحلة سابقة عن الثورة التونسية، أنّ تونس دولة مركزيّة ذات تاريخ سياسي وحضاري وموروث ثقافي تقدمي متميّز عربيا، وأنّه لو توفّـرت الإرادة السياسية لدى النخبة الحاكمة التونسية للقيام بالاصلاحات الضرورية، فإنّ تونس ستكون جاهزة للتحوّل الديمقراطي.
ومنذ بدأ النظام في نهاية حياة بورقيبة يترهّل، فإنّ تمايزه عن الدولة أصبح حالة واقعة، كما صار النظام يتمايز أيضا عن الشعب بما يحمله من هويّة وطنيّة متجانسة، فقد شكّلت التجارب التاريخية والاجتماعية والثقافية والنضالية من أجل التحرر الوطني، هذا التجانس، وصار يمكن اعتبار هذه الهويّة المتجانسة، بمثابة أسلاك مُوصلة لروح الاحتجاج وناقلة لحركته من موقع إلى موقع، ومن مدينة إلى مدينة، ومن مدن الأطراف إلى مراكز الثقل الاقتصادي والاجتماعي. وهي مُـوصلة لغضب الشرائح الاجتماعيّة الدنيا، ثمّ هي محوّلة إياها إلى الشرائح الاجتماعية الأكثر ثقافة والأكثر انتظاما مجتمعيا وسياسيا. و هي أيضا جسورٌ ناقلة للاحتجاجات من عموم الشارع الجماهيري الهادر إلى المجتمع السياسي ونخبه الحقوقيّة والسياسية والنقابية، بجمعياته وأحزابه ومنظماته، فكانت حركة نقل الاحتجاج تجري من دون أن يواجه هذا الانتشار التدريجي أي صدود أو مقاومة سلبيّة، من شأنها أن تُسيّس اختلاف الهويات، وتفتعل النزعات بينها. ويرى عزمي بشارة أنّ تحديث مؤسسات الدولة وترسيخ علمنة المجتمع، كانا لهما بالغ الأثر في الاحتجاج الاجتماعي المؤطر وطنيا، وفي منع قوى سياسية معارضة من الاستقواء بقوى أجنبية أو المطالبة بالتدخّل الأجنبي.
إنّ اللحظة التي تم فيها الانتقال النوعي من الحالة الثوريّة إلى الثورة، اقتضت أن يتوفّر ظرفٌ موضوعيٌ مساعدٌ، وقوى اجتماعيةٌ وسياسية فاعلة وجاهزة، تجعل من تلك الواقعة الفردية (إضرام محمد البوعزيزي النار في نفسه)، وذلك الحدث الاحتجاجي الـ”عادي”، شرارة تُشعل غضب الناس وتحوّله إلى احتجاجات ساخطة، فينضم إليها تونسيّون من شرائح المظلوميّين والمهمّشين، لتتحوّل إلى احتجاجات اجتماعية، وإلى مطالب سياسية ذات سقوف عالية ومتصاعدة، سرعان ما بلغت مطلبها الأقصى، وهو إرادة إسقاط النظام.
لقد وافقت اللحظة الاحتجاجية الأولى الواقعة في 17 ديسمبر 2010، حالة مناسبة من الجاهزية الشعبيّة لاستقبال الحدث بكامل حمولته الاجتماعيّة والسياسية والثقافيّة، وتلك هي القابليّة الثورية التي شكّلت إحدى المكوّنات الأساسيّة للحالة الثوريّة، فجعلت وَصْل رُوح الثورة الكامنة في شرايين المجتمع، روحا حيّة وفاعلة، وحوّلتها إلى أجسام ناقلة. إذ قبل اللحظة الاحتجاجية الناقلة للثورة في تونس لم يكن هناك مخطط للثورة، وإنّما كان هناك أرضيّة سياسية ومجتمعيّة جاهزة لاستقبال الاحتجاجات وحملها ضمن ديناميات الحالة الثوريّة، لتبلغ أقصى مداها.
استطاعت الدولة أن تضحّي بالنظام لصالح الشعب، بوصفه قوة الشرعيّة وصاحب السيادة، وأمكنها أن تنفصل عنه حين رفضت مؤسسة الجيش أن تنصاع للأوامر وتُطلق النار على الشعب يوم قام ضد النظام، ولم تعمد إلى حماية النظام، بتحويل النزاع إلى صراع حول الهويّات جزئيّة، إذ تُخطئ القوى السياسية في تونس، إن هي عملت على إثر نقاش هويّاتي، على خلق اصطفافات حول الهويّة. فأي ثورة تقسّم سياسيا الشعب إلى هويات جزئية، لن تنجح في أن تكون ثورة ديمقراطية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
– عزمي بشارة: الثورة التونسية المجيدة، بنية ثورة وصيرورتها من خلال يومياتها، مركز الأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، ط 1، 2012، ص 496.


أضف تعليقا