البرامج الثقافية في القنوات التونسية.. هل هي عجلة خامسة؟

البرامج الثقافية في القنوات التونسية.. هل هي عجلة خامسة؟

صابر بن عامر

على قلتها تعوّد المشاهد التونسي على متابعة البرامج الثقافية، في القنوات التونسية بصنفيها العمومية والخاصة، إما خارج أوقات ذروة المشاهدة التلفزيونية، فتأتيه مواعيدها في الهزيع الأخير من الليل، أو وقت الظهيرة، سيما بين أشواط المباريات الرياضية.

وفي حالات قليلة في زمن ذروة المشاهدة التلفزيونية، متى ضاقت مساحة التعبير في الشأن السياسي والاجتماعي، لتظهر هذه البرامج كبديل “استراتيجي” عن الخوض في الشأن العام (برامج التوك شو الحوارية خاصة)، فهل قدر هذه البرامج أن تكون عجلة خامسة؟ أم أنّ المشاهد التونسي لا يحبّذها؟

بوّابة تونس فتحت ملف البرامج الثقافية على القنوات التونسية، مواقيتها وإكراهاتها، فكان هذا التحقيق.

محمد مومن: طريقة صنع البرامج الثقافية وتقديمها منفّرة للمُشاهد

في الخصوص يقول الناقد المسرحي محمد مومن: “إنّ الإهمال الذي تواجه به وسائل الإعلام التلفزيونية الثقافة لمن الشؤون التي أصبحت مع مرّ الأيام والأعوام لغزا لا يكاد يُفهَم أو يُفسَّر، فهناك ما يشبه التجاهل أو التناسي الغريب للمادة الثقافية، وكأنّ بلادنا بلا ثقافة”.

ويسترسل مومن، متسائلا: “هَبْ أننا بلا ثقافة قادرة على أن تعبّر عن واقع وطموحات هذا الشعب وآماله في الرقي والتقدم الحضاري، والتطلع إلى الحياة الأفضل، فما الذي يشرّع “سكوت” التلفزات والقنوات عن ظواهر هذا الغياب الثقافي؟”.

وهنا يجيب الصحفي التونسي الناطق بالفرنسية: “أليس من دورها أن تلفت الأنظار عن هذا الغياب وأن تدينه وتتجنّد للتنديد به صباحا مساء ويوم الأحد، إلّا أنها في المقابل، تظلّ صامتة دون تفسير لهذا الغياب”.

وهو يرى في صمتها جريمة موصوفة في حق المجموعة الوطنية، خصوصا أن لها ضلعا، بل قل هي السبب الأول في هذا التصحر الثقافي الذي نعاينه في تلفزات هذا البلد، وفق توصيفه.

ويشدّد مومن على أنّ “همها، كل همها منصرف إلى اللهاث المجنون نحو نِسَبِ المشاهدة بجميع الطرق، ممّا جعلها تنأى وتبتعد يوما بعد يوم عن البرامج التي يمكن أن نشاهد فيها مظاهر الثقافة المنعوتة بـ”الدسمة”، والتي هي في الأصل كل ما اتصل بالمواد الفكرية والإبداعية والفرجوية المهمّة والنافعة المفيدة”.

ويشرح: “أعني هنا كل تلك الإنتاجات والأعمال والإبداعات التي تخاطب ذكاء المتفرج التونسي، ولا تقبل أبدا أن تنزل إلى نزواته وطلبات بعضهم الرخيصة التي يحبذها من باب الكسل”.

ويؤكّد الناقد المسرحي: “هذا الكسل والفرار من المشاهدة الجيدة المغذية ليس ممّا هو معطى، وإنما هما نتيجة صناعة التفاهة التي تجدّ وتجتهد “تلفزاتهم”، ولا أقول “تلفزاتنا”، لأنها ليست مني ولا أنا منها، في تنميتها؛ وذلك بلا شعور بمسؤولياتها التاريخية والحضارية وحتى (وببساطة) المهنية”.

ويحمّل مومن المسؤولية في كل ما سبق لأصحاب التلفزات وصناع برامجها، قائلا: “هم الذين يعملون ويسعون إلى جعل المتفرج يكره ولا يحب بتاتا كل ما هو برنامج ثقافي في التلفزة التونسية، مهما كان نوعية محتواه، وفي أيّ كان مجاله من مجالات الآداب والفنون”.

ويتساءل مستنكرا: “أتدرون لماذا؟ لأنه يجلب الضجر والسأم منذ صوره الأولى، فمن الضروري أن نظيف إلى سلسلة الأسباب المنفِّرة الطرق التي تصنع بها البرامج الثقافية، فهي تتّسم كلها بقلة المعرفة التقنية وتفتقر إلى الخيال الذي من شأنه أن يحبّب مشاهدة البرنامج الثقافي التلفزيوني إلى مشاهده”.

ويختم محمد مومن تصريحه لبوابة تونس، بقوله: “طريقة صنع هذا الصنف من البرامج لا ترتقي إلى اللحظة المهنية والتقنية التي يعيشها العالم في مجال الاتصالات والفرجة أو المشاهدة التلفزيونية في العالم”.

ويشدّد: “فنحن في “ما قبل تاريخ” صناعة البرامج التلفزيونية، ثم يدّعون أنّ البرنامج الثقافي لا يتمتّع بإقبال من قِبَلِ المتفرج التونسي، وهو تبرير لرداءتهم التي أضحت مخجلة وخارجة عن التاريخ”.

ويصرخ خانقا: “فأيّ عار هذا، وحقا، لم يكذب من وصّف جلّ إعلامنا التلفزيوني بـ”إعلام العار”.

أسماء بن دالي: فصل الثقافي عن الجماهيري تصوّر يحتاج إلى مراجعة

في المقابل ترى الكاتبة والباحثة البيداغوجية أسماء بن دالي: أنه لا يمكن اختزال مكانة البرامج الثقافية في القنوات التونسية في كونها “عجلة خامسة”.

وشدّدت بقولها: “هذا توصيف يُغفل تعقيد علاقة المتلقي بالتلفزة وبالمعرفة في زمن تغيّرت فيه أنماط الاستهلاك الإعلامي”.

وتواصل: “المشكل لا يكمن في رفض المشاهد التونسي للثقافة، بل في السياق الذي يُقدَّم فيه المحتوى. فجزء من الخطاب الإعلامي اليوم أصبح خاضعًا لمنطق الإثارة السريعة، والبحث عن “البوز” (الفرقعة الإعلامية) والتوتر داخل بعض البلاتوهات، حتى عندما يتعلق الأمر بمواضيع ثقافية”، وهو “ما يضعف تلقّي الرسالة ويخلق مسافة بين المشاهد والمحتوى”، وفقها.

ومن زاوية بيداغوجية، ترى بن دالي أنّ المتلقي لا يرفض المعرفة، لكنه يتأثر بكيفية تقديمها.

وتسترسل موضّحة: “فحين تُقدَّم الثقافة في إطار صدامي أو متسرّع أو غير متوازن، يتمّ إضعاف قيمتها التواصلية، وقد يشعر المشاهد بنوع من النفور لا من الثقافة نفسها، بل من طريقة عرضها”.

كما أنّ فصل “الثقافي” عن “الجماهيري” ما يزال قائمًا في جزء من البرمجة، وكأن الثقافة لا يمكن أن تكون ممتعة أو قريبة من الحياة اليومية، وهذا تصوّر يحتاج إلى مراجعة، وفق تقدير بن دالي.

لذلك، ترى أنّ المشكلة في “عزوف” المشاهد، بل في نمط الإنتاج الإعلامي الذي لا يساعد دائمًا على خلق علاقة طبيعية بين الجمهور والمحتوى الثقافي.

وتخلص الباحثة التونسية إلى أنّ “البرامج الثقافية ليست عجلة خامسة، بل هي مرآة لطريقة تفكيرنا في الثقافة داخل الإعلام: هل نريدها معرفة حيّة وجاذبة، أم محتوى هامشي يُقدَّم في الفراغات الزمنية؟”، تتساءل أسماء بن دالي.

