الجزائر والمغرب يتقاسمان أهمّ جوائز مهرجان الزرقاء للمونودراما
tunigate post cover
ثقافة

الجزائر والمغرب يتقاسمان أهمّ جوائز مهرجان الزرقاء للمونودراما

مهرجان الزرقاء للمونودراما في دورته التأسيسيّة يمنح جوائزه إلى الجزائر والمغرب ومصر وفلسطين
2023-08-18 21:13

عمّان – صابر بن عامر 

أُسدل الستار، مساء اليوم الجمعة 18 أوت، بمدينة الزرقاء (20 كلم عن العاصمة الأردنية عمّان)، عن فعاليّات النسخة الأولى من مهرجان الزرقاء للمونودراما، بتتويج المسرحيّة الجزائريّة “ميرا” بجائزتَي أفضل نصّ لهشام بوسهلة، وأفضل ممثّلة لسعاد جنّاتي، مُناصَفة مع المغربيّة صفية زنزوني عن مسرحيّة “فاتي أريان”.

وتحصّلت المسرحيّة ذاتها على جائزة أفضل إخراج، والتي تسلّمها مُخرجها مولاي الحسن الإدريسي، فيما ذهبت جائزة السينوغرافيا لعمرو عبد الله، عن مسرحيّة “فريدة” من مصر، وذهبت جائزة لجنة التحكيم الخاصّة لمونودراما “جبرا”، تمثيل خالد ماصو وإخراج إيميل سابا.

وتشكّلت لجنة التحكيم من الأردني عدنان مشاقبة رئيسا، وبعضويّة الأردني محمّد واصف والسورية أنّا عكّاش.

البطولة للمرأة

أتت المسرحيّة الجزائرية “ميرا” للممثّلة سعاد جنّاتي، عن نصّ وإخراج لهشام بوسهلة، بديكور بسيط لا يتعدّى الصندوق وبعض إكسسواراته من الدمى الصغيرة، لكنّها مُبهرة أداء وموسيقا وسينوغرافيا، وعميقة في رسالتها.

ويتحدّث العرض عن فتاة في مقتبل العمر اسمها “ميرا” يتيمة الوالدين، ربّتها إحدى قريباتها، تمتلك من البراءة ونقاء السريرة ما جعلها تمتهن بيع الدُّمى للأطفال، والتي تُحاكي شخصيّتها.

تجد الصبيّة نفسها وسط تداعيات المتغيّرات السياسيّة التي اجتاحت بلدها الجزائر، خلال العشريّة السوداء، في مهبّ ريح هذه المُتغيّرات اللاإنسانية.. تُغتصب، تُقتل جدّتها ويُنكّل بجميع أطفال قريتها، وهم في الحقيقة دُماها المضرّجة بالدماء.

شيفرات ورموز تحكي بطريقة السهل المُمتنع أهوالا ومِحنا لا يقدر على تحمّلها بشر، بأداء سلس ومتمكّن من سعاد جنّاتي، التي غنّت فأطربت، وقلّدت أصوات الحيوانات فأبدعت وأضحكت الجمهور أيضا، رغم قسوة الحكاية.

كما جسّدت بصوت يتغيّر وفق مُتطلّبات الشخصيات: الطفل ميمو، الجدة، العم العجاجبي، المحقّق، المتطرف، وحتى الضفدع والدجاجة والخنزير، فأتى تجسيدها مُتماسكا ومُتمكنّا، يشي بطاقة تمثيلية مُبهرة واشتغال إخراجي بسيط في الطرح لكنّه عميق المعنى والمبنى.

مونودراما “ميرا” ببساطة وفي كلمات، بقدر بساطتها -كما أسلفنا وشدّدنا- ديكورا وإكسسوارات ومُتمّمات ركحية ومؤثّرات بصرية وصوتية، أثبتت أن النصّ والممثّل والإخراج والسينوغرافيا ضرورة لا محيد عنها في المونودراما المسرحيّة، بعيدا عن الانتصار للحكاية دون غيرها.

أما مسرحية “فاتي أريان” المغربية فيُمكن أن نقول عنها إنّها كوميديا دي لارتي على الطريقة المغربية، وهي من تأليف محمد ماشتي، إخراج مولاي الحسن الإدريسي، وتشخيص صفية زنزوني، التي أتقنت بشكل احترافي مُبهر تقنيات مسرح كوميديا دي لارتي الإيطاليّة، في حركة الجسد والتعامل مع الأقنعة.

ونقل “فاتي أريان” للجمهور قصّة فطومة، وهي شابة قرويّة تعيش الاختناق وسط الجبال، في مكان يعتقد الكثيرون أنّه الأكثر صفاء ونقاء، فتنتقل وتتحرّر منه إلى المدينة، أملا في الانعتاق، لكنها تواجه الانكسارات وتعيش أحداثا هي وجه آخر لمجتمع مُغاير لقريتها.

والعمل إجمالا، قراءة فنّية في واقع المرأة في المجتمعات التي تعيش أصالة منغلقة مستبدّة ومعاصرة، مبنيّة على الاستهلاك واستغلال كلّ شيء، بما في ذلك جسد المرأة.

ومن ثمّة انطلقت صفية زنزوني تحكي قصة فطومة، التي تمسّكت بقصة حب وجعلت منه خيطها نحو الانعتاق من قيود البادية وتابوهاتها، وازدواجيّة سلوك أصحاب الأمر والنهي فيها ونفاقهم.

لكنّها تجد نفسها ضحيّة الاحتقار والاستغلال والتمسّك بحبّ وهمي، تتكرّر مآسيه باختلاف الأمكنة والأزمنة، لكنّ نهاياته واحدة في النهاية.

أمّا مسرحيّة “فريدة”، فهي مونودراما مصريّة مُقتبسة عن أغنية “النهاية” لأنطوان تشيخوف، تُلخّص حياة نجمة وانحسار الأضواء عنها، وهي من بطولة عايدة فهمي، عن نصّ وإخراج لأكرم مصطفى، وإنتاج فرقة مسرح الطليعة، بالبيت الفنّي للمسرح.

وفي العرض، تتمكّن عايدة فهمي عبر شخصيّة فريدة حلمي أن تأخذ الجمهور في رحلة عبر الزمن ما بين الماضي والحاضر، ببساطة ويسر في قالب تشويقي اجتماعي، لتسرد قصّة ممثّلة مُسنّة معتزلة، تجد نفسها وحيدة على خشبة أحد المسارح التي واكبت مجدها، وبفعل الخمر تسرد قصّتها ومدى عشقها لأبي الفنون.

وفي نحو ساعة من الزمن، تُحاول فريدة-الممثلة، أن تُبرز جوانب خفيّة من حياتها، عبر السرد حينا، ومُحادثة إحدى صديقاتها هاتفيّا في أحيان أخرى، أو عبر التداعي الحرّ في مواقع أخرى.

تتحدّث وتُجسّد بعضا من الشخصيات التي أدّتها وهي في عزّ نجوميتها، كما تسرد بعضا من المحطّات الناجحة في مسيرتها الفنّية، أو التي أدّت إلى فشلها.

الممثّلة عايدة فهمي، تمكّنت -بسلاسة وحرفيّة- من الانتقال من شخصيّة إلى أخرى، ومن زمن حاضر هي عجوز فيه، إلى زمن ماضٍ هي الجميلة التي كانت.

نجمة يُحبّها كلّ من حولها بمجرّد أن يراها، ومع ذلك تدخل في صراعات مستمرّة مع من حولها، وذاتها، ولو أنّها تعشق ذاتها التي كانت، وتودّ لها أن تستمرّ، لكن للعمر أحكامه، ولانحسار الأضواء في عالم الفنّ طقسه وقسوته.

بين جبرا والمصو

غير بعيد عن الاقتباس، أتى العرض الفلسطيني “جبرا”، مُقتبَسا من رواية “البئر الأولى” لجبرا إبراهيم جبرا، وهو من إخراج إميل سابا، وتمثيل خالد المصو، وإنتاج “مسرح عناد”، بدعم من وزارة الثقافة الفلسطينيّة.

وتُحاكي المونودراما طفولة جبرا في بيت لحم في عشرينات القرن الماضي، وتعكس واقع الحياة في المدينة المقدّسة، والصعوبات التي واجهها جبرا الطفل حتى التحق بالمدرسة، قبل أن يُصبح واحدا من أبرز الروائيّين العرب وأكثرهم شُهرة.

وفي تجسيده لشخصية جبرا، يأخذ خالد المصو المُشاهد إلى أزقّة مدينة بيت لحم وبيوتها القديمة، ساردا عبر الحكاية المُمسرحة -ليس عرضا حكواتيا- أدقّ التفاصيل في حياة الأديب والرسّام الفلسطيني الراحل جبرا إبراهيم جبرا.

يُواكب المصو في عرضه المونودرامي الشيّق سينوغرافيا، وديكورا، وموسيقا، وأداء، تطوّر وعي وفكر وعاطفة جبرا الطفل، ناقلا الحضور معه بين شخصيّات من العائلة وخارجها، كوالدته ووالده وجدّته وطبيب القرية وغيرهم.. شخصيات شكّلت فارقا كبيرا في حياته، مُجسّدا ببراعة كبيرة دون بهرجة زائفة أو مُبالَغ فيها، عبر إكسسوارات مسرحيّة بسيطة، أزقّة عاش وركض ولعب فيها جبرا-الشخصية-الحكاية- بين مدينتَي بيت لحم والقدس.. الأمر الذي يجعل المسرحية سيرة للإنسان، ممثّلا في جبرا إبراهيم جبرا ومن جايلهم، وللمكان أيضا ممثّلا في بيت لحم، مسقط رأس الروائي الراحل.

ويُعرّج العمل دون غوغائيّات أو بكائيّات على التحدّيات، والفقر، وصعوبات العيش وضنكه، وما على الإنسان عامّة -في شخص جبرا نموذجا- خوضه في حياته للوصول إلى مرحلة الإبداع والتحقّق.

في العمل المسرحي وصف، بل تجسيد للبيوت والأشجار والوديان والتلال، والأمطار والوجوه والأصوات، وهو تأريخ أيضا لاكتشاف جبرا للقيم والأخلاق، الجمال والقبح، السعادة والتعاسة، الحبّ والكره، والأنانيّة ونكران الذات، وكلّ ما يُمكن أن يكتشفه طفل غضّ من ثنائيّات في عالمه الصغير، لكنه كبير ومليء بالتناقضات والمفاجآت غير السارّة.

ولعلّ أبرز هذه المفاجآت المُكبّلة لفرح طفل يافع، أنه أُهدي ذات مناسبة دينية حذاء، جزاء اجتهاده، ليلبسه يوم العيد، وهو السعيد بهديّته المستحقّة، لكنّ العوز والخصاصة جعلت أمّه تبيع الحذاء لتُطعم العائلة يوم العيد.. وكأنّها تأكل من لحمه الحيّ، مشهد أتقن المصو تجسيده بين صوتين، قرع أجراس الكنائس ورفع أذان المساجد في بيت لحم، التعايش بين الأديان.

وفي ختام المسرحية يوجّه المصو رسالة، مفادها أن جبرا كان حالما بالعودة إلى فلسطين، إلّا أنّ حلم العودة لم يتحقّق، فيقول الممثل: “جبرا لم يعُد.. لكن ترك لنا وصيّة تُلزمنا جميعا بالعودة إلى فلسطين إن آجلا أو عاجلا”.

وتنافس على جوائز الدورة الأولى للمهرجان، الأردن البلد المنظّم عبر مسرحية “قبل الشمس” من تمثيل وإخراج حسن درويش، الجزائر عبر مسرحية “ميرا” من تأليف وإخراج هشام بوسهلة وتمثيل سعاد جنّاتي، مصر من خلال مسرحية “فريدة” من تأليف وإخراج أكرم مصطفى وتمثيل عايدة فهمي.

بالإضافة إلى فلسطين عبر مسرحية “جبرا” من إعداد وتمثيل خالد المصو، وإخراج إميل سابا، والبحرين عبر مسرحية “شرخ” من إخراج محمد الحجيري وتمثيل إلهام علوي، وسلطنة عُمان عبر مسرحية “صانع الفزاعات” من إخراج عبد الملك الغداني وتمثيل عيسى الصبحي، وليبيا من خلال مسرحية “حكاية طرابلسية” من إخراج جمال عبد الناصر وتمثيل خدّوجة صبري، والمغرب عبر مسرحية “فاتي أريان” من إخراج مولاي الحسن الغدريسي وتمثيل صفية زنزوني، والعراق من خلال مسرحية “جوكر” من إخراج حسين علي صالح وتمثيل طه المشهداني.

وكانت المسرحيّة التونسية “دون سكن قار” عن نص وإخراج وتمثيل وحيدة الدريدي، افتتحت فعاليّات المهرجان في دورته التأسيسيّة التي امتدّت من العاشر وحتى الثامن عشر من أوت 2023.

الأردن#
مسرح#
مهرجان_الزرقاء_للمونودراما#

عناوين أخرى