توّجت مدينة قابس بالجنوب التونسي مسار احتجاجاتها المطالبة بوضع حدّ للتلوّث، بمسيرة سلميّة مسؤولة خرج فيها عشرات الآلاف، فرضت على الجميع احترام مطالبها المشروعة وألجمت أفواه الكثيرين ممّن حاولوا تشويه حراك “القوابسيّة”.
قابس تكذّب المشكّكين
صور المسيرة كذّبت ما تداولته صفحات التواصل الاجتماعي حول توزيع أموال على محتجّين في قابس وانتشار فيديو يظهر أجانب يوزّعون أموالا، ليتبيّن أن المقطع صُور في مصر عام 2013.
أهم الأخبار الآن:
ولم يقف الأمر عند ترويج الاتهامات بتمويل المحتجّين على منصات التواصل الاجتماعي بل حاول بعض النوّاب من الموالين لمسار 25 جويلية تشويه الاحتجاجات.
فقد ذهبت النائبة فاطمة مسدي إلى إنكار وقوع حالات اختناق بين التلاميذ، ووصفت الوضع في قابس بأنه “تهويل”، وشكّكت في الأعراض الصحيّة الناتجة عن الانبعاثات الغازية.
غير أن التزام أهالي قابس بالسلوك المواطني والاحتجاج السلمي عرّى تلك المحاولات.
وفي هذا السياق أشاد رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد بالمظاهرات التي شهدتها قابس للمطالبة بتفكيك الوحدات الكيميائية “الملوثة” وغازاتها السامة وقال إنها كانت نابعة من شعور عالٍ بالمسؤولية والوطنية لدى المواطنين.
تحذير لـ “الجيل زاد”
ورغم تأكيد سعيّد وطنيّة أهالي قابس ومسؤوليّتهم ومشروعيّة مطالبهم، إلّا أنه أشار -في كلمة أدلى بها خلال لقائه رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزنري- إلى محاولات لاستلهام تجربة “الجيل زاد” بالمغرب.
ولم يخل خطاب الرئيس سعيّد من وعيد لفئة الشباب على اعتبار أنهم يطمحون إلى استنساخ تجربة حراك شباب المغرب “جيل زاد 212” الذي اندلع في شهر سبتمبر الماضي للمطالبة بإصلاح قطاعي الصحّة والتعليم والقضاء على الفساد إثر وفاة 8 نساء حوامل بمستشفى عمومي في أغادير جنوبي البلاد.
وطالب المحتجون باستقالة الحكومة التي يرأسها عزيز أخنوش، في حين دعتهم الأخيرة إلى العمل على بلورة مقترحات لحل المشاكل والقضايا المجتمعية المطروحة.
وقد تكون التجربة المغربيّة استلهام بتجربة سبقتها بأيام بعد نجاح “الجيل زاد” في نيبال من إسقاط الحكومة.
فقد اندلعت الاحتجاجات في نيبال نتيجة تعليق استخدام العديد من منصات التواصل الاجتماعي الشهيرة، إلا أن السبب الأعمق كان غضب آلاف الشباب من فساد الحكومة والمحسوبية، ما أدّى إلى سقوط رئيس الوزراء مع حكومته.
بدوره لم يكن حراك شباب نيبال إلّا امتداد لحراك في عدّة دول في جنوب أسيا.
فنيبال هي الدولة الآسيوية الثالثة، في الفترة الأخيرة، بعد بنغلاديش وسريلانكا، تشهد سقوط حكومتها نتيجة تحرّك الشباب.
خوف من العدوى
عدوى الاحتجاجات الشبابيّة التي امتدّت من جنوب آسيا إلى المغرب الأقصى، رجّح محلّلون أن تنتقل إلى البلدان المجاورة للمغرب على غرار تونس والجزائر.
فقد اعتبرت صحيفة “لوبوان” الفرنسية أن الاحتجاجات التي تقودها الحركة الشبابية “جيل زاد 212” في المغرب ستنتقل إلى الجزائر وتونس، نظرا إلى تشابه التحدّيات التي تواجه الشباب في هذه البلدان الثلاثة.