عامر بوعزّة: في زمن الإنترنت باتت البرامج الثقافية لا يشاهدها إلّا من يقدّمها

أما الكاتب الصحفي عامر بوعزّة، فيقول: “للإجابة بموضوعية لا بد من تحديد مفهوم (البرامج الثقافية) بدقة، فالقول إنّ هذه البرامج تبث خارج أوقات الذروة، يؤكّد أننا نتحدث عن البرامج الأدبية والفكرية التي تتناول قضايا الفكر والحضارة والفلسفة، وهي عادة ما تكون برامج فقيرة بصريا وأقرب إلى البرامج الإذاعية، وخالية من الأشكال الصحفية (حوار أو مائدة مستديرة)، ومن هذا المنطلق فبرمجتها في توقيت متأخر أمر عادي ومعمول به في كل قنوات العالم المنوّعة، حيث تخضع المواد إلى سلم الأولويات لدى المتقبل وتعتبر هذه البرامج نخبوية”.

ويسترسل: “لدينا إشكالان حقيقيان هنا: القول إنّ هذه البرامج نخبوية (أي جمهورها قليل) ليس تعلّة لعدم الاهتمام بجودتها وعمقها وقيمتها التوثيقية، لأنها تتطلب كاريزما حقيقية، وهي عادة ما ترتبط باسم مقدّمها برنارد بيفو، فرج شوشان، زاهي وهبة، واسيني الأعرج، كمال الرياحي، بروين حبيب.. إلخ”. تجارب، وصّفها بوعزّة بالناجحة والمميزة.

ويتابع: “ليس هناك إشكال في توقيت بثها، خاصة في زمن الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.. ومشكلتنا الحقيقية اليوم أنّ هذه البرامج إن وجدت عندنا، فلا يشاهدها إلّا من يقدّمها، ولا أثر لها لا في الواقع ولا في الساحة، وإذن فهي إهدار للمال العام”.

ويؤكّد بوعزّة: “يخطئ التلفزيون دائما حين يعتقد أنه يكفي تكليف أستاذ جامعي بتقديم برنامج ثقافي ليكون البرنامج ناجحا، للتلفزة مقتضيات غير أكاديمية بالضرورة وأفضل البرامج أنتجها أشخاص لم تطأ أقدامهم الجامعة يوما!”.

أما الإشكال الثاني، من وجهة نظر بوعزّة، “فيكمن في اقتصار المبرمجين على اعتبار هذا النوع من البرامج فقط هو (البرامج الثقافية)، بينما كل ما يقدّمه التلفزيون ثقافة، والعبارة شاملة لمختلف الفنون، وإن كانت فلسفيا وأنثروبولوجيا تشمل كل مناحي الحياة الإنسانية”.

وهنا يتساءل: “لماذا لا نصنف منوعات نجيب الخطاب التي قدّمها التلفزيون في الثمانينات والتسعينات برامج ثقافية؟ لا سيما من جهة العلاقة التفاعلية التي أقامتها مع الساحة الثقافية، من زاوية النظر هذه، فإنّ برامج “التوك شو” التي غمرت قنواتنا هي برامج ثقافية أيضا، لكنها تميل إلى الثقافة الضحلة التي هي عادة ثقافة الفرجة، ولا تغوص بعيدا في ما وراءها من عمق فكري”.

ويسترسل: “كما أنها تعتمد أساسا “الصحافة الجالسة” والتعاليق الإذاعية، وإهمال عنصر الابتكار والتجديد في مستوى الصورة، وتعفي نفسها في الغالب من المسؤولية المجتمعية”، منتهيا بالإقرار أنه لم ينجح في هذا السياق سوى برهان بسيس بتجربة “تحت السور” التي كانت مادة ثقافية ممتازة، وفق تقديره.

اشترك في قائمتنا البريدية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد مباشرة.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *