الثورة التونسية وأولى قِـطـافُـها في تقييم د. عزمي بشارة

أثمر الخطاب الاحتجاجي، بجملته السياسية، وفي ظلّ الزخم العفوي للثورة قرارات عديدة أصدرتها الحكومة المؤقتة في جلستها الأولى بعد سقوط بن علي

فوزي الصدقاوي

ما استخلصه عزمي بشارة من خلال مناقشة قضايا تدور رحاها حول  نظريات التحوّل الديمقراطي(1)، هو أن تونس بما توفّرت عليه من مميّزات، مُجتَمَعاً ودولة، مرشـّـحة إلى أن تــنجز التحوّل الديمقراطي، على نحو أسبق مما يمكن أن تفعله غيرها من الدول العربيّة، وهو يرى أنّ التغيير المطلوب في عموم  العالم العربي، هو مشروع، محمول على الديمقراطيين العرب، الاضطلاع بإنجازه في بلدانهم.

لكن النخبة السياسية الحاكمة، ظلت تؤجّل إجراء ما يتعيّن من إصلاحات ضرورية في هذا المسار، فكان ذلك سببا في إحباط أجيال متعاقبة من المثقفين والمتعلمين والنخب العالمة، فضلا عن إهدار الوقت والجهد، بينما كان طيف آخر من المجتمع يستفيد من ذلك الإرجاء ليتمترس داخل المؤسسات الرسميّة ويحصّن نفسه ويُرسّخ نفوذه في معاقل الفساد.

لكن ما الذي ميّز المجال التونسي وما الذي جعل منه بيئة سياسية مساعدة على أن تَــبلغ الثورة التونسية نضجها…؟

اكتسبت جغرافيا تونس المتميّزة وموقعها بشمال إفريقيا ومن المتوسط، هويّة جيوسياسية خاصة، أمّا حدودها السياسية فهي حدود قديمة سابقة عن الاستعمار الفرنسي، فيما يتميّز سكّـانها بتجانس أصولهم القوميّة وبوحدة انتمائهم الديني والمذهبي، الأمر الذي تشكلت في ظله هويّة جماعة وطنيّة واحدة، تبلورت تحت رايتها وحدة شعب زادها رسوخاً ما بلورته حركة التحرر الوطني ضد الاستعمار.

كما تميّز المجتمع التونسي أيضا بطبقة وسطى ممتدة حصلت على درجة متقدمة من التعليم، وراكمت أعدادا من حاملي الشهادات العليا، وكان لنخبها والطبقة العاملة والفئات المحرومة على حدٍ سواء، نضالات وأعمال احتجاجية، طوال العقود الستة المتعاقبة.

أمّا النخبة الحاكمة، فإنّها ظلت تدعم النظم السلطوية، وتحمي بنيتها التعسّفية وتبرر سلوكها الاستبدادي، طوال كلّ تلك المراحل، بتعلّة أن الديمقراطيّة، ستأتي لا محالة بقوى أصولية غير ديمقراطيّة، أو ربما معادية للديمقراطيّة.

وأن تأجيل إجراء الاصلاحات ، كما تعتقد هذه النخبة، كان يحتاج إلى “تطهير الساحة السياسية” من القوى الأصوليّة، ومن احتمال صعودها، حتى وإن اقتضى الأمر “استئصالها” و”تجفيف ينابيعــ”ـها الايديولوجية.

اعتبر عزمي بشارة في : كتابه، المجتمع المدني (منذ عام1997)، : أن السياسة هي مسألة نظام الحكم، وليست فقط، تدوير الزوايا، والبحث عن التسويات. ففي عام 2007 دعى بشارة، السياسيين والمثقفين وقوى التغيير السياسي، إلى المبادرة بطرح برنامج سياسي وديمقراطي ضد النظام ومثقفيه، لأن تونس برأيه ودول أخرى عربيّة حينها، كانت جاهزة فعلاً للتحوّل الديمقراطيّ.

وكان يـُـنظر إلى استقرار الأوضاع في تونس على أنّه مهم لأوروبا، خاصة بعد الصراع المسلّح التي شهدته الجزائر، أوشك على أن يتجاوز حدوده نحو الغرب. بوصفه ضرورة استراتيجية للغرب ولأوروبا شمال المتوسط بالخصوص.

قد يكون من المناسب، في سياق ما شهدته الثورة التونسية من محطات، منذ شرارتها الأولى إلى سقوط النظام، طرح السؤال التالي : من أين يمكن أن نحدد بداية الثورة ؟ ومع أهميّة السؤال إلا أنّ ذلك لا يعني، أن تحديد لحظة البداية هو أمرٌ حاسمٌ لما ستؤول إليه النهايّة ؟ لأن تطوّر الشارع الاحتجاجي كماً، ونضجه وعياً، نحو الثورة، يستوجب أن يرتبط بالحالة الاجتماعيّة الشعبية وما تكون عليه من جاهزيّة لتلقي رسائلها، وقراءة “إحداثياتها” والبناء عليهما، لإحداث اختراقات جديدة، وأنّ هذه الجاهزيّة يجب أن تتميّز بـ”القابليّة للثورة”، بوصفها مكوّنا أساسيا “للحالة الثوريّة”.

وإذا كانت “ثورة 14 جانفي”، قد مُنحت اسماً نسبة إلى تاريخ سقوط رأس النظام، فإنّ هذه التسميّة، يبدو كما لو أنّها تصدر عن عقل نخبة المركز/ العاصمة، ولا ترى نشأتها في الأطراف/الدواخل.

ومع أنّ مبررات إطلاق هذه التسميّة، تبدو منطقيّة باعتبار أن الثورة هي نتيجة بلغتها الاحتجاجات بالمراكمة في الزمن، فإنّها تبدو أيضا تسميّة غير موضوعيّة، حين تغفل عن البدايات التي بادرت وصمدت ليتحقق الاختراق، وضحّت إلى أن تحوّل المشهد العام بصورة لا رجعة فيها. لذلك فإن تسميّة “ثورة 14 جانفي2011″، بما تحمله من رمزية النهاية، يجب أن تـصطحب معها، وتضاف إليها رمزيّة البداية ” 17 ديسمبر 2010″، حتى تعكس إقراراً يتضمن اعترافاً بتضحيات أبناء المناطق الداخليّة (مدن الأطراف)، الذين أوقدوا الشرارات الأولى ودشّنوا البدايات الصعبة.

لقد صدرت الثورة عن حركة عفويّة، واتسق في مسارها الاحتجاجي قدر من التنظيم، لكن لم يكن إنجاز ثورة تقلب نظام الحكم في تونس، هدفاً مخطط له. وهذا ما يمكن فهمه من معنى العفوية، حتى بخصوص الثورات الكبرى في التاريخ، وخصوصا الثورة الفرنسية سنة 1789، التي أصبحت لاحقاً نموذجاً ومرجعاً، للثورة في مفهومها الحديث. فلم يكن لها مخطط توجيهي تهتدي به سلفا. إذ بدأت بحركة احتجاجية ترفع مطالب محدّدة، ثمّ تحوّلت إلى ثورة غيّرت نظام الحكم الملكي.

وفي حالة تونس، تلقّف الناشطون السياسيّون إضرام محمد البوعزيزي في نفسه النار، بردّ منظّم سرعان ما تحوّل إلى انتفاضة، نسّـقت جهودها مع المناطق الداخليّة، حتى لا يتم عزلها ومحاصرتها، وكانت النواة الناشطة مكوّنة من شباب مسيّس وغير مسيّس، ومن سياسيين حزبيين وغير حزبيين، ولم يكونوا من القياديين أو الشخصيات المشهورة، إلى أن انضمت النقابات والمنظمات الحقوقية الجهوية والناشطون من قوى سياسية متعددة واضطرت قيادات المؤسسات النقابية والحزبية إلى الانضمام إلى قواعدها والالتحاق بجماهيرها في المناطق النشطة.

كانت الثورة في بدايتها تتحرك في مظاهراتها واعتصاماتها وتحقق إنجازاتها، من دون قيادة مركزيّة، ولم تنضم إليها الأحزاب السياسية إلا لاحقاً، ولم يكن ذلك منها انتهازيّة، في رأي عزمي بشارة، فهي تراهن على عفويّة هذه المظاهرات ومفعولها الإيجابي وما يُــمكن أن تجنيه هذه الانتفاضة، من مكاسب في مسار الأحداث وتطوّرها، وكانت الأحزاب تتمهل الظهور وتتحسب من أي انتكاسة، وترغب في أن يكون توقيت خروجها العلني مناسباً ومطلوباً، من أبناء الثورة، للاضطلاع بأدوار المرحلة الجديدة، تحت عنوان التأسيس.

والواقع أن الأحزاب لم تكن غائبة عن الاحتجاجات، فكثير من نشطائها ومناضليها حاضرون في شوارع الغضب ومن خلال المنظمات النقابية والحقوقيّة، لذلك كانت الجملة السياسية التي يُرددها التونسيون في خطابهم الاحتجاجي، تعكس مستوى خصوبة تجربتهم السياسية وثرائها ومخزونهم النضالي وذاكرتهم الجماعية في منازعة الاستبداد.

وقد أثمر هذا الخطاب الاحتجاجي، بجملته السياسية، وفي ظلّ الزخم العفوي للثورة قرارات عديدة أصدرتها الحكومة المؤقتة في جلستها الأولى بعد سقوط بن علي وصادقت عليها في جلسة 19 جانفي 2011، حيث أعلنت عن العفو العام عن السجناء السياسيين والاعتراف بالأحزاب المحظورة، وفصل الدولة عن الأحزاب السياسية، ومصادرة ممتلكات حزب التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم سابقا وحلّت لاحقا وَصفّت ممتلكاته وأمواله).

لقد دفع الشارع الثوري بعفويّته الحكومة المؤقتة إلى اتخاذ قرارات كان اتخاذها في بعض الدول يحتاج إلى عهود طويلة، من النضال ومكابدة الاستبداد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

– عزمي بشارة : الثورة التونسية المجيدة،بنية ثورة وصيرورتها من خلال يومياتها، مركز الأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، الطبعة الأولى، 2012،  496 ص.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *