استخدمَهُ سعيّد لإلغاء الوسائط.. الفيسبوك يستخدمِنَا ويُغيّرنا!!!

سعيذد والفيسبوك

عبدالسلام الزبيدي

منذ أن تخلّى المستشارون الإعلاميون بمختلف رتبهم عن العمل بديوان رئيس الجمهورية قيّس سعيّد، غدت منصّة التواصل الاجتماعي فيسبوك جسر التواصل الوحيد تقريبا بين رئاسة الجمهورية والشعب الموصوف دستوريا بأنّه صاحب السيادة و”يعلم الحقائق كلّها” وفق السجّل اللغوي لساكن قرطاج.

وللتذكير فقد استقال من ديوان رئاسة الجمهورية خلال عهدته الأولى كلّ من رشيدة النيفر وريم قاسم وهالة الحبيب. ومنذ ذلك الزمن غدت جسور التواصل المباشر بين القصر والإعلام شبه منعدمة. ولا سبيل لاستقاء المعلومة في شكل تصريح خاص أو حوار صحفي أو ردّ كتابي أو تفاعل من أعضاء الديوان، فذاك زمن قد ولّى وانتهى.

أسئلة مواطنية

لم يُجر رئيس الجمهورية قيس سعيّد أيّ حوار صحفي مع المؤسسات الإعلامية التونسية إلا في مناسبة يتيمة، قوامها تجسيد وعد انتخابي بإجراء حوار مع مؤسسة التلفزة العمومية بعد سنة من دخوله قرطاج. وأدلى ببعض التصريحات خلال أدائه زيارات رسمية مبرمجة (زيارة ضريح الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة) أو غير معلنة. ورغم اقتراب عهدته الرئاسية الثانية من إدراك سنتها الثانية، فإنّ الهوّة بين القصر والوسائط الإعلامية تتّسع. ولن نخوض في هذا الشأن الآن، لننظر في البديل الذي اختاره أو لجأ إليه صاحب صلاحيات ضبط السياسات العامة وتحديد التوجّهات والخيارات وفق منطوق الفصل المائة من الدستور الذي خطّه بيمينه.

إنّ الإستراتيجية/السياسة الاتّصالية لرئاسة الجمهورية وللحكومة بمختلف مؤسساتها من ناحية، والسياسة العمومية للإعلام من ناحية أخرى شأن وطني ومواطني في آن واحد. فإن كان الشعب مصدرا للسيادة والسلطات على وجه الحقيقة أو في مستوى الشعارات فقط، فإنّه في كل الأحوال الطرف المُستهدَف بهذه الإستراتيجية الاتصالية وتلك السياسة الإعلامية، أيْ أنّ المُنتَج النهائي موجَّهٌ ومُرْسلٌ إليه.

ولذلك فإنّ مضمون الخطاب وطُرق الإرسال ووسائط الاتّصال والتواصل لا تعني المُرْسِل فقط (رئاسة الجمهورية أو الحكومة)، وإنّما تعني كذلك المُرْسَل إليه (عموم المواطنين). ومثلما أنّ المواطن معنّي بالمضمون والمحتوى، فإنّه معنيّ كذلك بالوسائط.

إذ من حقّه أن يتساءل: لماذا لا يلقي رئيس الجمهورية خطبا من منبر مجلس النواب ليشرح سياساته العامة والقطاعية كما ينصُّ على ذلك الفصل المائة من الدستور؟ لماذا لا يظهر رئيس الجمهورية باعتباره ممثّلا للشعب في حوار إعلامي يكون فيه الصحفي في منزلة صوت المواطن ومقام المُعبِّر عن انشغالاته؟ لماذا لا يوجد ناطق رسمي باسم رئاسة الجمهورية؟ لماذا تصدر قرارات الإقالة والتعيين دون شرح أو تفسير؟ لماذا يكون التواصل عبر المنصّات الاجتماعية وليس عبر مؤسسات الإعلام العمومي والخاص التي تحوّلت إلى مجرّد ناقل وناسخ؟

“لا رجوع إلى الوراء” بما هو انفتاح

يمكن القول بكثير من الاطمئنان إنّ الطريقة التي اختارتها رئاسة الجمهورية التونسية خلال عهدتيْ رئيس الدولة قيس سعيّد تُعدُّ استثناءً وطنيّا ودوليا. فهي استثناء على المستوى الداخلي منذ زمن الرئيس الأوّل للجمهورية الحبيب بورقيبة الذي جعل من الاتّصال المباشر والخطب والحوارات الإعلامية وسائطه للتواصل مع الشعب، إلى زمن زين العابدين بن علي الذي جعل من المناسبات ذات البعد الوطني والديني محطات لإلقاء الخطب، تُضاف إليها منظومة اتّصال داخلي وخارجي يتمازج فيها الدعائي مع الاتصالي خدمةً لسياسة إعلامية موجّهة تتخلّلها مساحيق وتقنيات تنفيس.

