الثمن الباهظ لمقامرة ترامب في إيران!!

محمد بشير ساسي
كان المفترض أن يتّضح مسار الحرب التي أشعلتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية سواء في دوافعها أو الاتجاهات الرئيسة لوقائعها أو ما يسعى قادة الحرب إلى تحقيقه منها، لكن بعد تجاوز أكبر عملية عسكرية في المنطقة منذ غزو العراق عام 2003 أسبوعها الثاني، دخل العدوان على إيران مرحلة حرجة من “الغموض الإستراتيجي”، حيث تضاربت الإشارات الصادرة من واشنطن وحليفتها تل أبيب حول السقف الزمني والأهداف النهائية للعمليات العسكرية..
نظام متماسك
وسط كل هذه المؤشرات سيطر “التناقض” على التصريحات خاصة الصادرة عن البيت الأبيض في ظل عدم اليقين المسيطر على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي بات يواجه وضعا معقدا ما يجعل إعلان “سردية نصره” في هذه المرحلة غير واقعي، بل ومشكوك فيه بالنظر إلى وقائع الأرض التي تشير إلى تورّطه بعناده في وحل عسكري باهظ الثمن إقليميا ودوليا، في وقت عجز فيه عن إسقاط “نظام إيراني” حافظ على تماسكه رغم تلقّيه ضربات موجعة وقوية.
وفي هذا الإطار سلّطت مجلة “ذا أتلانتك” الضوء على النتائج العكسية التي أحدثتها الحرب الأمريكية الإسرائيلية في إيران، فبدلا من أن تؤدي إلى إضعاف النظام، ساعدت في تماسكه، بل أفرزت مرشدا أكثر تشددا في مواقفه.
وقالت المجلة في تقرير لها إن الرئيس ترامب كان يأمل أن يؤدي القضاء على المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، إلى ظهور شخصية إيرانية شبيهة بديلسي رودريغيز (نائبة الرئيس الفنزويلي)، أي شخصية براغماتية من الداخل تستسلم للضغوط الأمريكية، لكنه بدلا من ذلك، ظهر كيم جونغ أون (رئيس كوريا الشمالية) الإيراني.
وأضافت المجلة أنه “يُحيط بمجتبى رجالٌ أشداء، من بينهم شخصيات مثل حسين طائب، الرئيس السابق لجهاز المخابرات التابع للحرس الثوري، ومحمد باقر قاليباف، القائد السابق في الحرس الثوري ورئيس البرلمان الحالي، وحسين فدائي، الذراع التنفيذي الرئيسي للزعيم الراحل علي خامنئي”.
ورأت “ذا أتلانتك” أنه في ظل الأزمة التي تعيشها البلاد، سيحتاج مجتبى إلى الاعتماد على علي لاريجاني (أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني) لما يتمتع به من خبرة في السياسة الداخلية والخارجية. ويُعد لاريجاني أحد الموالين القلائل المتبقين للنظام ممن يملكون خبرة واسعة في المجالين الداخلي والدولي.

صلابة مجتبى

على صعيد التصريحات رسم المرشد الجديد في أول بيان له منذ توليه المنصب ملامح المرحلة المقبلة، ومن أبرز الإشارات التي حملها وفق مراقبين هي وضع الداخل في صدارة الأولويات بوصفه ساحة منع التفكك وإجهاض “الانقسامات العرقية والمذهبية” وفي الوقت نفسه يرفع سقف المواجهة خارج الحدود عبر إشارات صريحة إلى مضيق هرمز، وإلى توسيع العمليات نحو ما سماه “المناطق الرخوة” للقوات الأمريكية، مع إبقاء صلة الجمهورية الإسلامية بـ”محور المقاومة” في قلب المعادلة، وهو ما يُقرأ في طهران ليس فقط باعتباره توجيها عسكريا وإنما أيضا موقفا ذا بعد ديني وسياسي.
وبين رسائل التطمين لدول الجوار بأن إيران “لا تستهدفها” ورسائل التحذير بأن القواعد الأمريكية على أراضيها قد تكون ضمن بنك الأهداف، تلمح “الكلمة الأولى” إلى توازن مقصود بين الصلابة الإستراتيجية والبراغماتية السياسية، لكن تحت قاعدة واحدة لا لبس فيها، وهي القرار النهائي في إدارة الحرب والدولة سيكون من مكتب المرشد باعتباره المرجع الأعلى والقائد العام للقوات المسلحة.
