عرب

الإيكونوميست: بعد عِقْد من الربيع العربي … لماذا شهد المسار الثوري انتكاسة نحو الديكتاتورية؟

17 ديسمبر تاريخ لا يتوق الكثيرون في الأقطار العربية إلى إحيائه أو الاحتفاء به، على الرغم من كونه مثّل حادثًا قادحًا لما عرف بموجة الربيع العربي، التي انطلقت من تونس في ذلك اليوم قبل 10 سنوات.

تخيم الإحصائيات المفزعة والمشاهد المحبطة القاتمة على حصاد عقد من التحولات المتسارعة التي شهدتها المنطقة العربية، نصف مليون قتيل وما يزيد عن 16 مليون نازح آخر، من دول لم يعد من الممكن التعرف عليها بعد أن انهارت بنيتها ودمرت أغلب مدنها نتيجة الاقتتال الداخلي.

على الضفة الأخرى مشهد لناشط مصري سابق تخلى منذ وقت طويل عن العمل العام واكتفى بالتدوين عبر منصات التواصل الاجتماعي، لينشر بين الحين والآخر تساؤلات عن مصير أصدقائه ما بين الموت والاختفاء والمنفى.

من الربيع العربي إلى الثورة المضادة  

عشر سنوات انقضت على قيام محمد البوعزيزي البائع المتجول في مدينة سيدي بوزيد التونسية مهد الثورة، بإضرام النار في نفسه احتجاجاً على الممارسات التعسفية لأعوان الشرطة، التي قامت بمصادرة بضاعته في مثل هذا اليوم من سنة 2010.  

حدثٌ يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره الشرارة التي أشعلت موجة الحراك الثوري العربي التي اجتاحت المنطقة، لتسقط سلسة من الحكام الديكتاتوريّين الواحد تلو الآخر – في تونس ومصر، ولاحقًا في ليبيا واليمن.

باستثناء التجربة التونسية التي نجحت في الوصول إلى برّ الانتقال الديمقراطي، وتكريس تجربة سياسية ما تزال تتّسم بالهشاشة في ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والاستقطاب الحاد الذي يخيّم على الساحة السياسية، فإن الحراك الثوري الذي شهدته باقي دول المنطقة سرعان ما واجه حالة من الردة والثورات المضادة، تجسّدت في الانقلاب العسكري في مصر بعد تجربة قصيرة من الحكم المدني، فيما غرقت ليبيا وسوريا واليمن في حرب أهلية وأصبحت مجالًا لأجندات إقليمية معقدة.

كثيرة هي العوامل التي قد تفسر إخفاق المسار الثوري بهذه الأقطار، بقطع النظر عن التقصير الذي يتحمله صناع القرار الغربي والأوروبي في دعم الثورات سياسيًا، فإنّ بعض التحليلات والآراء تفتقر إلى الواقعية والفهم السليم للمشهد.

أخطاء التجربة الثورية

لا يمكن تحميل أسباب الإخفاق لعامل واحد، سواء تعلق بالتدخلات الإقليمية لبعض الدول مثل دور روسيا وإيران على صعيد الثورة السورية، وكذلك أخطاء الإسلاميّين في الحكم، حتى وإن تسببت سياساتهم في حالة من الجدل والانقسام.

نجاح التحول الديمقراطي بدول المنطقة، كان بحاجة إلى أرضية أعمق من مجرد تنظيم انتخابات شفافة ونزيهة، أو مواطنين ملتزمين، إذ كان يتطلب مجموعة مشتركة من القواعد، وقناعة متبادلة بين مختلف القوى السياسية والمدنية، بأن الاختلافات السياسية بينها لا يمكن أنْ تُشكّل منطلقًا للإقصاء، أو تهديدا وجوديًا للطرف المقابل، وهو الأمر الذي مهّد الفرصة أمام ظهور الأنظمة الديكتاتورية من جديد ومنحها الفرصة لالتقاط أنفاسها.

فعلى العكس من التقاليد الديمقراطية التي تُميّز الأنظمة السياسية في الولايات المتحدة وأوروبا، عاش الشرق الأوسط طوال عقود تحت حكم أنظمة استبدادية، سوّقت لشعار الاستقرار الداخلي من منظور أمني.

اليوم وبعد 10 سنوات من إرهاصات الربيع العربي، أصبح الحكام الديكتاتوريّون في المنطقة – سواء الذين نجوا من موجة الحراك الثوري، أو الذين صعدوا إلى سدّة المشهد – على أنقاض الثورة المضادة يُسوّقون في خطاباتهم ومشروعاتهم السياسية لشعار التنمية والبناء باعتباره الحاجة الأساسية لمجتمعاتهم على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، وبهدف التعمية على المطالب الديمقراطية.

 على الرغم من التصنيج المستمر لشعار التنمية، إلا أنّ أغلب الأنظمة الاستبدادية لم تنجح في تحقيق إنجازات في هذا السياق، فالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي لا يكل عن الحديث عن تنمية وبناء مصر،  شهدت مستويات المعيشة في عهده تدهورًا حادًا وارتفاعا لمستويات الفقر، فضلًا عن ارتفاع حجم المديونية العامة وعجْز الموازنة.

 ومثْل سابقيه ونظرائه من الأنظمة الاستبدادية، يعمل السيسي على تجفيف الساحة السياسية والمدنية منعا لظهور أي تحركات ثورية في المستقبل، إلى درجة تبدو معها مساحة الحريات السياسية والعامة في عهد مبارك أفضل مما هي عليه اليوم، وبنفس الشاكلة قام النظام البحريني بإجهاض التحركات الشعبية المطالبة بالحرية والإصلاح منذ سنوات، ويتّهم الأصوات المعارضة بأنها مدعومة إيرانيًا ضمن مؤامرة على البلاد.

 بالمحصلة الانتكاسة التي شهدها مسار الربيع العربي، ستكون منطلقًا لموجة قادمة من الثورات لا تملك بالضرورة كل شروط النجاح، لكنها قد تُسفر عن نتائج أفضل من المشهد الراهن،  فيما لا توجد أي ضمانات للأنظمة القائمة حاليًا أنها تستطيع منع الجولة الثورية المقبلة.