التفكير غير المنضبط…”جريمة”

فوزي الصدقاوي

وطّدت الدولة الوطنية الحديثة دعاماتها طوال جميع محطّاتها، في سياق تلازم الحكم وإلغاء”الآخر”. فتصفية المختلف والقضاء على التباين، كان نهجا استراتيجيا في تفكير الدولة الوطنية الحديثة والحداثية، وهو نهج من لوازم البناء والتشييد، كما تبرّر لنفسها، ومن المداخل الضرورية لإرساء أعمدة الدولة الحاملة لمشروعها ”الحداثي”.

مع أن الدولة التونسية ونخبتها العالمة منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر، ثمّ المجتمع المدني التونسي منذ ثلاثينات القرن الماضي، كانا رائدين في مستوى التحديث وفي مستوى استيعابها لقيم الحداثة، فقد جاءت الدولة الوطنية بعد الاستقلال حاملة لمشروعها ”الحداثي”، مشتغلّة على صياغة مضمونه الرسمي.

لم يكن يُشار إلى محطّات الدولة الوطنية التاريخية بطفرات علمية أو بنقلات نوعية في التنمية البشرية أو الاقتصادية، وإنّما كانت تلك المحطات التاريخية يشار إليها بما عرفته البلاد التونسية من انفجارات لأزمات سياسية واجتماعية عميقة كانت على الدوام متســــمة بالصدام والعــــــنف (1955/1962/1968/1978/1981/ 1984/1987/   ( 1990-1991 ) / 2000/2008/ (2010-2011). 

في الميثولوجيا الإغريقية لم يسبق أن سلّطَت الآلهة عُـقوبةً أشدَّ وقعا مما فعلت ضدّ من دعا الناس إلى التفكير وإشاعة التنوير، فجريمة التفكير، عقوبتها أبدية، ذلك ما جرى في حق برومثيوس، وما يجري الآن في حق النخبة السياسية في تونس، ونخب بلدان كثيرة في العالم العربي. فمن يُفكّر على نحو مختلف، أو يدعو إلى التفكير، مَثَلُه في أزمنة الاستبداد، كمَثَلِ من قرّرَ أن يَسرِقَ قبسا من نار الآلهة من على جبل الأوليمب (Le mont Olympe)، فعلى من يرفع ألوية التفكير أن يستعدّ ليتحمّل العقاب الأبدي، تماما كما فعل بروميثيوس ويفعل.

 كانت تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس، مع كل ما رافقها من تعثّرات، وما استُهدِفت به من قصف، وما جابهته من تثبيط للعزائم، لحظةً تاريخية فارقة بجميع المعايير الدولية، سواء في منظومة مفاهيمها أو في مدونة قوانينها أو في قواعد السلوك التي أرستها، أو في المؤسّسات التي أنشأتها والحوارات التي أدارتها مع تنوّع مباحثها، وتعدّد مساراتها. 

كانت المسارات التي تبلورت بذكاء جماعي، على قاعدة الممارسة التشاركية وفي ظلّ الالتزام بما تواضع عليه التونسيون من عقد اجتماعي. خلاصة تجربة تأسيس وطني تستلهم التاريخي والثقافي والإقليمي والدولي الإنساني، وهي لكلّ تلك الأبعاد كانت تجربة عميقة، تحتاج إلى ما يكفي من الوقت لهضم مفاهيمها واستيعاب مقولاتها وتَمَثُّل قيمها، فهي، بهذا المعنى تجربة مستقبل. 

تعدّ تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس، لحظة استئناف للمهمّة الرائدة لحركة الإصلاح، التي أقبرها الاستعمار الفرنسي، في مستوى الدولة، وبمثلها جاء “الانقلاب” يخاتل مسار الانتقال الديمقراطي، فعمد إلى المؤسّسات التعديلية والوسيطة الناشئة التي بدأت في تمرين التفكير الجماعي ومراكمة الذكاء، فجمّد اختصاصها أو حلّها. ثمّ أطرد التعدّد من المجتمع، ونثر الخوف بين الناس، وزرعه في أركان الأجهزة ومفاصل المؤسّسات. 

تغذّي آلياتُ العقاب في الإنسان نزعةَ الخوف، ثمّ  لا تلبث لتُنشِأ مع الوقت ثقافةً للخوف، وحين يكفّ الفكر عن التفكير الحرّ، ويعتذر قسم من النخبة بحدود الوسع، وضيق الإمكان، ستهدأ المنابر، في مجتمع الصمت، وستبدو مظاهر الوفاق العام، أوفر نعمةٍ ”تحسُدُنا عليها الأمم”، بسبب الكفّ عن التفكير ، إذ يَعتقد مونتسكيو أنّ “مجتمعا لا يُسمع فيه صخب الخصومات هو مجتمع استبدادي”. 

يُوسَم التفكيرُ، تحت مظلّة الاستبداد، بكونه سلوكا غيرَ منضبط، ويُوشك أن يكون جريمة، فإن كان تفكيرا حرّا وأصيلا، فهو مدان بعُرف الاستبداد، لأنّه رأي مختلِف، فكيف به لو كان رأيا مُخالفا…؟ ثم كيف للمرء، والحالة هذه، أن يُفكّر تحت سلطة المراقبة والمعاقبة؟ وأيّ تفكير يُمكن لمداه أن يبلغ الحكمة والتبصّر، والرقيبُ يَرمُقه بعين؟ وأيّ فكر يُمكن أن يكون أصيلا وخصيبا والخوف يتلبَّسُه؟ فطاقات الفكر الكامنة يَضْمِرُها الخوف ويُبدِّد ديناميكياتها، فتخبو أنوارها في عَتَمات الجهل، وتلبيسات المعرفة، وهو المعنى الذي يؤكّده عبدالرحمان الكواكبي بقوله: “أضرُّ شيء على الإنسان هو الجهل، وأضرّ آثار الجهل هو الخوف“. 

لا يتوقّف صلف الاستبداد عند فرض الانضباط في التفكير، بل يتعلّق أيضا، بأشنع من ذلك، حين يجعل التفكير مع الغير جريمة، والتفكير مع المختلف جريمة، والتفكير مع الكثير جريمة، والتفكير الجماعي جريمة، لأنّ عقل الاستبداد وحده -كما يظنّ- يمكن أن يُـفكّر في مأمن عن الخطإ، وفي سلامة من أيّ عمالة للخارج، وعلى يقين من نقاوة وطنيّته.

إنّ هندسة “دستور 2022″، كانت تُــصَمّمُ ليكون للدولة عقل واحد يُجوز له التفكير، للتعبير عمّا يجول بخاطر من هم تحتُ، في قاعدة الهرم، فهذا العقل وحده الذي يحقّ أن يُفكّر. ويكمن أيضا سرّ هندسة “الدستور 2022” في معنى، سبق لبول كابونممثّل الحكومة الفرنسية، أن فسّره في رسالة خاصّة له في فيفري 1882 إثـــــر تعيينه رسميا وزيرا مقيما في تونس حين أكّد أنّ خطّته كانت تتمثّل في: “… إنشاء وزارة للباي شيئا فشيئا مع فرنسيين وحكم البلاد التونسية من أعلى إلى أسفل”.

اليوم بات أيسر على كثير من مكوّنات المشهد السياسي والمدني، رؤية الأمر بأكثر وضوح، فأن يتوقّف مسار الانتقال الديمقراطي، يعني فيما يعني بصورة أساسية، أنّ أجهزة الدولة نفسها، توقّفت عن التفكير… وأنّ تجدّد مهمّة الدولة الوطنية لمشروع الموجة الثالثة لحركة الاصلاح، التي استأنفته الثورة، بشعاراتها الاجتماعية، باتت فرصة مؤجّلة. بعدما أصبح عقل واحد يفكّر للجميع ويقرّر، من أعلى إلى أسفل.