جنات بن عبد الله
أثار قرار مجلس إدارة البنك المركزي التونسي الصادر عن اجتماعه الدوري المنعقد يوم الأربعاء 30 جويلية 2025، بإبقاء نسبة الفائدة المديرية في مستوى 7.5 بالمائة استغراب بعض الأطراف التي كانت تنتظر إقدام البنك على التخفيض بسبب دخول نسبة التضخم، التي استقرت في شهر جوان الماضي في مستوى 5.4 بالمائة مقارنة بشهر ماي، في منحى تنازلي ملحوظ منذ الأشهر الأخيرة.
أهم الأخبار الآن:
وقد ذهبت هذه الأطراف الى انتقاد السلطة النقدية ورأت في هذا القرار تجاهلا للوضع الاقتصادي الذي يتسم بالركود التضخمي محملة البنك المركزي جزءا من المسؤولية باعتبار ارتفاع نسبة الفائدة المديرية التي أثرت على الاستثمار والطلب الداخلي كمحركين للنمو الاقتصادي.
وترى هذه الأطراف أن مقاربة البنك المركزي وإبقائه على نسبة الفائدة المديرية دون تغيير ربما تعكس حالة شك بأرقام المعهد الوطني للإحصاء، هذه المؤسسة الرسمية المنتجة للمعلومة الإحصائية في البلاد. موقف يلتقي فيه البنك المركزي مع أغلب الشرائح الاجتماعية في البلاد التي لم تر تحسنا في مقدرتها الشرائية بل بالعكس ترى أن مقدرتها الشرائية في تدهور مستمر وأنها أصبحت عاجزة عن تأمين حاجياتها اليومية خاصة مع إصرار الحكومات على تجميد الأجور التي تحركت نسبيا هذه السنة نحو الارتفاع بقرار رئاسي اعتبرته غير كاف لامتصاص ارتفاع الأسعار.
وبالرجوع الى نشرية المعهد الوطني للإحصاء المتعلقة بنسبة التضخم لشهر جوان 2025 أقر المعهد بتواصل ارتفاع الأسعار مترجما ذلك في الجدول المتعلق بنتائج مؤشر أسعار المجموعات المكونة لقفة المواطن لشهر جوان 2025 ومؤكدا ذلك في الجدول المتعلق بنتائج مؤشر أسعار المواد المكونة لمجموعة التغذية. التفاصيل في هذين الجدولين ترصد ارتفاعا لأسعار جميع المجموعات وجميع المواد باستثناء مادتي البيض (تراجع ب 0.6 بالمائة) والزيوت الغذائية (تراجع ب 22.7 بالمائة).
الملفت في تحليل المعهد الوطني للإحصاء لنسبة التضخم أنه يرصد نسق ارتفاع الأسعار وليس ارتفاع الأسعار بما يعني أنه يتابع نسق سرعة ارتفاع الأسعار من فترة الى أخرى.
وبالنسبة إلى شهر جوان 2025 رصد المعهد استقرارا لنسق ارتفاع الأسعار بما يعني وجود مجموعات عرف نسق ارتفاع أسعارها ارتفاعا ومجموعات أخرى عرف نسق ارتفاع أسعارها تباطؤا أو استقرارا. ومن هذا المنطلق يقيم المعهد نسبة التضخم بنسق حركة الأسعار وليس بارتفاع أو تراجع الأسعار.
هذه المقاربة خلقت فجوة بين المعهد الوطني للإحصاء والمواطن الذي يعتبر أن نتائج المعهد لا تترجم حالة السوق ووضع مقدرته الشرائية.
في الأخير يقر المعهد الوطني للإحصاء بارتفاع الأسعار ولكن اختلافه مع المواطن يبقى في مستوى النسبة التي يعتبرها المواطن لا تترجم حقيقة السوق.
في المقابل، وبإقراره الإبقاء على نسبة الفائدة المديرية دون تغيير، يبدو أن البنك المركزي لا يقر بتراجع نسبة التضخم، رغم مستواها المرتفع مقارنة بما قبل 2011، وهو ما فسره في بيانه الصادر عن مجلس إدارته الذي أكد أن “زيادة حدة الضغوط التضخمية واستمرارها بأكثر من المتوقع والمتأتية من الأسعار الدولية للمواد الأساسية والأولية قد تؤدي الى تصاعد التضخم”. وأضاف ” أن المخاطر التصاعدية المحيطة بمنحى التضخم لا تزال قائمة”.
مقاربة تحليل البنك المركزي لوضعية التضخم تختلف عن مقاربة المعهد الوطني للإحصاء وذلك بناء على مهمة كل مؤسسة. ففي الوقت الذي يقتصر فيه دور المعهد الوطني للإحصاء على رصد راهن حركة الأسعار دون تحليل ولا تقييم، تستند مقاربة البنك المركزي الى سياسة استباقية تأخذ بعين الاعتبار الأوضاع العالمية وتقلبات الأسعار في الأسواق العالمية وحركتها في المستقبل، مثلما تعتمد مؤشرات الوضع الداخلي وتطورها.
من هذا المنطلق، وباعتبار تبعية اقتصادنا للخارج في تأمين حاجياتنا الأساسية والمواد الأولية والمصنعة ونصف المصنعة الى جانب الطاقة، وهي مواد تبقى أسعارها خاضعة لعوامل إقليمية وعالمية، ترشح المستجدات بتواصل التوترات والصراعات بما يجعل الأسواق العالمية تعيش تحت وطأة تهديدات هذه التوترات.
أما في المستوى الداخلي، فإن الاقتصاد لا يزال يمر بمرحلة ركود، رغم إقرار البنك المركزي بوجود بوادر انتعاش تدريجي. هذا الانتعاش لا يزال في تقديرنا ضعيف ولا يمكنه خلق ديناميكية داخلية قادرة على امتصاص تداعيات الوضع الخارجي.
من هذا المنطلق جاء قرار مجلس إدارة البنك المركزي بعدم التخفيض في نسبة الفائدة المديرية رغم استقرار نسبة التضخم في شهر جوان 2025. قرار لا يتناقض مع معطيات المعهد الوطني للإحصاء ويتناغم مع التحديات الخارجية والداخلية.
صواب هذا القرار لا ينفي التأكيد على أن نسبة الفائدة المديرية في تونس تبقى جد مرتفعة، وهو ما يؤشر الى تواصل حالة الركود التضخمي في البلاد.



أضف تعليقا