رأي عالم

“الاستيطان الإحلالي”.. حرب إسرائيل الصامتة على “أرض فلسطين”

محمد بشير ساسي

منذ إعلان إسرائيل “حرب الإبادة الجماعية” على غزة ردّا على عمليّة طوفان الأقصى المــُزلزلة التي نفّذتها المقاومة في السابع من أكتوبر 2023 على “مستوطنات غلاف غزة”، انشغل العالم بـوحشيّة الاحتلال في القتل والتجويع والتهجير والتدمير في “القطاع المنكوب”، لكن لا أحد كان يدركُ حجم “الخطر” المحدق بالضفة الغربية المحتلة بعد اغتنام حكومة بنيامين نتنياهو اليمينيّة الفرصة لتحويلها إلى “ساحة مواجهة صامتة ” أين تُحكم قبضتها الاستيطانية وتسرّع مشاريع التوسّع على الأرض.

معتقلو 25 جويلية

تحذيرات قوية

لكن مع مرور الوقت وفي ذروة الانتقام الوحشي لقوّات الاحتلال الإسرائيلي من المدنيين العزل في غزة، تعالت الأصوات في كلّ مكان لتفضح مخطّط توسيع “المشروع الصّهيوني” لتهجير الفلسطينيين وتطهيرهم، وقد بات وفق عديد المحللين، أعقد تحدٍ يواجه الشعب الفلسطيني منذ نكبة ـ1948.

فقبل أشهر صدحَ رئيسُ الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت بصوته محذّرا في مقال له بصحيفة “هآرتس” من أن غزة “مجرد فصل تمهيدي” في مخطط “الــعصابة”  لـ”تطهير” الضفة الغربية المحتلة من الفلسطينيين وتفريغ جبل الهيكل – في إشارة إلى المسجد الأقصى – من المسلمين وضمّ الأراضي الفلسطينية إلى إسرائيل..

ومن داخل الكيان أيضا دقّت منظمة “السلام الآن” غير الحكومية الإسرائيلية ناقوس الخطر، مؤكدة في تقرير صادر بداية العام الحالي أن الضفة الغربية تشهد طفرة بالنشاط الاستيطاني منذ بدء الحرب على قطاع غزة، إثر الارتفاع غير المسبوق بعدد المستوطنات العشوائية والطُرق الجديدة المقامة للمستوطنين.

وأشار التقرير إلى أن المستوطنين يواصلون سيطرتهم على المنطقة (ج) في الضفة الغربية، التي تشكل 60% من مساحتها، وهو ما يزيد في تهميش الوجود الفلسطيني هناك، لا سيما مع انتشار ظاهرة حواجز الطرق التي تمنع الفلسطينيين من الوصول إلى الطرق الرئيسية في الضفة.

كما سلطت 4 مؤسسات حقوقية إسرائيلية الضوء في تقرير تحت عنوان “القدس الشرقية في ظل الحرب” على ترويج إسرائيل خلال أشهر الحرب لخطط توسيع وإنشاء مستوطنات في القدس الشرقية من خلال بناء قرابة 7 آلاف وحدة سكنية، منها 2500 وحدة جديدة في كل من مستوطنات “جفعات شاكيد” و”القناة السفلية” و”كدمات تسيون”، في وقت ارتفعت فيه معدلات هدم منازل المقدسيين بادعاء بنائها دون ترخيص.

ووفقا للتقرير الحقوقي فإن 133 عملية هدم سُجلت في القدس منذ بداية الحرب حتى منتصف شهر مارس، و97 من المنشآت التي هُدمت كانت عبارة عن وحدات سكنية.

ودخلت منظمة الأمم المتحدة على خط التحذيرات القوية معتبرة توسيع المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة يرقى إلى جريمة حرب” بموجب القانون الدولي” وذكر المفوض الأممي لحقوق الإنسان فولكر تورك في تقرير من 16 صفحة أن عنف المستوطنين والانتهاكات المتعلقة بالاستيطان بلغ مستويات صادمة، ويهدّد بالقضاء على أي إمكانية عملية لإقامة دولة فلسطينية تتمتع بمقومات البقاء.

وأورد التقرير أيضا أن هناك زيادة كبيرة في الكثافة والشدة وتكرار عنف المستوطنين الإسرائيليين والحكومة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، خاصة منذ بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.

مسوغات دينية

  ولفهم الوضع بكل دقة في الضفة الغربية  وأرض فلسطين بشكل عام، حري بنا العودة إلى جذور عقيدة الاستيطان التي تعدّ عصـب الفكـر الصّهيونـي التوسـعي، والمحرك الأساسي للتصـور الاستعماري الإحلالي، الـذي قام عليه “الكيان المحتل”.

يختلـف الاستيطان الصّهيونـي عـن أشـكال الاستيطان الاستعماري الأخرى، إذ يسـتند فـي تبريراتـه إلـى مسـوّغات دينيـة وفكريـة، حيث تعتبر فكـرة “عـودة الشـعب إلـى أرض الميعاد وبنـاء “الهيـكل”، إحـدى مرتكـزات الحركـة الصّهيونيـة. ويمكـن القـول إن هذه الحركـة وظّفت الدين أداة لتحقيق أهدافها السياسـية، حيث تم الاستناد إلى نصوص توراتية وروايات تاريخية تدعّـم المزاعم الصهيونيـة الراميـة إلـى السـيطرة علـى أرض فلسطين.

وهنـاك مـن يـرى أن اسـتخدام الديـن ليـس مجـرد أداة لتحقيـق الأهداف السياسـية، بـل يعتبـر الأهداف الدينيـة والسياسـية وجهيـن لعملـة واحـدة يصعـب الفصل بينهما.

إن رؤى “أرض الميعاد” وتحشيد يهود العالم للهجرة إلى هذه الأرض، التي ينظر إليها صهيونيا أنها “الوطـن التاريخـي للشـعب اليهـودي”، يقتضـي اسـتمرار الاسـتيطان طـوال الوقـت، وقـوة أيديولوجيـة دافعـة للمشـروع الصهيونـي كلـه، وهـو أمـر يتـلازم بالضـرورة مـع عمليـة هـدم منظـّم، واسـتئصال أُسـس المجتمع الفلسـطيني وكيانـه، وتدميــر أعمدته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

اليهودية الأمريكية (Moment)

ففي حوار مع مجلة “مومِنت” أجاب الحاخام الصهيوني “مانيس فريدمان” حول الطريقة المثلى لتعامل اليهود بفلسطين المحتلة مع جيرانهم من العرب قائلا: “إن الطريقة الوحيدة لخوض حرب أخلاقية هي الطريقة اليهودية”.

وقد علَّل “فريدمان” ذلك بأنه الرادع الوحيد والحقيقي للتخلُّص من ثبات الفلسطينيين ومقاومتهم المستمرة، وأن تلك هي قيم التوارة التي ستجعل الإسرائيليين “النور الذي يشع للأمم التي تعاني الهزيمة بسبب هذه الأخلاقيات (الغربية) المُدمِّرة التي اخترعها الإنسان.

بهذا السفور الشديد، قدَّم “فريدمان” عقيدته في التعامل الأمثل مع الفلسطينيين الذين ينغِّصون هناء الفردوس الإسرائيلي على حد قوله، وهو في هذا لا يتَّبِع وجهة نظر شخصية ولا يتحدَّث من وحي أفكاره، وإنما يعتبر الأمر واجبا دينيا وتعليما توراتيا مقدسا لا ينبغي العدول عنه.

في كتابه “الجريمة المقدسة”، ذكر الدكتور “عصام سخنيني”، أستاذ التاريخ السابق في جامعة “البترا” الأردنية، أن خطاب الإبادة الصهيوني استخدم التوراة وأسفارها لشرعنة جرائمه وممارسته في فلسطين. ورغم التعارض الصارخ بين الصهيونية بوصفها حركة علمانية والتوراة بوصفها نصا دينيا، فقد استغلت الأولى الشريعة اليهودية حتى تتحقَّق لها أطماعها الاستعمارية في فلسطين.

ويرى سخنيني أن فعل الإبادة الصهيوني اتخذ من الرموز والأساطير الكتابية -أو التوراتية- “مرجعية له يستوحي منها ما فعل الأسلاف لتطبيقه على الواقع الراهن”، وهو ما يؤكده تصريح الأستاذ بجامعة حيفا “بيت هلحمي، إذ يرى أن إسرائيل تتعامل مع كتابها المقدس بوصفه مرجعا تاريخيا يجب تكرار أحداثه التاريخية. ووفق هذه الرواية فإن إبراهام -أو نبي الله إبراهيم- كان أول من عهد إليه “يهوه” (الإله التوراتي) بأرض فلسطين التاريخية، واختص بهذا العهد من ذريته إسحاق، ثم يعقوب -أو إسرائيل- لتكون هذه الأرض من بعده ملكا لبني إسرائيل بحق إلهي مقدس…

سياقات تاريخية

إضافـة إلـى السـياق الدينـي الذي يدور في فلكه مشروع الاستعمار الإحلالي الصهيوني العنصري ونفي “الآخر الفلسطيني وتهجيره وسحقه، ظهـر سـياقان آخـران مهمـان، الأول هـو السـياق الاسـتعماري الإمبريالي للقـوى الكبــرى، والثانـي هـو المسألة اليهوديـة التـي ظهـرت فـي القـرن التاسـع عشـر فـي أوروبـا، والتـي عكسـت أزمـة اندمـاج اليهـود فـي أوروبـا، واضطهادهـم مـن الـدول الأوروبيـة.

وبهـذا فقـد مثـّل احتـلال فلسـطين نقطـة التقـاء مصالـح الـدول الاسـتعمارية الطامعـة فيهـا، وعلـى رأسـها بريطانيـا مـع مصلحـة اليهـود فـي حـل مشـكلتهم “المسألة اليهوديـة”، وعلـى الرغـم مـن وجـود المسوّغات الدينيـة، إلا أن الحركـة الصهيونيـة أُعتبــرت بأيديولوجيتهـا حركـة علمانيـة، وبهدفهـا حركـة اسـتعمارية، سـعت بشـكل أساسـي إلى تحقيـق أهـداف سياسـية فـي السـيطرة علـى فلسـطين.

لذلـك تبنـت الحركـة الصهيونيـة العالميـة سياسـة “الاستيطان الاستعماري” لتحقيـق هدفهـا فـي إنشـاء وطـن قومـي لليهـود علـى أرض فلسـطين التاريخيـة ولتحقيـق هـذا الهـدف، ركّـزت المؤامرات الصّهيونيـة علـى مبـدإ امتـلاك اليهـود للأراضي، شـرطا لإحـداث انقـلاب ديمغرافـي يسـمح بتهجـير اليهـود إلـى فلسـطين وبناء المستوطنات لهم، وطرد الفلسطينيين منها.

يُبرز الدكتور والباحث “أكرم حجازي” في كتابه “الجذور الاجتماعية للنكبة”، العديد من الدعايات الصهيونية التي خلعت شرعية زائفة على مشروعها الاستيطاني بفلسطين، ومن ضمن هذه الدعايات الزائفة ما روَّج له قادة الصهيونية الأوائل “ثيودور هِرتزل” و”إسرائيل زانجويل” وغيرهما من أن أرض فلسطين هي أرض بلا شعب لشعب بلا أرض.

وفي هذا السياق يقول “عصام سخنيني” إننا لو أردنا تكثيف المشروع الصهيوني في جملة واحدة لكانت دعواه بأنه يُعيد اليهود المُشتَّتين في شتى بقاع الأرض إلى أرض ملكوها وتوارثوها عن الأجداد، فتلك السردية تحمل المكونات التاريخية الثلاثة للخطاب الصهيوني منذ نشأته، والمتمثلة في الشتات ومعاناة الشعب اليهودي التاريخية وفُرقَته في مختلف البلاد، والأرض التي وعدهم بها الكتاب وأورثهم إياها، والعودة التي هي إرادة سماوية واجبة الحدوث.

علاوة على مشروع “هرتزل”، أتى مشروع قائد صهيوني آخر هو “آرثر روبين”، الذي أعلن عام 1914 عن إستراتيجية جديدة تتمثَّل في شراء أراضٍ بحمص وحلب وبيعها بأسعار زهيدة للفلسطينيين بعد إغرائهم أو اضطرارهم للهجرة، وهي الفكرة ذاتها التي اقترحها “فليكس واربرغ” رئيس اللجنة الإدارية بالوكالة اليهودية، حيث كتب إلى السير “جون تشانسلور”، المندوب السامي البريطاني بفلسطين، في نوفمبر1930 واقترح عليه ترحيل عرب فلسطين إلى شرق الأردن ومساعدة الصهاينة في شراء أرضٍ أردنية أفضل حالا وأكثر إغراء للفلاحين الفلسطينيين.

مراحل الاستيطان

يقودنا هذا المشهد لمسيرة الصراع الفلسطيني الصهيوني إلى النظر في بدايات الصراع وإرهاصاته مع بدايات الاستيطان اليهودي بفلسطين، الذي مرَّ بمراحل عدة، كان أهمها المرحلة التأسيسية في زمن الخلافة العثمانية، وتحديدا نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

1-(1870 – 1916) 1- قبل الانتداب البريطاني

2- من نهاية الحكم العثماني حتى الاحتلال البريطاني.

3- بين الاحتلال البريطاني وبداية الاحتلال الإسرائيلي(1918 – 1948).

4- الهجرات اليهودية إلى فلسطين حتى عام 1948.

5- بعد أن كانت الضفة الغربية خالية تماما من المستوطنات عام 1967 لجأ الاحتلال الإسرائيلي إلى تعديل المنظومات القانونية عبر اعتماد توليفة من الأوامر العسكرية غير القانونية، التي تشرّع مصادرة أراضي الفلسطينيين العامة والخاصة والاستيلاء عليها، بغرض استخدامها لبناء المستوطنات والخدمات الخاصة بها والأغراض الاستيطانية.

5- السيطرة على جبال الضفة الغربية (1977-1990).

6- تسمين المستوطنات (1990-1996).

7- البؤر الاستيطانية والتوسع (1996-2017).

شهدت هذه المرحلة بناء الجدار الفاصل عام 2002 بذريعة حماية المستوطنات، واستطاع الجدار قضم 4.1% من مساحة الضفة الغربية، وأن يعزلها خلفه.

7- الوحدات الاستيطانية (2017-2023 ).

لقد اعتمدت جميع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة سياسة بناء المستوطنات وتوسيعها في الضفة الغربية، وتقديم الحوافز والتسهيلات لتشجيع هجرة الإسرائيليين إليها.

وقد أوكلت توسيع المشاريع الاستيطانية الجمعيات اليهودية على غرار مشروع “آلون” عام 1967، مشروع “غاليلي” عام 1977، مشروع “فوخمان” أو ما يعرف بـ”العمود الفقري المزدوج بالتعاون مع حركة “غوش أمونيم” التي تأسست عام 1974، وتعدّ رأس عمليات الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة وتحديدا في الضفة الغربية، إذ ساهمت في تغلغل الفكر الصهيوني الاستعماري الاستيطاني في العقلية الإسرائيلية.

وقد ارتبط المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية بفكر مختلف الأحزاب “اليهودية” و”الصهيونية”، حيث كان الاستيطان محورا جوهريا في برامج الأحزاب التي شكلت الائتلاف لمختلف الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وعمدت هذه الأحزاب إلى توسيع المشروع الاستيطاني من منطلقات أيديولوجية وديمغرافية، ومراوغات سياسية رسمت من خلالها مسار المشروع الاستيطاني وتوسعه وملامحه المستقبلية.

وقامت الحكومات الإسرائيلية على مختلف تركيباتها الائتلافية بتوسيع المشروع الاستيطاني ودعمه بالميزانيات، وتوفير الغطاء الأمني والعسكري واللوجستي لتوسعه وتوغل حتى البؤر الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية وإطلاق العنان للجمعيات اليهودية للاستيلاء ووضع اليد على المزيد من الأراضي الفلسطينية لتوسيع مسطحات نفوذ المستوطنات وتشكيل نوى جديدة لمستوطنات مستقبلية بحماية جيش الاحتلال.

وتسلحت الحكومات الإسرائيلية بجيش الاحتلال وما يسمى “الإدارة المدنية”، لتوسيع المشروع بالضفة الغربية والذي عمد إلى إصدار الأوامر العسكرية لمصادرة المزيد من الأراضي الفلسطينية المحتلة تحت ذراع “أغراض أمنية وعسكرية”، إذ تسيطر سلطات الاحتلال على 60% من مساحة الضفة الغربية والأغوار التي تبلغ مساحتها 5844 كيلومترا مربعا.

يهودية الدولة

بعد تولي حكومة نتنياهو السادسة – أشدّ الحكومات تطرفًا في تاريخ إسرائيل – الحكم في ديسمبر 2022، عكست خطوطها الأساسية مواقف اليمين المتطرف واليمين الفاشي، ليس فقط في ما يخص القضية الفلسطينية والموقف من الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، وإنما أيضًا في كثير من القضايا التي تخص المجتمع اليهودي الإسرائيلي.

وقد تجاهلت اتفاقيات الائتلاف الحكومي وجود الشعب العربي الفلسطيني ووجود الاحتلال، وشددت في الوقت نفسه على يهودية الدولة وعلى أن “للشعب اليهودي الحق الحصري غير الخاضع للطعن على جميع أنحاء فلسطين”، وأنه “سيتم فرض السيادة على يهودا والسامرة مع اختيار الوقت المناسب ومع الأخذ في الاعتبار الحسابات القومية والدبلوماسية لدولة إسرائيل”.

وأكدت أن الحكومة ستقوم بتعزيز الاستيطان اليهودي في مناطق فلسطين المختلفة، لا سيما في القدس والضفة الغربية والجليل والنقب وأيضًا في الجولان السوري المحتل، الذي ستعمل على الاعتراف به بصفته منطقةً استراتيجية ذات إمكانيات كبيرة للتطوير ولتعزيز الاستيطان اليهودي فيه.

بذل بتسلئيل سموتريتش رئيس حزب الصهيونية الدينية جهدًا كبيرًا، أثناء المفاوضات لتشكيل الحكومة الائتلافية، للحصول على وزارة الأمن لأسباب عديدة؛ منها أن الإجراءات الخاصة بالاستيطان اليهودي في المناطق المحتلة تُتّخذ في “الإدارة المدنية” الإسرائيلية التابعة لوزارة الأمن. ولم يتمكن سموتريتش في مفاوضات تشكيل الحكومة من أن يصبح وزيرًا للأمن، بيد أنه نجح في الحصول على منصب وزير في وزارة الأمن علاوة على كونه وزيرًا للمالية.

وقد جرى، وفق اتفاق الائتلاف الحكومي، نقل المسؤولية عن كل من الإدارة المدنية الإسرائيلية ومنسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة من مسؤولية المؤسسة العسكرية إلى مسؤولية سموتريتش مباشرة.

وخلق نقل المسؤولية عن الإدارة المدنية، من المؤسسة العسكرية الإسرائيلية إلى المؤسسة المدنية الإسرائيلية تحت قيادة سموتريتش، وضعًا جديدًا وخطيرًا من الناحيتين الرسمية والفعلية.

وهذا النقل لا يعني فقط ضم المنطقة التي يطلق عليها منطقـة (ج) وفق اتفاقية أوسلو إلى إسرائيل، وإنما أيضًا فتح الباب على مصراعيه أمام تكثيف الاستيطان الإسرائيلي في الضفة المحتلة على نحوٍ غير مسبوق وهي التي يستوطن فيها نحو 400 ألف مستوطن ويعيش فيها نحو 300 ألف فلسطيني .

فإلى جانب فسموتريتش أحد غلاة الدعاة إلى تكثيف الاستيطان في المنطقة (ج)، تولى بن غفير رئيس حزب القوة اليهودية الفاشي وزارة الأمن القومي. وقد جرى، وفق اتفاق الائتلاف الحكومي، توسيع وزارة الأمن القومي إلى حدٍّ بعيد؛ إذ تقرر نقل العديد من المؤسسات المختصة بملاحقة العرب الفلسطينيين في داخل الخط الأخضر وقمعهم من وزارات أخرى إليها، كان في مقدمها قوات حرس الحدود التي يبلغ تعدادها نحو 7200 عنصر، وقد تقرر وضعها تحت إمرة بن غفير مباشرة، وسلطة “تطبيق القانون على الأرض” المختصة في منع البناء غير المرخص التي كانت تابعة لوزارة المالية، و”الشرطة الخضراء” المختصة في تطبيق القانون في ما يخص الاعتداءات على البيئة، و”الدورية الخضراء” المختصة في تطبيق القانون في المناطق المفتوحة والحدائق العامة، وكذلك جرى الاتفاق على إقامة “الحرس الوطني” قوةً أمنية كبيرة تكون تابعة لوزارة الأمن القومي وتحت إمرة بن غفير مباشرة..

توسع غير مسبوق

طبيعي جدا عندما يصبح اليمين المتطرف في إسرائيل، يتمتع بنفوذ متزايد في السياسة، حيث تعتمد الحكومة في وجودها على حركة استيطانية تقود أجندة تطرف متزايدة.

ويشير المحللون إلى أن أصوات المستوطنين واليمين المتطرف أصبحت تهيمن على مجلس الوزراء، مما يوفر الغطاء القانوني والسياسي لمزيد من التوسع في الأراضي الفلسطينية المعترف بها دوليا.

وفي حين تعارض الولايات المتحدة بناء المستوطنات وتفرض مع الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وكندا عقوبات على المستوطنين اليهود المتطرفين الذين يمارسون مستويات عنف لا تحتمل ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة من شأنها تهديد السلام والأمن والاستقرار، فإن ذلك لم يغيّر على الأرض من شيء، إذا تواصل حكومة الاحتلال دون رادع تقطيع أوصال الضفة الغربية المحتلة، وفي هذا الإطار يمكن عرض الإجراءات في النقاط التالية:

  • تبنّي الحكومة الإسرائيلية علنا مهمة بن غفير وسموتريتش الاستيطانية في يونيو من العام الماضي، حيث ألغت التشريع الذي ظل قائما لمدة 27 عاما، ومنحت سموتريتش سيطرة فعالة على عملية بناء المستوطنات الموسعة والمتسارعة. وقد رفض نتنياهو نفسه مرارا وتكرارا فكرة الدولة الفلسطينية، وقدم نفسه باعتباره حصنا ضد تقرير المصير الفلسطيني. وباستثناء فترة وجيزة في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، عندما دعمت الولايات المتحدة فكرة المستوطنات، فإن واشنطن تعتبرها غير قانونية منذ عام 1978..
  • الحفاظ على المبالغ المالية المخصصة للاستيطان في موازنة الحكومة، رغم مطالبات بإعادة توزيع الموازنة بفعل ارتفاع تكلفة الحرب على غزة، وتخصيص موازنة إضافية لتغطية نفقات الحرب العسكرية والمدنية، حيث رفض سموتريتش إلغاء المخصصات السابقة.
  • استمرار الطرح ومناقشة فكرة بناء جدار على طول الحدود مع الأردن بطول 238 كم، يمتد من بحيرة طبريا حتى خليج العقبة، لوجود هواجس أمنية، وهو قرار طُرِحَ قبل 20 عاماً، وأعاد “نتنياهو” طرحه نهاية أيلول 2023، وتداوله مرة أخرى خلال شهر آذار 2024 بعد الادعاء بإفشال محاولة تسلل مسلحين من الأردن إلى الضفة الغربية.
  • المصادقة على بناء 3500 وحدة استيطانية جديدة في مستوطنة معاليه أدوميم شرق مدينة القدس.
  • تفعيل سموتريتش مقترح  المناطق الآمنة التي يُمنع الفلسطينيون من الاقتراب منها، وترافق هذا الإعلان مع موسم قطف الزيتون، حيث مُنع الفلسطينيون من الدخول إلى أراضيهم الواقعة داخل الجدار، والتي يُتوقع أن تصل مساحتها مع إتمام بنائه إلى حوالي نصف مليون دونم، إضافة إلى المناطق القريبة من المستوطنات الإسرائيلية التي تُقدّر مساحتها ب 200 ألف دونم، وهي مناطق جديدة يستهدفها المخطط
  • إلغاء إسرائيل ما يسمى قانون فك الارتباط بشمالي الضفة الغربية المحتلة، سامحة بذلك بعودة المستوطنين إلى 3 مستوطنات سابقة في الضفة كان يحظر عليهم دخولها منذ صدور أمر بإخلائها عام 2005.

وجاء إعلان إسرائيل عن هذه الخطوة بالتزامن مع إعلان إسبانيا والنرويج وأيرلندا اعترافها رسميا بدولة فلسطين، بما يبدو إصرارا إسرائيليا على زيادة التوسع الاستيطاني في الضفة التي من المتوقع أن تشكل المساحة الأكبر من الدولة الفلسطينية المستقبلية المستقلة، إلى جانب أراضي قطاع غزة.

  • إقرار المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي قرارا بتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة وإضفاء الشرعية على 5 مستوطنات مصنفة غير قانونية، وتطبيق القانون الإسرائيلي في مناطق تسيطر عليها السلطة الفلسطينية إداريا.

وسحب المجلس صلاحيات تنفيذية من السلطة الفلسطينية في مناطق شرق بيت لحم وجنوب شرق القدس المحتلة.

  • تُظهر بيانات قسم ترخيص الأسلحة النارية، بوزارة الأمن  الإسرائيلية، أنه منذ اندلاع الحرب على غزة وحتى نهاية مايو الماضي، تم تقديم أكثر من 320 ألف طلب للحصول على تراخيص حمل السلاح. وتم منح 130 ألف تصريح للإسرائيليين المتقدمين، بمن فيهم من يسكن في المستوطنات بالضفة الغربية.

ووفق هيئة الجدار والاستيطان (جهة رسمية) استشهد أكثر من 17 فلسطينيا بسلاح المستوطنين الشخصي بعد “طوفان الأقصى” في مناطق متفرقة من الضفة، بعد مهاجمتهم في أراضيهم وقراهم. كما شنوا -رفقة جنود الاحتلال- 1127 اعتداء خلال مايو الماضي، منها 221 اعتداء للمستوطنين فقط.

كما اتبعت مجموعات المستوطنين المتطرفين أساليب الاستيطان الرعوي للسيطرة على الأراضي الفلسطينية، وأداة لعمليات الترحيل القسري، وخلق بيئة طاردة للفلسطينيين من خلال تدمير المحاصيل الزراعية واقتلاع الأشجار.

وحسب تقديرات لجنة الأمن في الكنيست، نشرها موقع “شومريم” (المراقبين) الإسرائيلي مطلع يوليو 2022، فإنه وحتى عام 2021، كانت توجد 150 ألف قطعة سلاح بيد قرابة 750 ألف مستوطن بالضفة والقدس. وارتفعت عام 2023 حسب ما كان متوقعا إلى أكثر من 165 ألفا.

تفيد عدة تقارير ارتفاع وتيرة الاستيطان منذ بداية الحرب على غزة؛ استمراراً لمخططات الحكومة اليمينية تحت غطاء الحرب، ومنها ما صدر عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان التي أفادت أن إسرائيل صادرت أكثر من 27 ألف دونم للتوسع الاستيطاني في الضفة (الدونم يساوي ألف متر مربع) الغربية حتى نهاية آذار 2024، وأخضعت 52 مخططاً هيكلياً للدراسة وأجبرت 25 تجمعاً فلسطينياً تسكنها 220 عائلة يصل إجمالي أفرادها إلى 1277 فلسطينياً على الرحيل قسرياً.

فيما أظهرت مجمل الإحصائيات الصادرة عن الهيئة الواردة في الجدول أدناه ارتفاعاً في الاستيطان واعتداءات المستوطنين منذ السابع من أكتوبر 2023 حتى أواخر نيسان 2024، حيث وصلت حصيلة الوحدات الاستيطانية إلى أكثر من 10 آلاف وحدة، فيما أصدرت حكومة الاحتلال والجيش قرارات بمصادرة أكثر من 45 ألف دونم من أراضي الفلسطينيين بحجج مختلفة، منها إقامة مناطق عازلة أو آمنة حول المستوطنات القائمة، مما يعني وضع اليد على مساحات من الأراضي الزراعية الفلسطينية وتسييجها، ومنع الفلسطينيين من دخولها تحت حجج أمنية، غالباً ما تُشكّل دافعاً لفتح شهية المستوطنين في التوسع الاستيطاني وبناء الوحدات الجديدة.

خطة سموتريتش

تثبت الوقائع على الأرض أن حكومة نتنياهو وتحديدا وزير ماليته سموتريتش ما تزال ماضية في خطة انتزاع السيطرة على الضفة الغربية بالتدريج من أيدي الجيش الإسرائيلي، وتسليمها لموظفين مدنيين إسرائيليين يعملون تحت إمرته في وزارة الدفاع.

وأظهر تسجيل صوتي- لسموتريتش أنه وضع الخطة خلال العام ونصف العام الماضيين وعرضها على رئيس الوزراء الذي أيد الفكرة بالكامل وبالفعل تم نقل بعض السلطات “لتعزيز السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية المحتلة وإجهاض أي محاولة لأن تكون جزءا من الدولة الفلسطينية.

وحسب خليل التفكجي الخبير الفلسطيني في شؤون المستوطنات الإسرائيلية والمدير السابق لوحدة الخرائط في بيت الشرق بالقدس، فإن خطة سموتريتش “هي وصف لما يحدث بالفعل على الأرض”، مضيفا أن هذا ما كانوا يقولونه ويحذرون منه منذ سنوات.

وقال إن المستوطنين يقومون حاليا بتطهير المنطقة “ج” عرقيا من الفلسطينيين، وهي تغطي 61% من مساحة الضفة وتشمل حدود المنطقة وغور الأردن والمسافة بين البلدات والمدن الفلسطينية.

وأوضح التفكجي أن الخطة في الواقع هي تغيير كبير في طريقة التعامل مع الضفة الغربية داخل النظام الإسرائيلي، لأنها ستكون تحت السيطرة المدنية للحكومة الإسرائيلية، مما سيسهل بناء المستوطنات وتوسيعها بطريقة تجعل المنطقة “ج” امتدادا مباشرا لإسرائيل.

تداعيات خطيرة

تنفذ حكومة الاحتلال أكبر استيلاء على أراضي الضفة الغربية في 2024 أي منذ 30 عاما وفق ما كشفته هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، باستيلاء الاحتلال تحت مسمى أراضي الدولة على ما يقارب مجموعه 10 آلاف و640 دونما. واستمرار هذه المشاريع الاستيطانية هي في الواقع بمثابة رسالة تحمل بين سطورها جملة من المقاصد التي تنطوي على تداعيات خطيرة:

أولا: انعدام تام لمنطقية طرح حل الدولتين والذي وصل إلى طريق مغلق بعد توقف المفاوضات، واستمرار إسرائيل في تغيير جغرافيا الضفة الغربية المجزأة أصلاً منذ اتفاق أوسلو عبر زيادة التوسع الاستيطاني.

ثانيا: تغيرات ديمغرافية ناتجة عن زيادة أعداد المستوطنين في الضفة الغربية، ويؤدي إشراكهم في تنفيذ هذه المخططات بشكل مباشر أو تلبية طموحاتهم الاستعمارية إلى فتح شهيتهم نحو المزيد، وإلى  تمسكهم بالبقاء في الضفة الغربية ورفض أي طروحات مستقبلية لتفكيك البنية الاستعمارية، وينتج عن ذلك تداعيات أمنية على الفلسطينيين بزيادة وتيرة جرائم المستوطنين، وحدّة المواجهة مع الفلسطينيين خلال تنفيذ المشاريع الاستيطانية، أو القيام بأعمال عدوانية بحق القرى الفلسطينية التي تلتهمها المستوطنات.

ثالثاً: فتح المجال أمام عودة مشاريع تثبت موقف حكومة نتنياهو الرافض لفكرة دولة فلسطينية، ومنها ضم الضفة الغربية، عدا عن قرار الحكومة الإسرائيلية بناء جدار على الحدود الشرقية مع الأردن وما يشكل من تثبيت للسيادة الإسرائيلية على الحدود والمعابر مع الأردن، واستمرار للتوسع الاستيطاني في منطقة الأغوار الفلسطينية، وسلب الموارد الطبيعية والمياه، وخنق ما تبقى من تجمعات بدوية وقرى فلسطينية، وتسريع تنفيذ مشروع القدس الكبرى عبر ربط القدس بأحيائها الشمالية والجنوبية، عبر بناء مزيد من الوحدات الاستيطانية في الأراضي الواقعة في المنطقة المصنفة (.(E1)

رابعا: زيادة الفرصة لتطبيق مشاريع التهجير وخصوصاً في ظل زيادة سطوة المستوطنين وتسليحهم، واتباع إنشاء البؤر الرعوية في المناطق والتجمعات الريفية والبدوية بهدف تهجير الفلسطينيين.

إن سياسات إسرائيل الاستعمارية التي جاءت خلال الحرب على قطاع غزة هي امتداد للسياسات ذاتها التي أسست لها الحكومة اليمينية منذ استلامها الحكم في إسرائيل عبر حزم القوانين والقرارات المتعلقة بالاستيطان التي تبنتها، والمبنية على عقيدة متطرفة تهدف إلى إعادة الاستيطان في الضفة الغربية إلى الواجهة، وحشد المتطرفين من المستوطنين ممن يحملون العقيدة المتطرفة وينتهجون سياسات التصفية والقتل والترحيل للفلسطينيين، لكن الفعل على الأرض تفاقم بقرار إسرائيلي تقوده الحكومة وتنفذه بشكل مشترك مع المستوطنين.