إلى جانب الرسوخ الأمني للنظام الإيراني، ثمة نسيج ثقافي وعقائدي متشعب يستند إليه، حيث تمازجت الثورة مع مفاهيم الهوية القومية والكرامة الإسلامية والعداء للغرب، لتشكل ما يمكن تسميته “بالإيمان السيادي”، وهو إيمان يُحاكي المفهوم الغربي للعقد الاجتماعي، لكن بصيغة دينية ومذهبية خاصة وفريدة.
لا تُختزل الدولة الإيرانية في كونها مؤسسة حكم، بل يُنظر إليها بوصفها ممثلا لهوية حضارية ومذهبية محفوفة بالتهديدات. وقد استثمر النظام، على مدى أكثر من أربعة عقود، في سردية تتجاوز الأشخاص والسياسات، لتؤسس قناعة مفادها أن أي تهديد للنظام إنما هو تهديد للكرامة الوطنية والإرث الشيعي في قلب الشرق الأوسط.
وتلك ليست مبالغة دعائية، بل واقع مُكرَّس في الإعلام والمناهج الدراسية والخطاب الديني، وحتى في التعبيرات الفنية. وقد كانت الحرب العراقية الإيرانية لحظة التأسيس الكبرى لهذا الوعي الجمعي. فالملايين الذين دُفعوا إلى الجبهات القتالية، وعاد بعضهم معاقين أو نقلوا إخوانهم في توابيت، شكَّلوا النواة الصلبة لسردية تعتبر أن الثورة لم تكن نتيجة مساومة سياسية، بل نُسِجَت بالدم، وأن الجمهورية الإسلامية قامت على “جهاد وجودي.
إلى جانب التعبئة الأيديولوجية العميقة، أفرزت التحولات الاقتصادية الكبرى منذ الثمانينيات طبقة ترى ضروة من بقاء النظام، سواء من خلال صعودهم في البيروقراطية، أو أعمالهم التجارية والاقتصادية المرتبطة بالحكومة. وهذه الطبقة ليست بالضرورة مؤمنة أيديولوجيا بأفكار النظام، لكنها ترى في استمراره ضمانا لاستقرار مصالحها.
ولهذا، لا يمكن اختزال الحديث عن إسقاط النظام الإيراني في موازين القوى العسكرية أو في حجم الغضب الشعبي وحده، بل ينبغي فهمه ضمن هذا التشابك المعقّد بين النظام ومجتمعه، وطبيعة التماسك الداخلي في إيران، لا سيَّما في مواجهة التهديدات الخارجية.

سياسة العناد

وسط كل هذه التقاطعات في المشهد الإيراني بدى أن الرئيس ترامب لم يتقبل ويستوعب بعد قدرة “النظام” القوية على اجتياز اختبارات القدرة على البقاء، ليواصل التحدث بنبرة التحدي والكبرياء المعهودة معتبرا أن القتال سينتهي “عندما يشعر بذلك في أعماقه.
وأوضح الرئيس الأمريكي أنّ الحرب ستستمرّ على إيران طالما كان ذلك ضروريا، وقال إن لديه “رأيا خاصا إزاء موعد انتهاء الحرب.
كما اختار ترمب سياسة الهروب إلى الأمام عبر رفض عرض من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بنقل اليورانيوم المخصب الإيراني إلى روسيا كجزء من صفقة لإنهاء الحرب.
ووفق تقرير خاص بموقع أكسيوس الأمريكي، فإن الأمر يتعلق بتأمين 450 كيلوغراما من اليورانيوم الإيراني المخصّب بنسبة 60% القابل للتحويل إلى درجة الأسلحة النووية خلال أسابيع، وما يكفي لأكثر من 10 قنابل نووية، وهو أحد الأهداف الرئيسية للحرب بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل.
بخلاف تصريحات ترامب العنيدة التي يدعي فيها تدمير 100% من قدرات إيران العسكرية وإقدامه على توجيه ضربات لدواعٍ تتعلق باللياقة ضد جزيرة خرج الإيرانية ، وصفها الرئيس الأمريكي في منشور على منصة “تروث سوشيال “جوهرة إيران”، التي يمر عبرها 90% من صادرات إيران من النفط الخام، تجمع عديد القراءات التحليلات إلى أن هناك مخاوف في البيت الأبيض من تحوّل الصراع مع إيران إلى مأزق سياسي واقتصاديا لترمب الذي يغامر بتكرار سيناريو أزمة قناة السويس عام 1956.
وفي هذا الصدد أشارت صحيفة ديلي تلغراف البريطانية، في تقرير لمحررها لشؤون الأعمال التجارية الدولية أمبروز إيفانز ريتشارد
 إلى أن الانتصار العسكري الخاطف لا يضمن تجنّب الهزيمة السياسية والاقتصادية، تماما كما حدث مع بريطانيا وفرنسا حينما حققتا أهدافهما العسكرية في مدينة السويس المصرية لكنهما خسرتا المعركة بسبب سوء تقدير التبعات المالية والضغوط الدولية.
في ذلك الوقت -وفق ديلي تلغراف- نجحت بريطانيا وفرنسا عسكريا في تدمير القوات الجوية المصرية والسيطرة على الأجواء خلال ساعات، لكنَّ الأزمة انتهت بإذلال سياسي بسبب الضغوط الاقتصادية وهروب رؤوس الأموال وتبدُّل المزاج الدولي بعد عصر الإمبراطوريات.

ضغوط الحرب

يبدو أن الوقت يبدو أثمن ما في هذه الحرب، وخصوصا لإيران ونظامها الذي أثبت أنه ليس مجرّد واجهة سياسية يمكن تفكيكها من الخارج، بل هو شبكة متداخلة من الأجهزة، والذاكرة، والأيديولوجيا، والمصالح، دولةٌ قائمةٌ على جراحها، وعلى الخوف الجماعي من تكرار الماضي الإمبراطوري، أو من عودة الهيمنة الغربية تحت أسماء جديدة.
هنا تحديدا وسط الرسائل المتضاربة من إدارة ترامب بشأن مدة الحرب و مدى القدرة على الإطاحة بالنظام الإيراني تزاداد حدة الضغوط على الرئيس الجمهوري، إذ يمكن حصرها في المستويات التالية:
– تعكير تقديرات استخباراتية أمريكية – إسرائيلية مزاج إدارة ترامب بعدما خلصت إلى أن القيادة الإيرانية ما تزال متماسكة إلى حد كبير رغم اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، وليست معرضة لخطر الانهيار في أي وقت قريب في ظل عدم وجود أي مؤشرات على انتفاضة للإيرانيين وسط القصف.
– رغم التنسيق الميداني الكبير بين أميركا وإسرائيل على مستوى إدارة العمليات العسكرية التي تستهدف المنشآت الإستراتيجية الإيرانية، ولا سيما منها التي تتعلَّق بإنتاج التخصيب النووي وبصناعة الصواريخ الباليستية، فقد كشفت الأحداث
بأن هناك تباينا في الأهداف بين الحليفتين.
وهذا الاختلاف كان سببا رئيسيا للانقسام الحاصل في الرأي العام الأمريكي، بحيث يتزايد عدد الذين يعتبرون أن الأسباب الرئيسية للحرب على ايران تقف خلفها حماية مصالح إسرائيل، أكثر مما هي خدمة للمصالح الأمريكية.
لواشنطن أهداف لا يمكن إغفالها، وهي تحديدا: تعطيل “خطة الحزام والطريق الصينية التي أُطلقت عام 2013، وتغيير سلوك النظام القائم في طهران، إذا لم يكُن بالإمكان تغييره، للشروع في تعاون مستقبلي في مجال الاستثمار في النفط والغاز وإعادة بناء مرافق القطاع العام المختلفة والمتهالكة، والتنقيب عن المعادن الخفيفة الثمينة التي تحتاجها الصناعات الكهربائية والتكنولوجية الحساسة.
كما أنها تريد ضمان عدم انحياز طهران بالكامل إلى جانب الدول الكبرى المناهضة للولايات المتحدة الأمريكية في المستقبل، ولا شك في أن إدارة الرئيس دونالد ترامب ترغب في تسديد فاتورةٍ ذات أبعادٍ عقائدية لحكومة نتنياهو من خلال هذه الحرب، وقادة تل أبيب يعتبرون أن إيران القوية تشكل خطراً وجودياً على إسرائيل. ومن الواضح أن واشنطن لا تريد تقسيم إيران إلى دويلات، وغير متحمسةٍ لتغييرٍ جذري للنظام، ويكفيها أن يتولى القيادة أشخاص يتعاونون معها.
بالمقابل، فإن إسرائيل ترغب في تغيير بُنية النظام لكي يتخلّى بالكامل عن سياسة صناعة الأذرُع، كما أنها ترغب بإحداث انقسامات داخلية قد تؤدي الى تفتيت “الأمبراطورية” المترامية، من خلال إنشاء كيانات مستقلة للأكراد في الغرب وللبلوش في الشرق وللعرب في الجنوب، وبالتالي تمنع الانفلات الاستراتيجي الإيراني الذي يعتبر منافساً للطموحات الإسرائيلية بالهيمنة على المنطقة بكاملها. ولا شك في أن هدف إسرائيل أيضا إنهاء البرنامج النووي الإيراني بالكامل، وتعطيل الطموحات الإيرانية ببناء منظومة صاروخية باليستية متطورة، كذلك وقف إنتاج الطائرات المُسيَّرة الانقضاضية البعيدة المدى.
– وجود صراع داخل البيت الأبيض يؤثّر في الرسائل العلنية الصادرة عن الرئيس ترامب بشأن مسار الحرب مع إيران، في ظل نقاشات محتدمة بين مساعديه حول توقيت وكيفية إعلان “النصر” رغم اتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق نقلت وكالة رويترز عن مستشار للرئيس وآخرين مطلعين على المناقشات أن بعض المسؤولين يحذرون من التداعيات الاقتصادية للحرب، خاصة ارتفاع أسعار الوقود، في حين يضغط جناح متشدد داخل الإدارة على ترامب لمواصلة العمليات العسكرية ضد طهران.
– ضمن مواقف نادرة وخطوات عكس التيار، تعمل الدائرة المقربة من ترامب – وفق ما نقلته وسائل إعلام أمريكية – على نصحه بالعمل على إنهاء الصراع بطريقة يمكن اعتبارها انتصارا عسكريا، حتى لو نجا معظم القادة الإيرانيين وأجزاء من البرنامج النووي الذي كان من المفترض القضاء عليه بشكل كامل.
ومن بين الشخصيات البارزة المقربة من ترمب، مستشار البيت الأبيض لشؤون العملات المشفرة والذكاء الاصطناعي ديفيد ساكس الذي أكد أنه يتعين على الولايات المتحدة “إعلان النصر” وإيجاد مخرج من الحرب على إيران، مضيفا خلال مشاركته في بودكاست أن “هذا وقت مناسب” لإعلان ذلك.
– حالة “التخبط والتضارب” التي تطبع موقف الإدارة الأمريكية في التعامل مع الحرب المتصاعدة في المنطقة أثارت انتقادات متزايدة داخليا وخارجيا، وسط مخاوف من تداعيات اقتصادية وسياسية قد تمتد إلى الانتخابات الأمريكية المقبلة.
وفي ظل التصعيد العسكري في منطقة الشرق الأوسط ترافق مع حالة غليان في الداخل الأمريكي حيث شهدت مدن كبرى مثل نيويورك وغيرها مظاهرات حاشدة احتجاجا على الحرب.
وفي ما يتعلق بانتخابات التجديد النصفي المقبلة، يقول محللون إن استطلاعات الرأي تشير إلى تراجع شعبية ترامب ، حتى داخل قاعدته الانتخابية، كما أن جزءا من الانتقادات يتركز على أن الحرب شُنت دون استشارة الكونغرس ، الأمر الذي يثير جدلا دستوريا وسياسيا داخل الولايات المتحدة.
وما من شك أن هذه المعطيات وفق متابعين للمشهد السياسي في أمريكا قد تمهد الطريق لعودة الحزب الديمقراطي للسيطرة على الكونغرس الأمريكي بشقيه مجلس النواب ومجلس الشيوخ خلال الانتخابات المقبلة في نوفمبر القادم، ومن ثمة فإن سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس قد تؤدي إلى عرقلة كثير من سياسات ترمب الخارجية والداخلية.
– مواصلة عملية “الغضب الملحمي” بهذا الشكل الجنوني يكلف الولايات المتحدة أرقام مذهلة رغم تقليل ترمب من أثرها على الاقتصاد الأمريكي.
فبعد أيام قليلة من إبلاغ مسؤولين في البنتاغون كبار المشرعين في جلسة مغلقة أن تكلفة الحرب ضد إيران تجاوزت بالفعل 11.3 مليار دولار في أيامها الستة الأولى، جاءت تقديرات مغايرة للأوضاع.
