تونس رأي

اطْلُب الدعم ولَوْ من الصين.. تغيير جذري للسياسة الخارجية التونسية أم “فكّ للعزلة”؟

عبدالسلام الزبيدي 
من ثوابت الدبلوماسية التونسية زمن رئيس الجمهورية قيس سعيّد الذي أحدث ما يُشبه القطيعة مع الثوابت الدبلوماسية المتشكّلة خلال نصف قرن، رفضه المُعلَن حلّ القضيّة الفلسطينية على أساس حلّ الدولتين. وقد دأب الدبلوماسيون على التحفّظ على كلّ بيان مشترك عربي أو إسلامي أو إفريقي ينصّ على الالتزام بتطبيق ما جاءت به القرارات الأمميّة بما هي تجسيد للشرعية الدولية سواء خلال الفعاليات أو بأثر رجعي.
لكنّ القمّة العربية الصينية المنعقدة يوم 30 ماي 2024 ببيكين عرفت استثناءً له دلالات ينبغي الوقوف عندها. فقد ورد في البيان الختامي تجديد ” رفض الصين والدول العربية للتهجير القصري للفلسطينيين، والدعوة إلى حلّ القضيّة الفلسطينية على أساس حلّ الدولتين”. وبالرغم من أنّ ضابط السياسة الخارجية للدولة وفق الصلاحيات الدستورية الممنوحة له كان حاضرا القمّة (أي رئيس الجمهورية)، فإنّ تونس خرقت “العادة الجديدة” ولم تتحفّظ على المسألة. فللضرورات السياسية والدبلوماسية أحكامها، وها أنّ الواقعية السياسية تُطلُّ برأسها وتجد لها مكانا ومكانةً عند رئيس الجمهورية قيس سعيّد.
الضرورات السياسية “تبيح المحظورات” 
لم يكن الصمت عن هذه النقطة، المسألة الوحيدة التي يمكن تصنيفها ضمن باب “الضرورات الدبلوماسية والسياسية”. إذ يمكن إضافة عدد من النقاط تضمّنها البيان المشترك الصيني التونسي حول إقامة شراكة إستراتيجية بين البلدين والصادر يوم 1 جوان.
فقد أبدت تونس التزامها بقرار الشرعية الدولية (القرار الأممي رقم 2758 الصادر في 25 أكتوبر 1971) الذي يُكرِّس مبدأ الصين الجديدة ويُقرُّ بشرعية جمهورية الصين الشعبية ممثّلا شرعيّا وحيدا للصين بأكملها، وبأنّ تايوان جزء لا يتجزَّأ من الأراضي الصينية.
 ويكتسب هذا الموقف المنسجم مع الموقف التقليدي التونسي أهميته من كوْنه أحد شروط إمكان إقامة علاقة إستراتيجية مع الصين، فالتذكير يرتقي إلى مستوى الإعلان الجديد. إنّنا أمام موقف دبلوماسي يمكن تشبيهه برمزيات استقبال قيس سعيّد إبراهيم غالي زعيم البوليساريو ورئيس ما يسمّى بالجمهورية الديمقراطية الصحراوية، فذاك الاستقبال نوع من إعلان شراكة إستراتيجية مع الجزائر على حساب المغرب الأقصى.
إنّه من اللافت للانتباه أن يتضمّن البند الأوّل من بيان الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، إعلان تونس زمن سعيّد التزامها بموقف بيكين من قضية تايوان. والأكثر من ذلك أن تعلن رفضها “أيّ تدخُّل أجنبي في المسائل الداخلية المتعلّقة بهونغ كونغ وشينجاينغ”. ومعلوم أنّ البعض يرى في هذا الموقف خذلانا للأقليّة المسلمة وما تعانيه من ممارسات تتطلّب إنصافا ومناصرة.
ذلك أنّ المبادئ لا تتجزَّأ والدفاع عن حقوق الإنسانية وتقرير المصير من المقولات التي يؤثِّث بها رئيس الجمهورية قيس سعيّد خطابه. غير أنّ “الواقعية السياسية” وجلب المصالح والبحث عن الشركاء والدعم والتمويل تبيح ما يمكن وصفه بالمحظورات وتجعلنا نغض الطرف عن المبادئ.
وها أنّ رئيس الجمهورية قيس سعيّد يسترجع بيده اليسرى ما أنفقه بيده اليمنى. ففي ذات البند من البيان المشترك تعلن الصين بأعلى صوتها أنّها “تدعم بثبات الإصلاحات والإجراءات السيادية التي اتّخذتها تونس منذ 25 جويلية 2021”. وهذا الإعلان بمثابة الردّ غير المباشر على الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من الدول الأوروبية التي لم تعلن دعمها لما حدث في ذلك التاريخ بل انتقدته وأسندت له توصيفات أقلّ من الانقلاب وأكثر من الإجراءات الإستثنائية.
كما رحّبت الصين على لسان رئيسها الموقّع على البيان تشي جين بينغ بما وصفه بـ”المؤشّرات الاقتصادية الإيجابية الواعدة في تونس”. ونحن لسنا في وارد تصديق القوْل أو نفيه، وإنّما همّنا بيان دلالاته. فالصين تعتبر ما يعيشه الاقتصاد التونسي منجزا واعدا بغضّ النظر عن تصنيفات المؤسسات الدولية والتوازنات المالية والتداين وغير ذلك.
ومثلما رفضت تونس أيّ تدخّل خارجي في الشؤون الصينية، فإنّ الصين “تدعم بقوة جهود القيادة التونسية للحفاظ على سيادة تونس واستقلال قرارها الوطني وخططها التنموية والإصلاحات التي نبعت من خيارات شعبها وتتماشى مع خصوصيّاتها الوطنية، وترفض رفضا قاطعا أيّ تدخّل أجنبي في الشّؤون الدّاخلية التّونسية”.
