التغيّرات المناخية.. “مأساة” تهدّد الكوكب الأزرق

يسرى ونّاس

يمرّ “الكوكب الأزرق” منذ سنوات بفترات عسيرة، جراء تغيّرات مناخية باتت تنبئ بمخاطر بيئية تلوح في الأفق لا تستثنى منها أيّ دولة وأيّ منطقة.

فصول تداخلت ودرجات حرارة فاقت النسب المئوية العادية أفضت في كثير من الأحيان إلى جفاف أظمأ الكائنات الحيّة وأدت إلى حرائق دمرت الأشجار وشوهت اخضرار الغابات، فضلا عن عواصف وفيضانات شديدة سوّت المنازل بالأرض.

هذه الظواهر دقت جرس الإنذار، ما جعل بلدان العالم يفكّرون مليّا بتلك المخاطر، ليصبح “التغيّر المناخي” يتصدّر لائحة اهتماماتهم.

وعلى وقع ذلك يجتمع أكثر من 50 ألف شخص من ممثلين حكوميين ومختصين في مجال المناخ من مختلف الدول بمدينة باكو عاصمة أذربيجان، في النسخة الـ29 من مؤتمر “كوب” للمناخ الذي تنظمه الأمم المتحدة.

وتهدف الأمم المتحدة من خلال هذا المؤتمر إلى بحث تقديم التزامات مالية جديدة إلى الدول الفقيرة المتضرّرة من موجات حر وعواصف وفيضانات باتت تحدث بوتيرة أكثر تكرارا بسبب تغيّرات المناخ.

وتتوقّع الدول النامية والمنظمات البيئية أن توفر الدول الصناعية الغنية تريليون دولار سنويا على الأقل، وهو ما يزيد عن عشرة أضعاف التعهّد الحالي البالغ 100 مليار دولار سنويا.

وللتوصّل إلى هذا المبلغ يقترح نشطاء المناخ فرض ضرائب على الأغنياء.

ظواهر جوية قاسية

وشهد العالم في الآونة الأخيرة ظواهر جوية قاسية، منها أسوأ فيضانات في وسط أوروبا منذ عقدين وإعصار في الولايات المتحدة أودى بحياة العشرات، ويُعزى ذلك -حسب الخبراء- إلى تغيّر المناخ الناتج عن النشاط البشري، الذي يزيد من تكرار الظواهر الجوية المتطرفة وشدّتها.

من جانبه، أكّد تقرير حديث صادر عن البنك الدولى أنّ “الارتفاع الحالي في درجات الحرارة يتسبّب بالفعل فى حدوث ظواهر مناخية حادة وأكثر تواترا وشدة، بما فى ذلك موجات الحر ونوبات الجفاف وحرائق الغابات والأمطار الغزيرة والعواصف الشديدة والفيضانات”.

 وشدّد البنك على أنّ تلك الظواهر المناخية تلحق ضررا بصحة البشر والاقتصادات والنظم الأيكولوجية، وأنّ المجتمعات المحلية الضعيفة والسكان المُعرَّضون للمعاناة هم الأكثر تضرّرا.

وحسب التقرير ذاته، فقد انحرف العالم عن المسار الصحيح لتحقيق هدفه المتمثل فى الإبقاء على ارتفاع متوسط درجات الحرارة العالمية في حدود 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية بنهاية القرن.

وتعتبر إنغر أندرسن، المديرة التنفيذية لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، أنّ “المناخ تغيّر حول العالم، وخاصة بالبلدان الأكثر فقرا وضعفا”.

وتضيف: “المجتمعات مهدّدة بشكل حقيقي من عواقب تغيّر المناخ، في حال لم يتم اتخاذ إجراء عاجل، ولا يوجد أيّ عذر للعالم لعدم التعامل مع ذلك بجدية الآن”.

احترار يفوق المعدّلات العادية والتحرّك ضروري

تؤكّد تقارير أممية أنه في حال استمرار التأخير في اتخاذ الإجراءات اللازمة، من المحتمل أن يتجاوز العالم 1.5 درجة مئوية من الاحترار قريبًا، وقد يصل إلى زيادة كارثية تتراوح بين 2.6 و3.1 درجة مئوية، وفقًا لما نشرته أخبار الأمم المتحدة.

وحذّر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في كلمته خلال قمّة “كوب 29″، من أنّ “أزمة المناخ أصبحت واقعا ملموسا”، مؤكّدا “أهمية التحرّك السريع لمواجهة الكوارث الجوية المتطرفة التي يشهدها العالم..”.

 وأضاف غوتيريش أن “هذه الكوارث تشكّل “مأساة إنسانية” تهدّد صحة الناس، وتزيد التفاوت بين الدول، وتؤثّر سلبًا في التنمية المستدامة، كما تزعزع السلام في العديد من المناطق”.

وشدّد غوتيريش على ضرورة أن يتم الوقوف على سبب الأزمة: الغازات التي تسبّب في الاحتباس الحراري.

العالم تأخّر في تقديم حلول

وتعليقا على مؤتمرات المناخ، يعتبر حمدي حشاد المهندس البيئي المختص في الشأن المناخي، أنّ “العالم ما يزال متأخّرا في مجال إيجاد حلول لإشكالات التغيرات المناخية ومخاطرها”.

 وقال حشاد في تصريحه لبوابة تونس، إنّ “قمم المناخ التي تنعقد بشكل سنوي منذ 30 عاما أصبحت آلية أممية ودبلوماسية لإهدار الوقت والمماطلة في تطبيق الالتزامات المناخية في وقت تتزايد فيه المخاطر”.

واعتبر المختص في الشأن المناخي أنه “لا يوجد التزام دولي جدي يهدف إلى تطبيق سياسات مناخية قد تفضي إلى نتائج مجدية على أرض الواقع، مع ما يشهده العالم من تصاعد للمخاطر المناخية والكوارث الطبيعية”.

وأشار حشاد إلى أنّ “الأمور تتّخذ منحى سلبيا مع تفاقم مخاطر التغيّرات المناخية ومضارها، وأنّ الإجراءات المتخذة غير قادرة على التغيير “.

وشدّد على أنّ “العالم بات مهدّدا بجملة من الكوارث الطبيعية، على غرار الجفاف وارتفاع درجات الحرارة فوق المستويات العادية والأعاصير والعواصف والفيضانات”.

وذكّر المهندس البيئي بأنّه “تم يوم 22 جويلية تسجيل أعلى درجة حرارة بكوكب الأرض 17.18 درجة وهو ما ينبئ بالخطر البيئي القادم”.

ودعا حشاد إلى “ضرورة اتخاذ إجراءات جدية وضخّ استثمارات ضخمة في مجال الاعتماد على الطاقات المتجدّدة وتوجيه الاقتصاد ليصبح ذا كربون مخفض”.

وشدّد في السياق ذاته على “دور الدول الصناعية الكبرى وقدرتها على تقديم تأثيرات ملموسة في مجال التغيّر المناخي”.

ولفت حشاد إلى أنّ “قضايا المناخ في تونس مطروحة بشكل إداري فقط وكنا طالبنا بطرحها بطريقة تقنية عملية وهي مسائل تتطلّب إمكانيات وتمويلات”.

“مصلحة الدول الكبرى لا تسمح”

من جهته، اعتبر الأستاذ المبرّز في الجغرافيا والباحث في المخاطر الطبيعية، عامر بحبة، أنّ “مثل هذه القمم لن تفضي إلى نتائج مجدية لأن الدول الصناعية الكبرى، على غرار الولايات المتحدة الأمريكية والصين، لن تعمل على تخفيض انبعاثات الكربون المضر بالمناخ نظرا إلى تصدّرها قائمة الدول المصنعة، وهو ما سيكبّد اقتصادها خسائر فادحة”.

ولفت بحبة إلى أنّ الغلاف الجوي الذي يزوّد المخلوقات الحية بالهواء النقي للتنفّس تضرّر كثيرا من مثل هذه الانبعاثات الغازية وأنه يتطلّب سنوات عديدة حتى يتخلّص من الشوائب طالته بفعل النشاط البشري منذ الثورة الصناعي.

وترتبط الآثار المجتمعة لتلوث الهواء المحيط وتلوث الهواء داخل المنزل بـ6.7 ملايين حالة وفاة مبكرة سنويا، وفق تقارير أممية.

وأشار الباحث في المخاطر الطبيعية إلى أنّ “تزايد وتيرة الفيضانات من جهة ووتيرة الجفاف في الجهة المقابلة منذ نحو 30 عاما أصبح يهدّد مختلف دول العالم دون استثناء بغض النظر عن الطبيعة المناخية لكلّ بلد”.

وبحديثه عن تونس قال المختص إنّ “منطقتنا لها ارتباط كبير بمرتفع آسور الذي يحدّ من الضغوط الجوية ومنخفض إيسلاندا الموجود بشمال الأطلسي”.

وأوضح أنّ “منخفض إيسلاندا هو المسؤول عن كميات الأمطار المؤدية إلى فيضانات بعبوره أوروبا وصولا إلى بلدان شمال إفريقيا تزامنا مع وجود مرتفع آسور في المحيط الأطلسي”.

وأكد أنّ “2024 ستكون الأعلى من حيث درجات الحرارة المسجّلة في العالم على الرغم من اتسام سنة 2023 أيضا بموجة حرارة عالية رافقتها حرائق بمختلف الغابات”.

ولفت إلى أنّ “أكثر البلدان العربية لم تعرْ أهمية للمشاكل المناخية”، مرجعا ذلك إلى الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي تمر بها أغلب تلك البلدان.

اشترك في قائمتنا البريدية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد مباشرة.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *