لايف ستايل

الحاجوجة: الأسطورة التي منحت سكان صفاقس أسماءهم العائلية المميزة

دأبت مدينة صفاقس منذ سنة 2012، على تنظيم فعالية ثقافية سنوية تعرف بمهرجان “الحاجوجة”، إحياء لذكرى إحدى أبرز الملاحم النضالية في تاريخها، والتي تشكل جانبًا من إرثها الحضاري وتراثها اللامادي.

  يحتفي المهرجان بعرض رئيسي يعرف بسهرة النار، ويخلد بأسلوب فرجوي فني، الملحمة البطولية التي خاضها أبناء صفاقس ضد جيوش النورمان التي غزت المدينة قبل أكثر من ثمانية قرون.

وتمثل سهرة النار التي تحظى بمواكبة واسعة، فرصة لتعريف زوار المدينة وضيوف المهرجان بمرحلة هامة من تاريخ صفاقس، ممثلة في حكاية “الحاجوجة” ومكانتها في الموروث الشعبي والشفهي الذي يمتزج عبره التاريخ بالبعد الأسطوري للخرافة، ويصف البعض الحاجوجة” بالأسطورة التي منحت سكان صفاقس أسماءهم العائلية المميزة”، ورسخت أثرها بين تقاليدهم وعادتهم وكذلك لكنتهم المحلية .

غزو النورمان

توثق ملحمة الحاجوجة بأسلوب يجمع بين مقومات الحكاية والإبهار، قصة تعرض صفاقس سنة 1148 لغزو النورمان الصليبيين القادمين من جزيرة صقلية، وما ترتب عنه من أحداث انتهت بدحر المحتلين، بفضل خطة محكمة التفاصيل كللت بمعركة حاسمة عند أسوار المدينة.

تعرضت السواحل التونسية خلال أواخر العهد الصنهاجي لغارات النورمان الصليبين، الذين تمكنوا من احتلال مدينتي المهدية وسوسة، قبل أن يواصلوا التقدم في محاولة لإحكام السيطرة على صفاقس.

واجه سكان المدينة حصارًا ضاريًا معززًا بالمنجنيقات، والتي حاولت طوال أسابيع اختراق أسوار المدينة دون جدوى، بفضل صمود حاميتها والمدافعين عنها، قبل أن يتم تسليمها بشكل سلمي بسبب طول الحصار ونفاد المؤونة والعتاد.

خضعت المدينة لاحتلال دام ثماني سنوات، وتعرضت خلاله معالمها إلى التخريب وواجه سكانها التنكيل، كما جردوا من السلاح والأدوات الحادة بما في ذلك سكاكين الطبخ.

قبض النورمان على الشيخ أبي الحسن الفرياني، أشهر علماء المدينة وأحد قيادات معركة الدفاع عنها، ونفي إلى صقلية، ليؤول الأمر إلى نجله عمر الفرياني في رعاية مصالح السكان وتنظيم خطة للمقاومة السرية.

خطة الملحمة

استقر الشيخ عمر الفرياني ووجهاء المدينة على مواجهة المحتل، وتم الاتفاق على صناعة السيوف والعتاد ببعض الأقبية السرية، عبر صهر كل المواد النحاسية والبرونزية والحديدية المتوفرة بالبيوت.

تطلبت الخطة إحصاء الذكور المؤهلين للقتال دون لفت انتباه الجنود النورمان إلى الأمر، فتم تكليف سقائي الماء خلال مرورهم على المنازل، بطلب حبات من الفول والحمص تساوي عدد الذكور والإناث البالغين بكل أسرة، وهو ما ممكن من تحديد عدد الشبان القادرين على حمل السلاح.

اعتمدت الخطة على استدراج العسكر النورماني إلى أسوار المدينة بعيدًا عن أزقتها الضيقة، من خلال تنظيم احتفال وهمي ديني ذي صبغة شعبية أطلق عليه  اسم “الحاجوجة”، ووجت الدعوة إلى عساكر النورمان وقياداتهم لمشاهدة الموكب عند باب الديوان أكبر أبواب المدينة العتيقة.

في الثالث عشر من شهر يناير 1156 اجتمع سكان المدينة للمشاركة في “احتفال الحاجوجة” بحسب الخطة، حيث توزع الشباب المسلحون سرًا عند الأسوار وساحة باب الديوان، وفرضوا طوقًا حول جنود النورمان، وسار الموكب الاحتفالي حتى سيطرت حالة الاسترخاء والامتلاء على الغزاة نتيجة إطنابهم في الطعام والشراب، ليعطى الأمر بالهجوم وإبادة كل جنود الغزاة.

بعد تحرير المدينة تداول الجميع في مصير عائلات النورمان وأبنائهم، ليستقر  الأمر على تطوع كل شخص قادر على إعالة أكثر من أسرة، بالزواج من أرملة نورمانية وكفالة أبنائها.

واجهت عملية التكفل بأطفال النورمان معضلة تتعلق بمنحهم ألقابًا جديدة ذات طبيعة إسلامية وعربية بحسب ما تقتضيه الأعراف، بسبب تحريم الإسلام مناداتهم بأسماء آبائهم الجدد بالكفالة، لتتفتق قريحة الشيخ عمر الفرياني عن فكرة ناجعة لحل مشكلة الألقاب المستحدثة.

طلب من كل طفل أن يختار غرضًا من مخزن المدينة بشكل عشوائي، ليكنى نسبه العائلي الجديد باسم ذلك الغرض أو الصفة المشتقة منه، وهكذا نشأت أسماء العائلات الجديدة والتي تدين بألقابها إلى أسطورة الحاجوجة وشجاعة وحكمة أهلها.