فـوزي الصـدقاوي
كان الإسلام الأول في نظر عزمي بشارة محكوما في تاريخه بجدليّة الفصل والتمايز، وكانت صيرورة تلك التمايزات التي شهدتها الظواهر الاجتماعيّة والسياسية والدينية المصاحبة، تطوّر حالة العَلمنـة، منذ عهود الإسلام الأولى، وتمهّد لتحييد الدولة استعدادا لتمدد سلطتها وإخضاع الدين لنفوذها. فقد كان الخلفاء الراشدون في عهدهم، يرون في خلافتهم، خلافة للنبيّ وليس خلافة لله، فهم ينتهجون نهج النبيّ وسيرته وتعاليمه في ما يختصّ بتصريف مصالح الناس وإدارة شؤونهم ويتعهّدون بأقضيتهم بما يوافق تعليمات النبي، وهو ما يعني أن الخلافة بتعاليمها الدينية كانت ممارسة للدين من أجل إدارة المجتمع. لكن مع السلالات الأموية والعباسية يظهر الحكم العضوض وهو يتجه إلى اعتبار الحكم الذي يتبوّؤونه هو حكم الله، وأنّهم (خلفاؤه) القائمون على حق الله وإرادته.
أهم الأخبار الآن:
فالخلافة الراشدة التي انتهت مرحلتها مع عليّ، كانت بنظر بشارة، خلافة إسلاميّة، ولم تكن “دولة” إسلاميّة. إلا حين تمايزت خلافة عمر ومن بعده في خلافة عثمان، ببعض ملامح الدولة، عن الهيئة السياسية التي نشأت في مرحلة النبوّة، لكن خلافة عليّ جاءت لتعود عن المسار الذي قطعه سابقوه، بهدف الرجوع إلى “الأصول الأولى” في معنى الإمامة الدينية، وهو السياق الذي وفّر بيئة “الفتنة” وهيّأ للاقتتال الداخلي، وكان تعبيرا عن التصادم مع منطق الدولة التي قاربت على التشكّل، وشارف بناؤها على الاكتمال. ولم تكن النهاية التي آل فيها الأمر إلى معاويّة وبني أميّة من بعده، إلا نهاية طبيعيّة لمسار تشكّل الدولة.
كان الصراع على السلطة زمن الفتنة، صراعاً بين رؤى وخيارات فكريّة وأخلاقيّة، وجد بؤرة تناقضاته في ما بين مفهوم الخلافة ومفهوم الدولة، وكان يتغذى أيضا، من تناقضات ذات أصول اجتماعية وقَبليّة حكمت المجال العربي منذ ما قبل الإسلام، حملتها النخب الجديدة التي صاحبت ظهور الإسلام، وجددت معه وبه النزاعات العشائرية والثقافيّة، فالدولة التي سُمّيت إسلاميّة، كما يشرح برهان غليون تأسست بنيتها في سياق الفتوحات، (وعت ذاتها أوّل مرة منذ معاوية والدولة الأموية)، باعتبارها تخوض صراعا بين الورع من جهة والسياسة بما هي أداة حكم وإدارة موازين القوة من أجل مؤسسة الدولة، وما ستؤوله لها المؤسسة الدينيّة من معنى الإسلام، الذي يرتضيه الناس، ولو لم يرض به معارضوها.
وبتعبير آخر فإنّ وصول الحكم إلى معاوية وإرساء التوريث قاعدة لانتقاله في سلالة بني أميّة، كان يعني غلبة منطق الدولة، وانتهاء الاحتكام للأصول، والتعاليم الأولى، أمّا انتقال الحكم إلى سلالة تتوارث الدولة فكان تعبيرا عن تحوّل الدولة إلى ملك عضوض/مستبد، ومنفصل عن الأصول، يخضع فيه الدين للسياسة، وتستهدي فيه السياسة بقيم ومعايير الملك وبها تدار شؤون الدولة وفق منطقها، وتستمد شرعيّة نظامها من نظام التوريث أولا، ثمّ من الدين بتأويل ساند لها، مبرراً قيامها بناءً على قول “شرعي” يجد في أصول من الدرجة الثانيّة : المصالح المرسلة وسد الذرائع والعرف، ما يبرر شرعيّة النظام وسياساته، وما يحمل الناس (المجتمع القبلي) على القبول بشرعيّته. بحيث يكون الحكم قد تأصّل على أساس نظام التوريث القبليّ وعلى الأصول الشرعيّة. أمّا أطياف المعارضة للحكم، فتعتمد في معارضتها على النهج نفسه، وتستند إلى الأصول ذاتها، (الدين)/ آل البيت وأنتسابهم إلى النبي، وعلى انتسابهم إلى قبيلة قريش ومنها بني هاشم أشرف قبائلها. لكن في خضم هذا النزاع تكون الدولة التي لا يحكمها الفقهاء ولا علماء الدين، ولا هي تحتكم إليهم. قد تحوّلت من خدمة الدين إلى دولة تحاذي الدين أو تستخدمه.
ولم يكن وصف الدولة الأمويّة بالإسلاميّة، نعت يتسق مع هيئة “الدولة”، وإنّما هو وصف ينْسب إليها للتعبير عن امتدادها للأصل الأول زمن الخلافة الراشدة، دون أن يُـنسب حكمها إلى نهج الخلافة، أو أن يُــوصف بكونه حكماً راشداً، وهذا يعني أن صفة إسلاميّة، لا تزيد عن كونها صبغة الدولة التي تدير شؤون المسلمين وفق ما يقرّه المجتمع لنفسه من قواعد تحتكم إلى ثقافته وقيمه الإسلاميّتين، وهي أيضا صبغة لا يُفهم منها أنّها دولة تطبّق الشريعة، على نحو ما مارسته الخلافة الراشدة، فالحاق صفة “الراشدة” لمصطلح الخلافة وإلحاق صفة ”الإسلامية” لمصطلح الدولة، يُبرز، بصورة جليّة، حالة التمايز والتمفصل بين الدين والسياسية في لحظة التحوّل تلك. وهذا الوصف الملحق، يعكس ما كان يجري من تحالف بصورة خــفيّة وعلنيّة أحيانا، بين الدولة من جهة والمؤسسة الدينية (الفقهاء والقضاة..)، التي تعهدت بدور الوساطة بين النصّ والدولة، وبين الدولة والتدين الشعبي من جهة ثانية.
وفي المحصلة وأيا كان النقاش الذي يصرّ على قلب الحامل إلى محمول والمحمول إلى حامل. على حد قول عزمي بشارة. فإن كلمة دولة تعني تحديدا، جهازاً إدارياً لتسيير شؤون الناس، أمّا كلمة إسلامية فهي وصف للمشروع، وإحدى أساسات المشروعيّة.
تبدو حالة اخضاع الدين، من قبل السياسي، مرحلة متقدمة مع السلالة الجديدة (العباسية)، ليس على مستوى الممارسة وحسب، وإنّما في رؤيّة السياسي للدور الذي جاء يضطلع به، والذي عبّر عنه الخليفة المنصور في خطابه ( لقد أصبحنا لكم قادةً، وعنكم ذادة، نحكمكم بحق الله الذي أولانا، وسلطانه الذي أعطانا وإنما أنا سلطان الله في أرضه وحارسه على ماله جعلني عليه قفلاً، إن شاء يفتحني لإعطائكم وإن شاء يقفلني).
وحين ينغلق طوق الاستبداد حول منظومة الحكم في العهدين التركي والمملوكي، يظهر الاستبداد بتعبيراته الأكثر غلوا كما يرى محمد عمارة.، ومع استتباب سلطويّة السلطة واستقرارها، لن يكون بامكان السلطة أن ترى إلا نفسها، فتسبغ على السلطان صورة (سيف الله المسلط على رقاب العباد)، و(نائبه الموكّل بخلقه)، فلا ترى نفسها إلا متوليّة وظائف إلاهيّة خالصة، بل ومتماهية مع الله. ومن ثم فإن عبارة سلطان، برأي عزمي بشارة، جاءت لتعبّر عن قوّة السلطة والحكم ومنها جاءت أيضا عبارة السلطان الذي هو وصف لشخص الحاكم، بمعنى التسلط بموجب ما لديه من القوة والحق والنفوذ، فالسلطان يُــفرغ لنفسه مساحات السلطة، حتى لا تتسع لأحد غيره.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*)- د. عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، الدين والتدين، الجـــزء الأول، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط 2، بيروت، 2013.


