فوزي الصدقاوي
طرح الإشكال المتعلّق بالانتقال الديمقراطي، من زاوية مدى علميّة وصلاحية المقاربات “الثقافوية” والاستعمارية في تفسير ديناميّة التغيير، يكتسي مستوى من التدقيق النظري والتاريخي يجعل مراجعة عزمي بشارة تتوغل في إثارة أسئلة جوهريّة حول ما إذا كانت الديمقراطية ثقافة حصريّة لشعوب شمال غرب أوروبا؟ وإذا ما كان الإرث الاستعماري البريطاني يملك ميزة تفضيلية في إرساء التعددية مقارنة بغيره؟ وكيف يتداخل وعي الفاعلين السياسيين (النخب) وخياراتهم مع المتطلبات البنيوية والاقتصادية في حسم مصير الانتقال؟ لا سيما أن المقاربات المركزية الغربيّة هذه ظلت تدّعي أن الثقافة الإسلامية ثقافة ممانعة للديمقراطيّة.
يرى روستو أن نشوء الديمقراطية يبدأ من أزمة ومن نشوء صراع في دولة مستقرة يتعذر حلّه، فتقبل القوى الرئيسية (حتى لو لم تكن ديمقراطية) بتسوية وإجراءات لا يربح فيها طرف كل شيء ولا يخسر الآخر كل شيء، تليها مرحلة “التعويد”، وأن هذا النشوء لا هو حتمي ولا هو يتعلق بشروط مسبقة.
أمّا ليبسيت فقد أعطى من جهته، الثقافة السياسية وزنا أكبر من الاقتصاد مستشهدا بنكوص ديمقراطيات في العشرينيات والسبعينيات، وبصعود الفاشيين والشيوعيين في انتخابات روسيا (1993) لغياب ثقافة حاضنة بعد التحول الحاد. وقد ذهبت به نزعته الثقافوية إلى الاعتقاد أن ”الحرية السياسية غريبة عن الإسلام”، لكن ليبسيت يحاول مع ذلك الجمع بين شروط التنمية الاقتصادية (التي لا يمكن الاستغناء عنها كمتطلبات اكتساب الشرعية في البلدان الفقيرة) وبين المقاربة الإرادوية التي تختتم بأن مآلات الديمقراطية تعتمد بدرجة كبيرة على خيارات القادة وتكتيكاتهم وسلوكهم. واعتبر المحافظون في أطروحاتهم أنّ الديمقراطية نمط حياة طبيعي وحصري لشعوب شمال غرب أوروبا وامتداداتها الاستيطانية، وأن الارث الاستعماري البريطاني هو المتغير الأكثر إيجابية في دعم الديمقراطية لكونه يمنح النخب المحلية فرصة “الإدارة الذاتية والمؤسسات البرلمانية”.
ولعل ما دفع بـ”دال” و”هنتنغتون” و”موينيهان” في السبعينيات والثمانينيات إلى حالة من التشاؤم واعتبار الديمقراطية “بقايا شكل حكومة آفل”، هو اعتقادهم أن النظريات تعجز بهذا الشأن عن التنبؤ، لكن إصلاحات غورباتشوف (البيريسترويكا والغلاسنوست) والقفزة الاقتصادية وثورة الاتصالات العالمية أعادت الوهج لنظرية التحديث ونشرت الديمقراطية في أوروبا الشرقية.
كان النقاش حول دور الثقافة، والدين، والإرث الاستعماري ومدى توجيهها لمسارات الانتقال الديمقراطي، قد أدى بـ: عزمي بشارة إلى نقد للمقاربات المركزية الغربية مع تأكيده أن نصوص الأديان لا تحكم سلوك البشر السياسي تلقائيا، بل تحكمه أنماط التديّن المشروطة بالبنى الاجتماعية وسياقات التحديث والعلمنة. كما ينقض بشارة فرضية التفضيل الاستعماري البريطاني مستشهدا بنجاح تونس (الفرنكوفونية) بعد عام 2011 والذي استمرّ فيها المسار الانتقالي عشر سنوات قبل أن يُرتب للتجربة انقلاب إقليمي (الإمارات، السعودية، مصر، الجزائر، إيطاليا)، أما مصر (الأنجلوفونية)، فلم تُمـنح سوى سنة واحدة من زمن الانتقال الديمقراطي، قبل أن يتم وأدها من قبل العسكر. ويخلُص بشارة إلى أنّ كثافة المتغيّرات وعشوائية التحولات التاريخية (كالانهيار السوفياتي وثورة الاتصالات) تثبت عجز العلوم الاجتماعية عن صياغة معادلة حتمية أو تنبؤية عامة للدمقرطة، وبناءً عليه، يتهافت ادّعـاء “الاستثناء العربي” لانتفاء وجود “القاعدة الكونية” أصلا.
وعزمي بشارة الذي يخوض سجالاً نقديا وتفكيكيا صارما ضد المقاربات الثقافوية والاستعمارية، يرفض مقولة ليبسيت والمستشرقين التي تتبنى كون الحرية غريبة عن الإسلام، موجها سؤالا عكسيا نقضيا: “أليست الحرية غريبة عن التوراة اليهودية والنصوص الدينية المسيحية؟”، موضحا أن الديمقراطية لم تكن نمط حياة طبيعيا في أي مكان في العالم قبل نشوئها تاريخيا. كما يختلف مع أطروحة ماكس فيبر (وأوردها ليبسيت) حول حصرية البروتستانتية للتحديث، ويرى أن سلوك البشر لا تحدده النصوص المقدسة بل أنماط ممارسة الدين (التدين) التي تصيغها البنية الاجتماعية ونظام الحكم؛ فقد ينشأ تديّن شبيه بالكالفنية البروتستانتية في الإسلام في ظروف معينة. ويذهب عزمي بشارة في معرض هذه المناقشات، إلى أن نجاح الديمقراطية رهين نوع “العلمنة” التي تمر بها البلاد (المعرفية والسياسية)، محذرا من أن فرض العلمنة من أعلى بشكل قسري يؤدي إلى إنتاج أنماط تديّن رافضة للتحديث وعرضة للانقياد للأيديولوجيات الرافضة للديمقراطية.
وينسف بشارة تعميمات لويس وليبسيت وهو يسوق دليلا واقعيا حديثا، باعتبار أن طبيعة “هويّة المستعمر” لها أهميّة في تنمية الانتقال الديمقراطي ودعمه، فحجم النجاح “النسبي” للانتقال الديمقراطي بعد ثورات 2011 تحقّق في تونس (التي خضعت للاستعمار الفرنسي)، بينما فشل الانتقال في مصر (التي خضعت للسيطرة الاستعمارية البريطانية)، وهو ما يعكس تماما المقولة الرائجة ويثبت أن طبيعة البلد نفسه وسياقاته هي الحاسمة وليس هوية المستعمر. لكن عزمي بشارة يخلص في نهاية التحليل بعد تفكيك تلك الأطروحات ذات الحميّة المركزيّة الأوروبيّة إلى أن كثرة المتغــيرات هي المسؤولة على شلّ القدرة على وضع “معادلة عامة للتنبؤ بنشوء الديمقراطية”، وبما أنّه لا توجد قاعدة أصلية عامة للتحوّل (بدليل تقلب تشاؤم المنظرين أنفسهم وتفاؤلهم تجاه المعسكر السوفياتي وغيره)، فإنّـه من الخطإ علميا ومن غير الجائز “الحديث عن استثناء عربي في الانتقال إلى الديمقراطية، لأنّـه لا توجد قاعدة أصلا” ليصبح العرب استثناءً منها.
ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
(*) عزمي بشارة، الانتقال الديمقراطي وإشكالياته، دراسة نظريّة وتطبيقيّة مقارنة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، بيروت، 2020.



أضف تعليقا