تونس ثقافة

اكتشاف أثري في تونس يدحض تاريخ الفلفل

إلى حدود وقتٍ قريبٍ، كان الاعتقاد السائد بين المؤرخين، بأن تاريخ اكتشاف زراعة نبتة الفلفل، يعود إلى عصر الاكتشافات الكبرى، وتحديدًا بعد رحلة كريسوف كلومبوس إلى العالم الجديد في القرن الخامس عشر، حين أحضر بضع شتلاتٍ منها إلى اسبانيا لتنتشر زراعتها لاحقًا في كامل أوروبا..

.هذا المعطى التاريخي الذي يوثق لتاريخ تأصيل زراعة الفلفل، على وشك أن يشهد تغيرًا جذريًا انطلاقًا من تونس، وتحديدًا من منطقة منوبة (شمال العاصمة).

مطبخ روماني شاهد على العصر 

اكتشاف أثري لأرضيةٍ فسيفسائيةٍ، تمت إزاحة الأتربة والغبار عنها بمنطقة برج العامري، رصعت مجسماتها وزخرفها النادر بصورٍ نباتيةٍ تحاكي الأزهار والخضر والغلال، وتوثق لنمط الزراعات المعتمد خلال الحقبة الرومانية بتونس والتي امتدت ما بين 146 قبل الميلاد و431 ميلادي، بحسب الموقع الأثري الذي اكتشفت فيه اللوحة، والراجع إلى مدينة فورنوس مينوس الرومانية.

اللوحة الفسفسائية التي يرجح أنها أرضية مطبخ روماني أو قاعة أكل بالمعلم الأثري، تظهر بين رسومه بشكلٍ جليٍ حبات الفلفل، ما يشكك بالرواية المتداولة عن أصول هذه النبتة وارتباطها بالقارة الأمريكية، باعتبار أن الرومان كانوا سباقين إلى اكتشافها وزراعتها قبل ذلك بأحد عشر قرنًا بحسب الشواهد المكتشفة، ما يشرع لإعادة تدوين تاريخ هذه الغراسة التي تمتد “جذورها عريقة” بشمال إفريقيا.

 رسومات حبات الفلفل على اللوحة الرومانية، قد تؤكد أن علاقة التونسيين بهذه النبتة، التي تدخل ضمن عاداتهم الغذائية بشكلٍ مركزٍ وأساسيٍ ليست وليدة بضع قرون، بل هي نتاج نمطٍ  زراعيٍ متأصلٍ “بمطمورة روما”، وهي تسمية تطلق على تونس وشمال إفريقيا خلال العصر الروماني لإنتاجها الفلاحي الوفير ولأنها روما كانت تخبئ بها مؤونتها.  

يعد الفلفل رمزًا للموروث الغذائي التونسي، وعنوان خصوصيته التي يشتهر ببهاراته الحادة وأطعمته اللاذعة، واشتهر عن التونسيين تفننهم في استخدام  

حبات هذه النبتة في إعداد مسحوق الفلفل الأحمر، أحد اشهر توابل المائدة المحلية، إلى جانب مادة الهريسة التي تمثل اختصاصًا وطنيًا اكتسب شهرة عالمية في العقود الماضية.

الاكتشاف التاريخي من شأنه أن يفتح الباب أمام تساؤلاتٍ جديدةٍ حول تاريخ الفلفل،، بحسب الباحثة بالمعهد الوطني للتراث منية عديلي، فهل كانت النبتة  منتجًا زراعيًا منتشرًا بشمال إفريقيا اكتشفه الرومان عند سيطرتهم على المنطقة بعد الحقبة القرطاجنية، أم أنهم جلبوه من مكان آخر؟

تساؤلات تمتد إلى حدود البحث عن صلات بين الرومان وشمال إفريقيا والعالم الجديد، قبل رحلة كولومبس بعشرات القرون، وهي فرضية برغم  تمسك بعض المؤرخين بتضعيف أسانيدها، إلا أنها ترتكز إلى دلائل وشواهد أخرى، تثبت فرضية اتصالٍ قائمٍ ما بين حضارات القارتين، أشهرها أهرامات شعوب المايا الشبيهة إلى حد كبير بأهرامات الفراعنة.

اللوحة الفسيفسائية ستكون مفتاحًا جديدًا لتحديد الأصول الوراثية لنبتة الفلفل، خاصة أن الدراسات والبحوث تعتمد على تدوين العلامات التاريخية، كمرجعٍ أساسي، إلى جانب المعطيات اللغوية والبيئية، ما قد يساعد على الجزم في أصل الفلفل وتاريخه الحقيقي، ويثبت أصوله التونسية الوارفة عبر التاريخ .