أمّا لحظة الثورة فتحوّلت إلى انفتاح اتّصالي، غدا فيه رئيس الجمهورية سواء فؤاد المبزع أو المنصف المرزوقي أو الباجي قايد السبسي أو محمد الناصر موضع مساءلة وإحراج. فقبل 25 جويلية 2021، شاهدنا ما يمكن تسميته أو وصفه “الرئيس-المواطن”.

لكنّ رئيس الجمهورية الحالي قيس سعيّد رفع شعار “لا رجوع إلى الوراء”. ومن استتباعات هذا الشعار في المجال الاتّصالي والإعلامي القطع مع السياسات السابقة، وهو ما حصل فعلا بأوجه متعدّدة. لقد غدا التواصل من خلال وسائل الإعلام التقليدي المكتوب والإلكتروني والسمعي والبصري جزءا من الماضي، وغاب ساكن قرطاج عن الحوارات الإعلامية ممّا أعفاه من وضع يكون فيه في موضع المسؤول (أي من يُطْرَح عليه السؤال)، وتقطّعت السبل بالصحفيين الذين لم يجدوا مخاطِبا سواء في قصر قرطاج أو قصر الحكومة بالقصبة.

في إلغاء الوسائط

احتلّ الفيسبوك زمن سعيّد المكانة العليا في استقاء المعلومة ضمن وضعية يتساوى فيها المواطن المُستهدف مع الصحفي المهني باعتباره وسيطا بين الباثّ والمتلقّي. وبذلك يكون اختيار هذه المنصّة جزءا من سياسة اتّصالية وليس مجرّد “اختيار اعتباطي”. فالسياسة العامة لمنظومة الحكم السائدة تقوم على إلغاء الوسائط، وهذه المنصّة وفّرت للنظام إمكانية تجسيد رؤيته بأقلّ كلفة ممكنة.

يُعدّ إلغاء الوسائط أو تحجيمها من أجل توظيفها من الثوابت السياسية لهذه المرحلة. وأيسر وسيلة للتخلّي عن واسطة ما سحب البساط من تحت أقدامها. وأفضل سُبل سحب البساط حرمانها من أداء وظيفتها بما هي سبب وجودها أو مشروعيتها. إذ لا معنى للإعلام دون مصدر للخبر أو المعلومة. فبغلق الأبواب و”منح” هذه الوظيفة للفيسبوك تتحوّل الوسيلة الإعلامية إلى مجرّد ناقل من الدرجة الثانية، وتفقد الوظيفة التي تستمد منها شرعية وجودها.

إنّ “الإستراتيجية الاتصالية” التي تعتمدها رئاسة الجمهورية سواء عن علم ووعي أو دونهما، إنّما هي تطبيق لمقولات الميديولوجيا كما صاغها الفيلسوف الفرنسي ريجيس دوبريه. فالاتّصال من أجل التبليغ يعتمد الواسطة الأحدث تكنولوجيا، والأسرع في الإنجاز، والأنجع في الإبلاغ، والأبخس ثمنا. وكلّ هذه المعايير/المواصفات تنطبق على منصة التواصل الاجتماعي فيسبوك ذات الكلفة الصفرية في الاستخدام، وذات النجاعة القصوى، والتبليغ المباشر دون حاجة إلى وسائط أخرى.

هل تُدار تونس بالفيسبوك؟

ونظرا إلى طبيعة المقال لا يمكننا تفصيل القول في هذا الأمر. لكن من الضروري الإشارة إلى أنّ هذه الواسطة (الفيسبوك) ولئن ضمنت الاتصال المباشر مع عموم المواطنين وكان لها دور أساسي في تحجيم الوسائط الإعلامية، فإنّ سلبياتها كثيرة وارتداداتها خطيرة.

لا تنقل المنصّات الاجتماعية البلاغات والرسائل والتدوينات والفيديوهات بل تُغيّرها لتتماشى مع طبيعتها. وهي ثانيا منصّات تنتهك السيادة في حين أنّ من يستعملها يرفع شعارات سياديوية. ويخال المُستخِدِم ثالثا أنّه يستخدم المنصّات في حين أنّها تستخدمه. وأخيرا فإنّ من يستخدم هذه المنصات يغدو أسيرا لها ولمنطقها بل ولطبيعتها.

ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا ردّد رئيس الجمهورية قيس سعيّد مرارا وتكرارا وعلى مدى السنوات الأربع الأخيرة “أنّ تونس لا تُدار بالتدوينات أو بالفيسبوك”… فمن مقاربة ميديولوجية بحتة تونس تُدار فعلا بالفيسبوك، لسبب رئيسي هو أنّ الوسائط تستخدمنا في الوقت الذي نظنّ أنّنا نستخدمها…تفصيل القول يحتاج مساحات أخرى…

اشترك في قائمتنا البريدية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد مباشرة.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *