البريد ... جسر التواصل الإنساني الذي اختزل المسافات وحول العالم إلى قرية كونية
tunigate post cover
ثقافة

البريد ... جسر التواصل الإنساني الذي اختزل المسافات وحول العالم إلى قرية كونية

سنتمترات قليلة هي حجم طابع تحول إلى تأشيرة تواصل بين الشعوب تختزل الحدود ...
2021-10-09 16:59

قد لا يصدق البعض أن خدمات البريد في الولايات المتحدة قبل أكثر من 100 سنة لم تكن تقتصر على نقل الرسائل والطرود، بل شملت كذلك الأطفال مقابل معلوم للطوابع البريدية لا يتجاوز 45 سنتا في أقصى الحالات أي أقل من دولار واحد، يتكفل بموجبه ساعي البريد بنقل الأطفال المرسلين على مدى مسافات تناهز مئات الأميال أحيانا داخل الولايات الأمريكية إلى منازل أقاربهم.

هذه التفاصيل الخارجة عن المألوف تسلط الضوء على حقبة تضمنت وقائع حقيقية تزامنا مع تفعيل خدمة نقل الطرود بمؤسسة البريد الأمريكي سنة 1913، التي استغلها عشرات الآباء “لشحن” أبنائهم بتكلفة أرخص من تكلفة سفرهم عبر القطار.

تمثل هذه القصة على غرابتها جانبا من تاريخ البريد وأرشيفه الدولي والإنساني الذي يحتفل في التاسع من أكتوبر/تشرين الأول من كل عام بيومه العالمي، تخليدا لذكرى تأسيس الاتحاد البريدي العالمي سنة 1874 بالعاصمة السويسرية برن.

تأشيرة تواصل بين الإنسانية

أسهم البريد الحديث منذ ظهوره للمرة الأولى في اختزال المسافات وتحويل العالم إلى قرية كونية مترابطة، بفضل دوره المحوري في تقريب السبل وتسريع عملية نقل الخطابات والرسائل عبر مختلف أنحاء العالم واختزال الآجال إلى أيام معدودة، بفضل تطويع وسائل النقل الحديث من السكك الحديدية والبواخر البخارية ثم الطائرات لاحقا.

تحول البريد إلى جسر حضاري يربط قارات العالم ويختزل الحدود والمسافات، على مساحة لا تتجاوز بضعة سنتمترات وهي حجم الطابع البريدي الذي أصبح بمثابة تأشيرة تواصل بين الإنسانية.

ويرجع الفضل إلى البريد في ظهور عادات وممارسات اجتماعية جديدة أشهرها هواية جمع الطوابع البريدية من كل أنحاء العالم، والتي أصبحت تجسد لجامعيها فسيفساء حضارية متنوعة ومدخلا للتعرف على الشعوب الأخرى وثقافاتها.

كما ازدهرت ظاهرة التعارف بالمراسلة، بفضل انتشار الصحف التي ابتدعت ركنا للتعارف بين قرائها حول العالم وتحولت إلى ثقافة عالمية.

صورة ساعي البريد

أصبحت ظروف البريد في زمن وجيز خلال القرن 19 والعقود الأولى من القرن الماضي بمثابة قنوات وجسور للتواصل والود والتعارف، تحول معها سعاة البريد بزيهم الرسمي الكلاسيكي إلى سفراء للود بين الأحبة والعشاق والعائلات، يحملون بين أكياسهم وصناديقهم بشائر وأخبارا عن الغائبين الذين فرقتهم المسافات.

أطلق البعض على البريد تسمية “حمام العصر الزاجل”، في استحضار لأسلوب التواصل الذي كان منتشرا طوال قرون باستخدام الحمام الزاجل لنقل المعلومات والأخبار، فيما تحولت صورة ساعي البريد إلى رمز رومانسي وأسطورة ملهمة للأدباء والشعراء، باعتباره رسولا للمحبة يخفي بين ظروفه سطورا مغلفة بالشوق والعشق والمشاعر الجياشة.

لم تقتصر صورة ساعي البريد الكلاسيكية في رمزيتها التواصلية على نقل رسائل العشاق والمغتربين وتقريب المسافات، بل تجاوزتها نحو أدوار اجتماعية وبطولية ضمنها بعض الكتاب والمؤلفين في رواياتهم، كما حولها صناع السينما إلى أعمال ملحمية وفنية ناجحة.

ولعل أشهر الأعمال السينمائية  التي تمحورت حول ساعي البريد ودوره الذي يتجاوز توصيل الرسائل نحو مهام أكثر عمقا وتأثيرا في بيئته ومجتمعه، الفيلم الأمريكي “ذا بوست مان” المستوحى من رواية للكاتب دافيد برين، ولعب دور بطولته الممثل كيفن كوستنر مجسدا شخصية ساعي بريد “أوصل رسالة أمل تبناها جيل جديد” لإعادة توحيد أمته وبلاده المفككة بعد الحرب.

“آلبوستينو” وهي التسمية الإيطالية التي تطلق على ساعي البريد، يعد أيضا عملا سينمائيا إيطاليا أنتج منتصف التسعينات، وتدور قصته في إطار رومانسي عن التأثير الاجتماعي لساعي البريد في المجتمعات العصرية.

تحصل الفيلم الإيطالي الذي تقمص دور بطولته الممثل الفرنسي فيليب نورييه على عدد من التتويجات الدولية، أهمها جائزة أماندا لأفضل فيلم أجنبي روائي طويل، كما حصد جائزتي أوسكار عن أفضل موسيقى تصويرية وأفضل سيناريو.

التحديات المعاصرة  

في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم عرف البريد تحديات كبرى فرضت عليه تنويع مجال خدماته، نتيجة المنافسة الشديدة التي فرضتها وسائل الاتصال الحديثة ومنصات “السوشيال ميديا” ومحركات البحث العملاقة والبريد الإلكتروني.

حافظ البريد التقليدي اليدوي على خدمته رغم تراجعها وانكماش حجم معاملاتها المالية، مقابل تطوير خدمات نقل الطرود والبضائع بشكل سريع بين البلدان في ساعات قليلة، أما الرسائل الشخصية التي كان ينقلها ساعي البريد فقد أضحت في تراجع مستمر ولم تعد تتجاوز بضع عشرات من الظروف، تجسد محاولات بعض المخضرمين الحفاظ على روح التراسل العتيقة.

غابت رسائل العشاق وسطور المحبة وأمل الوصل عن أكياس السعاة، التي أصبحت محملة بالفواتير والرسائل البنكية والوثائق الإدارية التي ما تزال تعتمد على صناديق البريد.

لم تعد “البوسطة” وهي التسمية المتداولة بين شعوب الوطن العربي إلى مرسال بين الأحبة والمغتربين، بعد أن خيم عليها شبح التكنولوجيا وشوه روحها الأصيلة لتصبح أداة لتوصيل فواتير الكهرباء والمياه، والبلاغات الرسمية والتنبيهات البنكية وغيرها مما يذكر الناس بصعوبة الحياة العصرية. 

اعمال فنية#
الرسائل#
اليوم العالمي للبريد#
تقريب المسافات#
ساعي البريد#

عناوين أخرى