لعلّ ما ميّز الثورة التونسيّة أيضا برأي عزمي بشارة وأمّن قدرتها على الاستمرار، أنّها لم توكل أمرها إلى قائد، ولم تطرح نظريّة ثوريّة على مناضليها، ولم تستجر بحزب أو مؤسسة للاحتماء بها، ولم تناشد قوى إقليمية أو دوليّة لإسنادها
فوزي الصدقاوي
الوقوف عند تحولات الثورة التونسية منذ لحظة انطلاق الاحتجاجات إلى حين اكتسبت هويّتها، كان أكثر ما اهتم به عزمي بشارة من تجربة الثورة التونسيّة(1)، فقد كان هذا الاهتمام يرتبط برغبته في إعادة تشكيل مسار الثورة وفهم سياقاتها ومحطاتها ومنطق صيرورتها الداخليّة، وهو ما استدعى الحاجة إلى التوسّل بالعلوم الاجتماعية لكونها علوما تـتعامل مع وقائع متشكلة تاريخيا، لاسيما أنّ عفويّة الثورة التونسيّة كانت بدورها تجربة تاريخية تلحّ على ضرورة فهمها ضمن مقاربة منهجيّة ومعرفيّة اصطلح على تسميّتها اليوم بـ”التاريخ الراهن” (Histoire Immediate) لكونها تطرح أسئلة السياقات، وتحفر في الذاكرة وترافق حياة الناس اليومية (la vie Quotidienne)، خلال الأحداث، من أجل أن تفهم، ليس فقط ماذا حدث؟ وكيف حدث؟ بل أيضا بماذا اتّسم هذا الحدث وتميّز ؟ وأيّ معنى جديد يمكن لنا أن نَـعِيَه مما حدث ويحدث؟
أهم الأخبار الآن:
يعتبر عزمي بشارة أنّه في ظلّ نظام بوليس كمنظومة حكم ابن عليّ، يستعين العقل الأمني للنظام لفهم أيّ احتجاج محتمل ومفاجئ يخرق “الهدوء” و”الاستقرار” المعتادين، بما له من ثقة في تمرّسه الطويل على “حسن” الإدارة والسيطرة، وبما رسّخ لديه من اعتقاد أنّ أجهزته المتمرّسة على كبح جماح أيّ توتر، عبر المحاصرة الميدانية والرهان على “مشاعر الخوف” التي أسكنها نفوس الناس، والتعتيم على الاحتجاجات إعلاميا. لكنّ هذا العقل الأمني، لكونه منفصما عن الواقع ، يتعذّر عليه أن يفهم أنّ تلك بدايات لشيء ما، قد لا تتوقّف عند حدّ، وربما يتخطّى ما يمكن لعقل النظام الأمني أن يتوقع حدوده.
وتتأتّى، برأي عزمي بشارة، مفاجأة النظام من بالاحتجاجات، من وهم الاعتقاد أنّ “الهدوء” حالة قائمة في الواقع فعلا، وأنّ الاستقرار حالة ثابتة، وهي عند النظام دليل على كفاءة أجهزة الادارة والسيطرة، فتشخيص النظام للواقع يفيده أنّ المنظمات المجتمعيّة الكبرى التاريخية (المنظمة الشغيلة، منظمة الأعراف، منظمة الفلاحين، الاتحاد النسائي، المنظمة الكشافة،) لن تتخلى عنه، وأنّها متمسّكة بتحالفها معه، وأنّ الجمعيات الحقوقيّة محاصرة وتحت رقابته، وقدرات تأثيرها محدودة لضيق مجال حركتها، ولطبيعتها النخبويّة، وأنّ النخب الجامعيّة، كما يتوقّع، إمّا منخرطة في مشروعه “الحداثي”، وإما في معظمها مستقيلة، وأنّ الخوف الذي راكمه في نفوس الناس من الطبقات الشعبيّة، كفيل بأن يحبس أنفاسها ويشّل حركتها.
أما الاحتجاجات، فيقدّر بشارة أنّ عفويّتها كانت عنصر قوّتها، حين وضعت الأجهزة في حالة عدم اليقين، بسبب غياب قيادة واضحة وبسبب غياب التخطيط بصورة واضحة للّحظة التالية، فكان ذلك يزيد في تكثّيف “الضباب” حولها، ما جعل تنسيق المحتجين مع رفاقهم في المناطق المجاورة أمرا يتم بسلاسة، وبعيدا عن أعين الوُشاة الذين إمّا لما أصابهم من عمى الضباب، أو لأنّهم تخلّوا عن أدوارهم تضامنا مع أبناء جهتهم. وقد ساهم ذلك في تطوّر الأحداث وتوسّع دائرة الاحتجاج، وتغذية القابلية لدى أبناء المناطق البعيدة نسبيا، والانخراط بدورهم في احتجاجات تضامنيّة لأبناء وطنهم.
فحين تتنطلق “الثورة”، ولم تكن مع بداياتها قد اكتسبت بعد ملامحها الواضحة، كان كلّ شيء يُسهم في تغذيتها، (العنف ودعوات التهدئة وإعلان النوايا باستجابة السلطة للمطالب المرفوعة…)، لكنّ أكثر ما كان يغذّي هذه الاحتجاجات -حسب عزمي بشارة- هو خطاب التصعيد والتبخيس والتخوين والوصم، الذي يصدر عن رأس السلطة وعن منابرها الإعلامية وما يُرافقه من أفعال القمع ميدانيا، وحين لَانَ خطاب السلطة معبّرا عن “تفهّمه” كانت الاحتجاجات التي تحوّلت إلى حالة ثوريّة شعبيّة وممتدة، تتغذّى أيضا من ضعفه وخوائه، وتتشجّـع على الاستمرار و”التنظم العفوي”.
لقد بلغ الوعيّ بالفاعلين أنّ ثورة شعبيّة ممكنة قادرة على أن تتشكّل، يمثّل فيها، الشباب المعطّل عن العمل، والفئات الشعبية الهشّة، والنساء، وقودها وقاعدتها الأساسيّة العريضة، وجميعهم من غير تمييز اجتماعي أو أيديولوجي أو جهوي، منخرطون في ما بات يُرى على أنّه يمكن أنّ يكون مشروعا لـ”إسقاط النظام”.
كان العنف الرسمي في مواجهة الاحتجاجات المتناميّة في جنوب البلاد، قد استنهض الأحزاب المعارضة القانونيّة والأحزاب غير القانونيّة الناشطة في “السريّة”، فالحركة الاحتجاجيّة منذ البدايات كانت نشأت وتنامت ونظّمت نفسها خارج إطار تلك الاحزاب، فهي عفويّة، ولكن التوجّس من أنّ ارتباطها بالأحزاب، كان السبب الأقوى في العمل من خارجها، إذ كان يُخشى من أن يُشوّش على طبيعتها الاجتماعيّة ويورّطها في زاويّة “السياسي” التي لم تكن زاوية مريحة من الناحيّة الأمنيّة والحركيّة.
بيد أنّ تلك الأحزاب، كما يلاحظ بشارة، كانت قد شرعت في مدّ جسور التواصل مع قواعدها في مناطق الاحتجاجات، التي انخرط قسم منها مبكرا في هذا الحراك متجاوزا أحزابها. أمّا المنظمة الشغيلة في مستوى مركزيّتها، فقد كانت مكبّلة بما عقدته من تحالف قديم مع السلطة، وظلت تراقب مجريات الأحداث، بينما قواعدها المحليّة ظلت منغمسة في قلب الأحداث تنسّق وتوجّـه، بأقدار متناسبة مع ما يمليه تطوّر الاحتجاجات.
ومن مميّزات هذه الثورة أيضا، أنّه في الوقت الذي كانت أجهزة البوليس، تواصل نهجها القمعي العنيف بصورة مفرطة، شكّل حياد الجيش دورا مهما وحاسما، في مساعدة الاحتجاجات على الاستمرار والتمدّد، وهو موقف لم يكن فقط يجعل الاحتجاجات في وضع أقلّ صعوبة، بل كان أيضا يصنع فرزا بين “شعب يريد” ونظام أوشك على أن يفقد كل وسائل الإقناع بجدارة بقائه في الحكم.
ورغم اتساع رقعتها، وعفويّتها، ورغم ما واجهته مدن الثورة من عنف بوليسي، ورغم سقوط ضحايا بصورة يوميّة، بين قتلى وجرحى، فقد ظلت الاحتجاجات تحافظ على سلميّتها، وتتمسّك بـ”لا عنفيّتها”، وهو ما جلب لها مزيدا من التعاطف والتضامن من بين فئات وطبقات اجتماعية جديدة، وشجّـع مؤسسة الجيش على البقاء على الحياد والالتزام بدورها (وللجيش مع أحداث الحوض المنجمي سنة 2008 تجربة ليست بعيدة، وهو باعتبار الانتماء والتجربة يفهم جيّدا دوره ويلتزم به). فقد كان اللاعنف سمة الثورة، وسمة سلوك الثوّار، إلى اللحظة الأخيرة.
وكان من شأن هذا السلوك أيضا أن يحفّز الجيش، في ذروة التنازع، على لزوم ما يلزم من حياد بين الشعب والنظام.
كانت حركة الاحتجاج وهي تتمدّد يوما بعد يوم، تنسّق جهود مناضليها وتنظّم وتوجّه وتعبّء ساحات الغضب، وتؤمّن انبعاث شررها، واستمرار اتقاد جذوتها، فأحسنت استعمال وتوظيف بكثافة وسائل الاتصال البديلة، بين الشباب، وهي من المميّزات الجديرة بأن تسجّل للثورة، ما ساعدها على كسر حالة الحصار واختراق التعتيم على الأحداث من قبل ماكنة الإعلام الرسمي، فجعلت من الصورة ومقاطع الفيديو خطابها، وسلاحا أستراتيجيا في مواجهة منظومة الاستبداد وترسانتها، واستعاضت عن البيانات والنشرات المكتوبة، لنقل الأخبار، حية ودقيقة وفي أزمانها الحقيقية، بالوسائط الاجتماعية البديلة والوسائل التواصليّة الإعلامية الافتراضية.
فيما وضعت المعارضة السياسية مناضليها ووسائل عملها واتصالاتها وشبكة علاقاتها الوطنيّة والدوليّة للترويج لما يجري والتعريف بفظاعات آلة القمع الغاشمة، ما حوّل الأحداث الجارية في المناطق الداخليّة النائية بالبلاد التونسية، إلى حدث يلفت انتباه الرأي العام الوطني، وجعل منها مادة إعلاميّة تشدّ اهتمام الرأي العام العربي والعالمي.
ولعلّ ما ميّز الثورة التونسيّة أيضا برأي عزمي بشارة وأمّن قدرتها على الاستمرار، أنّها لم توكل أمرها إلى قائد، ولم تطرح نظريّة ثوريّة على مناضليها، ولم تستجر بحزب أو مؤسسة للاحتماء بها، ولم تناشد قوى إقليمية أو دوليّة لإسنادها، وظلت تعبّء وتحتجّ وتصمد ولا تتفاوض، ولعل “غياب القائد” وغياب “الحزب القائد للثورة” قد فوّت على السلطة فرصة جرّ الاحتجاجات إلى طاولات وغرف المفاوضات، التي عادة ما يتم بها تصفيّة الأزمات والاحتجاجات واحتوائها، وشلّ حركتها وتعطيل مسارها الثوري وإفراغها من مضامينها الاجتماعي والسياسي القصوى.
وقد كان هذا الخيار يعبّر عن ذكاء حركة الاحتجاج في الإبقاء على حالة الضباب كثيفا إلى أن يشتد عودها وتنضج الثورة، كما كانت القوى المجتمعيّة المدنية والسياسية منتبهة إلى اللحظة المناسبة، لتنخرط ومناضلوها بكثافة، وهي برصيد خبرتها النضالي ضد سلطة الاستبداد، منتبهة إلى ضرورة حرمان السلطة من اتهام الاحتجاجات بموالاتها لجهة سياسية أو قوى خارجيّة. لاسيما أنّ قدرا من الإجماع الوطني قد تشكّل لدى التونسيين ضد النظام برمّته من خلال حركة 18 أكتوبر 2008، وما راكمته من زخم نضالي، ومن وعي سياسي كان في حينها القاسم النضالي الوطني مشترك الأدنى لمواجهة سلطة الاستبداد.
لقد كانت الثورة التونسية بعفويّتها تستند إلى تجربة نضال تاريخي للتونسيين، وتتمترس خلف ثقافة سياسية وطنيّة خصبة راكمتها خلال تجربة نضاليّة طويلة، وتشكّلت لدى التونسيين عبر كفاحهم التاريخي ضد الاستعمار وعقود من النضال في مواجهة أنظمة الاستبداد. وقد بدا ذلك واضحا، منذ بداية الاحتجاجات، حين كانت “الثورة” تنحت خطابا سلميا، وعقلانيا، متّزنا لمطالبها الاجتماعيّة، (الشغل استحقاق… يا عِـصابة السرّق)، وهو خطاب “معتدلٌ” في شعاراته الحقوقيّة والمواطنيّة، مع ما يبدو من “راديكاليّة” بالنظر إلى الأفق السياسي الذي يفتح عليه: (حريات..حريات.. لا رئاسة مدى الحياة)، وهو أيضا خطابٌ لا يُخفي، حين يرفع أهازيج فلسطينية وشعارات تحرير فلسطين، هويّته العربيّة ولا أولويات عروبته.
كانت الثورة وهي ترفع شعاراتها العفويّة تلك، مع بداية الاحتجاجات : (الشعب يريد..)، تتصرّف على أنّها “مشروع ثورة” مأمولة، وكلّما أمكنها أن تمتد شعبيا، دخلت “الثورة”، دائرة الإمكان الواقعي حتى إذا انخرطت القوى الوطنيّة السياسية والمجتمعيّة في حراكها، صارت “الثورة” في منطقة الإمكان السياسي، ولم يبق ليتحقّق هذا الإمكان، إلّا بأن يُـغيّر الشعب رأس النظام، وهذا يعني أيضا أنّ العفويّة التي صنعت الاحتجاجات، كانت تستبطن وعيا بأنّ تغيير النظام بات يجب أن يكون حلّا نهائيا، وأنّه لابد من “إسقاط النظام” لتستمر حياة التونسيين على نحو ما يريدون، وهو يعني أيضا أنّه “إذا الشعب أرد الحياة”، فلابد أن يطلبها لسيادته الحقّة لا لنظام غاشم، وأنّ النظام القائم الذي غصب الحريات عليه أن يواجه الإدانة لأنّه غصب مع الحريات “سيادة” شعب بات يريد، ولم يعد أمام النظام إلّا أن يتنحّى و”يستجيب”، فقد كانت روح الثورة التي ظلت كامنة في نفوس أبنائها، تنشأ من رحم إرادة أناس قرروا جميعا، أو “ما يُقارب الجميع”، “الخروج” في احتجاجاتهم، بوصفهم “شعبا يريد”، ولكونهم مواطنين لا رعايا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) عزمي بشارة : الثورة التونسية المجيدة، بنية ثورة وصيرورتها من خلال يومياتها، مركز الأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، ط 1، 2012، ص496.


أضف تعليقا