وحسب لوبوان، يصل معدل البطالة في المغرب والجزائر وتونس، بين الفئة العمرية 15-24 سنة إلى 38٪ في المغرب، و29.7٪ في الجزائر، و36.8٪ في تونس، بينما يبلغ معدل البطالة العام 12.8٪ في المغرب، و11.4٪ في الجزائر، و15.3٪ في تونس.
أما بالنسبة إلى خريجي الجامعات، وهم العمود الفقري لحركة “جيل زاد”، فإن 23.4٪ منهم بلا عمل في تونس، مع تفاقم البطالة بين الشابات لتصل إلى 31.2٪ مقارنة بـ13.8٪ بين الشباب، رغم أن النساء يشكلن ثلثي خريجي التعليم العالي التونسي.
وفي الجزائر، تبلغ نسبة البطالة بين خريجي التعليم العالي 31.4٪، إضافة إلى 26.1٪ من خريجي المعاهد المهنية، أما في المغرب فالوضع أكثر حدة، إذ أن 40.3٪ من الشباب بين 15 و34 سنة الحاصلين على شهادات تعليمية لم يجدوا فرص عمل.
ورأى المقال أنه سواء كانت “جيل زد 212″، أو “جيل زد 213” التي بدأت تظهر في الجزائر، أو “جيل زد 216” التي قد تظهر في تونس “قريبا”، فإن الشباب يشترك في الأفكار والمظالم، وفي طيات حركاته رسالة واضحة: “لم تُستخلص دروس الربيع العربي بعد”.
قلق السلطة
تهديد قيس سعيّد للشباب قد يكون مردّه خشية السلطة من اتساع رقعة الاحتجاجات وامتدادها إلى مناطق أخرى أو قطاعات مختلفة. فالوضع الاقتصادي والاجتماعي الذي تشهده البلاد قد يوفّر أرضيّة خصبة لذلك.
يقول المحلّل السياسي صلاح الدين الجورشي: “تواجه السلطة حاليا اتساع رقعة الاحتجاج الذي أصبح شبيها برقعة الزيت، بعد أن تم التنسيق بين عديد الجمعيات للاحتجاج (…) وأُطلقت الدعوات من أجل تنظيم مسيرات بكامل الجمهورية. وهذا النمط من التضامن تخشاه السلطة وتدينه”.
واعتبر أن ذلك يعيد إلى الأذهان ما حدث قبل خمسة عشر عاما، وأدّى إلى انفجار الأوضاع بين 26 ديسمبر و14 جانفي.
وأشار إلى أن هذا السيناريو يحلم بتكراره عدد واسع من خصوم الرئيس قيس سعيد الذي أشار إلى ذلك بنفسه حين وصف خصومه بـ”المناوئين والمتآمرين الذين يتخبطون ويتلونون، حيث تغدق عليهم أموال من الخارج حتى يكونوا أبواقا مهجورة”، وفق ما كتبه الجورشي.
ومن هنا قد يبدو مفهوما ذلك القلق الذي رافق حديث سعيّد عن “الجيل زاد” باعتباره حراكا اجتماعيا تلقائيا قد يفجّر الشارع التونسي.
فإن كان النظام قد نجح في تحييد “الوسائط” السياسيّة والمدنيّة وعزلها عن المشهد، فإن مبادرة مثل حراك “جيل زاد” غير متوقّعة قد تجرّه إلى مآلات يخشاها.
إذ يرى مراقبون أن أزمة قابس تمثل ذروة تآكل المصداقية السياسية للنظام الحالي، إذ عرّت الفجوة بين وعود الرئيس وشعاراته، وبين واقع الناس الذين فقدوا الثقة في الخطاب الرسمي.
ويحذرون من أن تجاهل غضب أهالي قابس قد يكون شرارة لتحركات اجتماعية أوسع في البلاد، خاصة مع تزايد الاحتجاجات في صفوف الشباب العاطل عن العمل والعمال والمعارضة.



أضف تعليقا