صابر بن عامر
التلفزيون، ذاك الحامل والمحمول السحري، الذي يُسمّيه التونسيون “صندوق عجب”، كان وما يزال منذ انطلاق البثّ الأول للتلفزيون التونسي في الـ31 من ماي 1966، حمّال لأطروحاته وسياساته.. فهل ثقّف التونسيين؟
سؤال طرحته بوابة تونس على ثلة من المثقفين والإعلاميين التونسيين، فكان هذا التقرير.
أهم الأخبار الآن:
زينب نفزي: اللوبيات والمال السياسي الفاسد أفقد التلفزيون التونسي من محتواه القيّم
عن ذلك تقول الممثلة المسرحية والفنانة التشكيلية زينب نفزي: “التلفزيون يمكن أن يثقّف طبعا، والعكس كذلك”.
وتسترسل بطلة مسرحية “موندو مرا”: “التلفزيون له تأثير كبير في المجتمع في توعيته وتثقيفه والعكس صحيح، أيضا، وفق ما يبث من برامج بمختلف أنواعها، وهذا أمر يكاد يكون بديهيا، وبما أنه كذلك فهو يستعمل للتأثير في المجتمعات”.
وتتساءل نفزي: “إذا كان الأمر كذلك، فلماذا نرى برامج تلفزيونية تتدنّى بذوق المتفرّج ووعيه، بخوائها التام من التثقيف؟”.
وعن ذلك تُجيب: “الأمر بيّن، فحين تتدخّل اللوبيات والمال السياسي الفاسد في الإعلام، يفسد حال التلفزيون ومحتواه”.
يسر بالحاج علية: التلفزيون يُثقّف بشروط باتت غائبة اليوم عن المشهد
بدورها قالت يسر بالحاج علية، مُجيبة بوابة تونس: “في فترة سابقة كان هذا الدور من أهم أهداف التلفزيون إلى جانب الأخبار والترفيه، أما اليوم ومع الحضور المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي وللتطبيقات عموما أصبح التلفزيون أقلّ حضورا”.
وتسترسل الإعلامية التونسية: “ولكن، هذا لا يمنع من أهمية الجانب التثقيفي الذي أصبح غائبا بشكل كامل تقريبا”.
وفي ذلك تقول: “أتحدّث هنا عن المستوى الوطني، إذ أصبح الإعلام يتسابق على المضامين التافهة لتحقيق نسب المشاهدة، ولم نعد نشاهد مضامين تثقيفية”.
وتُوضّح معدة ومقدّمة البرنامج التنشيطي المنوعّاتي “هدرة أخرى” على الوطنية الأولى: “للأسف، تعوّد المُشاهد التونسي على استهلاك مادة سطحية لا تعود بالفائدة عليه، بل تُساهم في تدني المستوى الثقافي، سيما في ما يخصّ الإعلام الخاص، ومن هنا يتوجب على الإعلام العمومي العمل على تصوّرات جديدة لتحقيق هدفه التثقيفي الذي اعتبره مهما”، وفق تصريحها لبوابة تونس.
وتختم مؤكّدة: “التلفزيون يثقّف نعم، ولكن السؤال المطروح كيف؟ وما هي المضامين والتصوّرات القادرة اليوم على شدّ انتباه المشاهد لتحقيق هذا الهدف؟”.
عبد الجليل السمراني: التلفزة جهاز خطير وطروحاته أخطر وعلينا التعامل معها بحذر
أما الصحفي والإعلامي عبد الجليل السمراني، فيقول: “التلفزة جهاز خطير، وبإمكانه لعب دور المثقف، إذا كان التوجّه السياسي العام يرنو إلى تذليل المعلومة وتبسيطها وتنويع المادة المقدّمة خصوصا الموجهة إلى الناشئة، فحتى المحتوى الترفيهي يُمكن صياغته في قوالب تثقيفية على غرار الكوميديا السوداء، والمواقف الهزلية الناقدة دون إسفاف أو دخول في منطق التهريج والميوعة”، وفق تصريح السمراني لبوابة تونس.
ويُضيف “الكرونيكور” الثقافي ببرنامج “ضيفنا على كيفنا” على قناة “تونسنا” الخاصة: “كما يمكن لهذا الجهاز السحري أن يحرص على تقديم المعلومة المفيدة للمستهلك بما يجعله يستفيد ويعمل بها وعليها”.
أكرم القروي: فكرة التلفزة تطوّرت من وسيلة حشد وتحفيز إلى فضاء “بيع للأواني المنزلية”؟!
وعن السؤال ذاته يقول الناشط الثقافي المستقل أكرم القروي: “التلفزيون، هذه الآلة العجيبة التي ملأت الدنيا وشغلت الناس لقرون عديدة ما تزال في علاقة بالتثقيف تُثير جدلا مستمرّا رافق تطوّر هذا الوسيط من وسيلة تسلية وترفيه إلى أداة للمعرفة والتثقيف إلى محمل بالصوت والصورة لصنّاع الرّأي موجّه للموقف”.
ويسترسل مدير مهرجان أيام سينما الجبل بعين دراهم، موضّحا: “لقد تطوّرت فكرة التلفزة من وسيلة حشد وتحفيز إلى فضاء “بيع للأواني المنزلية”.. في جهد عجيب رافقه تطوّر التكنولوجيا وظهور وسائط جديدة”.
ويستذكر القروي هنا كيف كانت التلفزة الوطنية فضاء “توجيه وتثقيف للشعب” في سبيل “الوحدة الوطنية” مع بواكير الدولة المستقلّة، شأنها في ذلك شأن الوزارات المستحدثة، تدفع الناس إلى الالتفاف حول “الزعيم” الذي يطلّ كلّ مساء يُوجّه الشعب وينصح باعتماد وسائل منع الحمل ويتوعّد كلّ من لا يسجّل أبناءه للدراسة بالمدارس العمومية المفتوحة بالمجان”، وفق توصيفه.
ويشدّد: “منذ ذلك الحين جرت مياه كثيرة تحت الجسر، وفقدت التلفزة بشكل عام بريقها مع ثورة المعلوماتية والإنترنت، وتدعّمت الفردانية في المجتمع، وأصبحنا نشهد قنوات تلفزيونية تختصّ في جلب الحبيب وتقريب البعيد، ونشأ زعماء وقادة رأي جدد، انطلاقا من فيسبوك و”تيكتوك وإنستغرام وإكس..”.
لكن -والكلام دائما للقروي- هل يفيد ذلك ألا تغدو التلفزة وسيلة تثقيف؟
ليُجيب عن سؤاله الانكاري، بقوله: “لا أعتقد على سبيل الجزم، بأنّ الثقافة بحاجة إلى تلفزة، لكن سبل تطوير الخطاب المبثوث يمينا ويسارا قد يطرح مستقبلا مغايرا للوسيط التلفزيوني كأداة ثقافية، لقد أصبحنا نشهد اليوم ظهورا متزايدا للتلفزات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بل نشأت تلفزات موازية داخل المؤسّسات ذاتها للبثّ الرسمي، توظّف الإنترنت للالتحاق بركب جمهور التطبيقات الحديثة”.
وبالتالي، يطرح القروي سؤالا ثانيا، حول المستقبل، وحول “تقارب الحوامل” في زمن ما بعد الحداثة، وهل تستطيع التلفزة الالتحاق بهذا الركب؟ ثم هل أصبح التلفزيون استثمارا تجاريا، قادرا على تقديم مادة ثقافية بالعفل، في زمن الاشهار والاستشهار والرّبح السهل والسّريع.
ويخلص أكرم القروي إلى أنّ ما نعيشه الآن هو زمن التحوّلات الكبرى، وتبادل المواقع، فماذا تبثّ التلفزة، وكيف تُقاوم سيطرة رأس المال وتوظيفه، ماذا تُقدّم كمحتوى ثقافي، وهل أنّ الطاغي على المشهد التلفزيوني اليوم من سطحية وإسفاف سيكون قدر هذا الوسيط؟
أسئلة، أكّد القروي، أنّه لا يملك إجابات لها، مُشدّدا بقوله: “تساؤلات وإشكالات قد يجيب عنها الزمن المنظور، أو قد يُعقّد الإجابة التطوّر السريع لنقل الفكرة والموقف والمعرفة”.
لبنى التوكابري: الثقافة التلفزيونية في تونس مبنيّة على التسطيح بدل التحليل
أما الأكاديمية والمخرجة السينمائية لبنى التوكابري، فقالت في تصريحها لبوابة تونس: “منذ ظهوره في منتصف القرن العشرين، شكّل التلفزيون ثورة في عالم الاتصال البصري، إذ سمح بنقل الصورة والصوت إلى المنازل، وجعل من الثقافة والفن مادة متاحة للجميع. ومع ذلك، يبقى السؤال مطروحًا: هل يُثقّفنا التلفزيون فعلا؟ أم أنّه يخلق وهما بالثقافة، بينما يُعيد إنتاج الخطاب ذاته والرؤية نفسها بشكل مكرّر وسطحي؟
عن سؤلها، تُجيب مخرجة الروائي القصير “زبد البحر”: “في بداياته، اعتبر التلفزيون امتدادا طبيعيا للسينما، إذ كانت تُعرض من خلاله الأفلام والمسرحيات المصوّرة، بهدف إيصال الفن إلى أكبر عدد من الناس. وقد شغل، منذ خمسينيات القرن الماضي، مكانة مركزية في الفضاء العائلي، خصوصا في غرفة الجلوس، حيث يتجمّع أفراد الأسرة حول “الصندوق السحري” بأكمل تجلياته وهيبة تمركزه”.
وتستطرد: “لكن سرعان ما تطوّر التلفزيون ليضمّ أنواعا جديدة من البرامج: الأخبار، الحوارات، الترفيه، الدعاية، والدراما.. ومع هذا التنوّع الكمّي، بدأت محدودية الثقافة التلفزيونية تظهر بوضوح”، وفق تقديرها.
فغالبًا -والكلام دائما للتوكابري- ما تمرّ المعلومات عبر القوالب والأساليب الإخراجية عينها، بكاميرا مقيّدة ومسلوبة للحرية، ممّا يجعل الخطاب التلفزيوني مكرّرا، يُعيد إنتاج الأفكار ذاتها من دون عمق أو نقد.
وفي هذا السياق، تستحضر التوكابري مقولة بيير بورديو في كتابه “التلفزيون وآليات التلاعب بالعقول” إلى أنّ التلفزيون يُمارس نوعا من العنف الرمزي، لأنه يُخفي آليات الرقابة والتحكّم خلف مظهر الحياد والموضوعية، ويُكرّس ما يسميه بـ”التراضي الاجتماعي” حول أفكار معينة دون نقاش.
وتسترسل: “من جهة أخرى، يرى المفكّر الفرنسي غي ديبور في كتابه “مجتمع الاستعراض” أنّ التلفزيون، كغيره من أدوات الإعلام، يُحوّل الواقع إلى فرجة بصرية، ويجعل المواطن “مُشاهدًا دائمًا” يعيش العالم من خلال صور تمثيلية، لا من خلال الفعل أو التجربة”.
كما تُضيف، متبنّيةً أطروحة جان بودريار الذي يرى أنّ التلفزيون لا يعكس الواقع بل يُنتج “واقعًا مفرطًا”، حيث تختلط الحقيقة بالتمثيل، ويُصبح المتلقّي غير قادر على التمييز بين المعلومة والخيال، ممّا يُفرغ الثقافة من جوهرها.
وفوق ذلك، تخلص لبنى القروي إلى أنّ القنوات التلفزيونية، تُعاني في الكثير من الأحيان، من الرقابة المباشرة أو الذاتية، ما يُقلّل من تنوّع الآراء ويُقيّد حرية التعبير. فتُصبح الثقافة المعروضة ثقافة “مُراقبة”، مبنيّة على الترفيه أكثر من التفكير، وعلى التسطيح بدل التحليل.
والأخطر من ذلك -وفق تصريحا لبوابة تونس- هو أنّ المشاهد غالبا ما يكون متلقّيا سلبيا، غير قادر على التفاعل أو اختيار ما يُشاهده، ممّا يجعل العلاقة بالمحتوى علاقة استهلاكية، وليست تفاعلية.
وبالتالي -تُؤكّد لبنى التوكابري- أنّ الثقافة التي يُقدّمها التلفزيون تفتقر إلى الحوار، والعمق الذي تحتاجه الثقافة الحقيقية.



أضف تعليقا