 لقد تمكّن سعيّد من الحصول على دعم دولي وسند سياسي ودبلوماسي من الصين، بغضّ النظر عن سجّلها في مجال “خيارات الشعب” الذي قد لا نجد له محلّا في تايوان وهونغ كونغ وشينجيانغ وغيرها. هذا الدعم مطلوب حتى وإن كان في بعض وجوهه تدخّلا في قضية خلافية في الداخل التونسي، ومن المفترض ألاّ تكون محلّ تدويل سواء ممّن يعتبرون إجراءات 25 جويلية انقلابا أو ممّن يعتبرها خطوة إصلاحية ضرورية.
من الاتحاد الأوروبي إلى الصين 
بعيدا عن الثمن السياسي الواجب دفعه من الجانبين باعتباره أحد شروط إمكان إقامة علاقات شراكة إستراتيجية بين البلدين، فإنّ الأكثر أهمية هي الشراكة ذاتها. قد يذهب البعض إلى أنّ رئيس الجمهورية وجد نفسه مضطرّا إلى التوجّه نحو الشرق لفكّ ما يوصف بالعزلة الدولية. لكن يغفل هؤلاء عن أنّ النجاح في التأسيس لهذه الشراكة، حتّى من باب فكّ العزلة يُعتبر نجاحا دبلوماسيا وسياسيّا فشل من سبقه في تحقيقه.
إنّ العالم ليس غربا أوروبيا وأمريكيّا فقط، وإنّما هو عالم يعد بتعدّد الأقطاب أبرزها القطب الصيني الواعد اقتصاديّا وسياسيّا، والصاعد بفضل اقتصاده القويّ ومراقبته للقوى الغربية وهي بصدد الاستنزاف في معارك متعدّدة الأوجه.
 وقّعت تونس مع الاتّحاد الأوروبي قبل أقلّ من سنة، وتحديدا يوم 16 جويلية 2023، مذكّرة تفاهم حول “الشراكة الإستراتيجية والشاملة”، وذلك بحضور رئيسة المفوّضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيسيْ مجلس الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني والهولندي مارك روته. صحيحٌ أنّ عنوانها الأبرز مكافحة الهجرة غير النظامية، لكن مجالاتها متعدّدة من بينها التجارة والطاقة والتدريب المهني والبنية الأساسية.
تعالت الأصوات حينها بأنّ تونس ستتحوّل إلى أشبه ما يكون بحرس حدود لأوروبا. وكان لذلك القول وجاهة، ودفعت تونس، وما تزال كلفة باهضة اجتماعيا وكذلك من سمعتها، جرّاء التزامها بتطبيق بنود مذكّرة التفاهم.
ولم تكن الغنيمة مجرّد مساعدات عينية ومالية، بل هي أكثر من ذلك بكثير. إنّها فتحٌ لباب الاقتراض من خارج صندوق النقد الدولي وعلى رأسها جملة قروض التأمين العاجل للغداء، وهي أكثر من ذلك تحطيم دعوات إنجاح الانتقال الديمقراطي التونسي والحدّ من التضييق على الحريات على صخرة حماية أوروبا من المهاجرين التونسيين خصوصا والأفارقة عموما.
وتُنبئ نتائج الانتخابات البرلمانية الأوروبية بأنّ تونس زمن سعيّد ستجني مكاسب ظرفية. فالحلفاء قد فازوا في الانتخابات، وقد تشهد عديد الدول تكريس حكم اليمين المتطرّف، فلن تكون ميلوني وحيدة في أوروبا، بل سيكون لها أشباه ونظائر. وهؤلاء الأشباه يرحبّون بسياسات ساكن قرطاج كما رحّب مرارا بميلوني وخياراتها حول الهجرة، بالرغم من أنّه يقف معها على طرفيْ نقيض في ما يتعلّق بالقضية الفلسطينية. ألم نقل إنّ الضرورات السياسية تبيح المحظورات ذات الصلة بالمبادئ.
لم يكن التعريج نحو العلاقة بالاتحاد الأوروبي خروجا عن الموضوع أو انزياحا عنه، فنحن ما نزال صلبه. فبعد عام من إعلان قواعد جديدة للشراكة مع الاتحاد الأوروبي، ها أنّ سعيّد يفتح بابا آخر لشراكة إستراتيجية مع الصين. وبذلك يجسّد المعنى الحقيقي لتنويع الشراكات. خاصة أنّ الصين تدعم سياسيا ولا تهتم لمقولات الديمقراطية الغربية وحقوق الإنسان. فما يهمّها هو الطريق والحزام.
إنّ تونس اليوم عند الصين، بمثابة المحطة التي يمكن الوقوف عندها لتحويل البضائع والسلع نحو الشمال الأوروبي والجنوب الإفريقي، فتونس موانئ وطُرق، وتونس سوق قفزت فيه بضائعها إلى مرتبة صاحب التدفّق الأعظم المتسبّب في العجز التجاري.
لن تكلّف الشراكة الإستراتيجية الصين الشيء الكثير، فما ستدفعه لتونس ليس أكثر من إضافة شريك إستراتيجي، وإقامة مشاريع ذات قيمة إستراتيجية لرئيس الجمهورية قيس سعيّد. ماذا تعني للصين المساهمة في بناء جسر جديد لمدينة بنزرت وتجديد ملعب المنزه وبعث الروح في المدينة الطبية بالقيروان..إنّه الفُتات الذي سيسمح لسعيّد برفع شعاريْ حماية السيادة بتعدّد الشراكات وبداية تحقيق المشاريع التي وعَد بها، وذلك قبيل أشهر من الانتخابات الرئاسية المفترضة.