حسب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية فإن فواتير الحرب في الولايات المتحدة تناهز 17 مليار دولار بحلول اليوم الثاني عشر من الحرب.
ويرى المركز ان إجمالي النفقات العسكرية كبير بما يكفي ليدفع الإدارة إلى طلب تمويل إضافي من الكونغرس. حيث ستكون الخيارات والمفاضلات الداخلية لتغطية تكاليف الحرب ضمن الميزانية الحالية بالغة الصعوبة.
أما على الصعيد العالمي فقد أربك النزاع العسكري سلاسل الإمداد العالمية بعد أن امتدت تداعياته من أسواق الطاقة إلى حركة التجارة الدولية مع تعطل الملاحة في مضيق هرمز ما اضطر الرئيس ترامب مطالبة الدول التي تتلقى النفط عبر ” الممر المائي” إرسال سفن حربية إلى المنطقة القريبة من الساحل الإيراني لحماية السفن التجارية ومساعدتها على الإبحار بأمان.
– تأثير الحرب على علاقات الولايات المتحدة بحلفائها بحكم تحول شعار ترامب الانتخابي “أمريكا أولا” تدريجيا إلى ما يوصف بـأمريكا وحدها.
فسياسات الأخير أدت إلى تباعد بين واشنطن وحلفائها التقليديين في حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، وهو ما ظهر في الانتقادات التي صدرت عن بعض الدول الأوروبية بشأن الحرب على إيران أمثال إسبانيا التي رفضت استخدام قواعدها العسكرية في الهجمات على إيران، في حين أبدت كل من فرنسا وبريطانيا تحفظات على الحرب.
وبالتالي القرار الأمريكي بالدخول في الحرب اتخذ بصورة أحادية، دون استشارة الحلفاء أو حتى الكونغرس الأمريكي، رغم أن الدستور الأمريكي ينص على ضرورة مشاورته قبل اتخاذ قرار الحرب.
– إجماع عديد القراءات بأن المواجهة مع إيران قد تمثل “رهانا مضاعفا أو خسارة نهائية للحضارة الغربية، حيث أنها لن تحدد فقط موازين القوى الإقليمية، بل قد تكون لها انعكاسات أوسع على صورة الغرب وقدرته على الردع.
وثمة من الكتاب على غرار أليستر هيث رئيس تحرير صحيفة صنداي تلغراف البريطانية الذي كتب أن “العالم المتحضر” يقف الآن أمام أحد خيارين: إما أن يحافظ ترامب على رباطة جأشه، ويسحق النظام الإيراني، ويتجاوز صدمة أسعار النفط، ويعيد فتح مضيق هرمز، أو ينتهي أمره وأمر الولايات المتحدة، ليظهرا أمام العالم كقوة مستهترة، متقلبة، وعاجزة عن التخطيط للمستقبل، قوة عظمى فاشلة أسقطها “برابرة” مسلحون بطائرات مسيّرة على حد وصفه.
ويحذر الكاتب من خطورة إعلان نصر مبكر دون تحقيق أهداف الحرب وهذه النتيجة ستكون بمثابة “كارثة لن يتعافى منها ترمب ولا الغرب”، لأنها ستعزز اعتقاد خصوم الغرب في الصين وكوريا الشمالية بأن المجتمعات الغربية “غير قادرة على تحمل حتى قدر محدود من التضحيات الاقتصادية مثلما يصف هيث.
الراجح أن مسار هذه الحرب سيظل مفتوحا على عدة احتمالات في ظل صعوبة التحقق الدقيق من التطورات الميدانية داخلها؛ ما يجعل تقدير الاتجاهات قائما أساسا على تحليل السلوك العسكري والسياسي للأطراف المعنية..
ويبدو أن تلك الأطراف ما تزال تراهن على أن إصرارها على المواصلة سيحقق هدفها، ولم تبلغ بعد مستوى يجعل تكاليف المواصلة أعلى بكثير من القبول بوقف الحرب، غير أن الثابت أنه بين كل هذه الفسيفساء من التعقيدات الإقليمية والدولية تفرض المعركة المتواصلة الكثير من الحسابات المعقدة سياسيا وعسكريا واقتصاديا سواء في المعسكر الأميركي الإسرائيلي من جهة والجبهة الإيرانية بكل تفرعاتها في المنطقة وتحلفاتها المؤثرة القريبة منها والبعيدة .

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *