اتحاد الشغل بتونس.. هل يحتاج إنقاذا أم إعادة تأسيس؟

اتحاد الشغل
عبد السلام الزبيدي
تدحرج الاتحاد العام التونسي للشغل خلال السنوات الأربع الأخيرة من فاعل أساسي بل ومحدّد في المشهدين السياسي والاقتصادي بتونس، إلى مربّعِ الباحث عن ضمان شروط إمكان استمراره. فقد غدا في موضع السعي إلى توفير أسباب البقاء بأكثر من معنى، أهمّها تبرير وجوده من خلال استعادة بعض أدواره واختصاصاته وربّما صلاحياته التي سحبتها السلطة من تحت قدميه، بالإضافة إلى توفير التمويلات اللازمة للقيام بما عليه، خلاصا للديون، وتأمينا للأجور، وتمويلا للأنشطة.
أُلْغِيت عدّة شعارات من سلّة استعمالات قادة الاتحاد مركزيا وجهويا، فلم نعد نسمع بأنّه “لا أحد بإمكانه تحديد مربّع تحرّك اتحاد الشغل”، و”لم يولد بعد من يتدخّل في المنظمة” و”الاتّحاد أقوى قوّة في البلاد”. وغدا جدول أعمال الاجتماعات في مستوياتها المتعدّدة تدور حول فتح أبواب التفاوض، وتوجيه رسائل للسلطة السياسية بإلغاء بعض قراراتها التي ألحقت ضررا بالجسم النقابي الثقيل، والبحث عن سُبل عتق رقبة المنظمة من ثقيل الدَيْن ومن مستلزمات النشاط اليومي.

سقف منخفض للمطالب

انتهت فعاليات المؤتمر الوطني السادس والعشرين المنعقد من 25 إلى 27 مارس 2026، و”أفرزت” وفق الاستعمال المتداول إعلاميا في تونس قيادة جديدة يتقدّمها صلاح الدين السالمي عضو المكتب التنفيذي المتخلّي، مع تغيير جذري في تركيبة المكتب التنفيذي الوطني من ناحية الانتماءات/ الميولات السياسية. والإفراز يعني ضمنيا أنّ صبغة الحصيلة سلبية، في حين أنّ الإثمار إيجابيّ. ولذلك أرى أنّه من الأفضل استعمال عبارة أنتج، حتى لا نقع في فخّ العبارات الموحية بدلالة سلبية.
كما انعقدت منتصف هذا الشهر (أفريل) الهيئة الإدارية الوطنية، وأصدرت بيانا تضمّن مواقف المنظمة من القضايا الوطنية والدولية، وأجْمَل المطالب النقابية. فكان السقف منخفضا محليّا، وهو ما يعكس وضع المنظمة التي آل وضعها إلى البحث عن مخارج وسبل لضمان البقاء، أمّا خطابات الماضي القريب فهي مجرّد ذكرى.
سبق أن كتبنا أنّ إستراتيجية السلطة للتعامل مع الاتحاد العام التونسي تتكوّن من ثلاث نقاط استخلصناها من ممكنات فعلها، استئناسا بما أتته مع عدد من الوسائط والهياكل والمنظمات والهيئات التي دخلت طيّ التاريخ وشُطِبت مِنْ دائرة الفعل، أو تقلّص حضورها في انتظار التآكل الداخلي والذاتي ثمّ الاضمحلال.

إستراتيجية السلطة وإخفاقات الاتحاد

 

النقطة الأولى لإستراتيجية السلطة تتمثّل في البعد السياسي. وذلك من خلال سحب البساط من تحت أقدام الاتحاد العام التونسي للشغل في القضايا والمسائل التي تستمدّ منها المنظمة الشغيلة مشروعيتها وجدواها. فالعمل النقابي يسعى إلى تحقيق مكاسب لمنظوريه من خلال التشريع أو التفاوض للترفيع في الأجور وتحسين ظروف العمل، لكنّ رئيس الجمهورية قيس سعيّد استأثر لنفسه بهذا الدور بعد أشهر قليلة من إعلانه إجراءات 25 جويلية 2021، وقبل أن تدخل الأزمة بين السلطة والمنظمة ذروتها.
ولن نجانب الصواب، إن قلنا بأنّ قيادة اتحاد الشغل أخفقت إخفاقا مشهودا في فهم “اللحظة التاريخية” لـ25 جويلية وسارت في ركابها بما مكّن للسلطة الاستقرار أوّلا ثم المضّي في تنفيذ مخططها ذي العلاقة بتحجيم الوسائط أو توظيفها أو إلغائها. لقد صفّقت القيادة في مواقف رسمية وتصريحات إعلامية وتدوينات، ثمّ تراجعت بعد أنْ غدا التراجع دون معنى ولا أثر.
أمّا النقطة الثانية فطبيعتها قانونية، سواء بإنفاذ القانون للتضييق، أو اقتراح تشريعات جديدة لتحقيق الهدف ذاته. يضاف إلى ذلك إنفاذ تأويلها للقانون بما يخدم تحقيق أهدافها. وللسلطة من الوسائل ما يجعلها ترتقي بتأويلها إلى مستوى الواقع الفعلي. ولنا في مسألة إيقاف التمويل من الصندوق الخاص البالغة قيمته أكثر من 4 مليون دينار سنويا، وإلغاء العمل بآلية الاقتطاع الآلي للانخراطات التي كانت تدرّ على اتحاد الشغل حوالي 18 مليون دينار أفضل دليل.
وتلك مجرّد أمثلة لاستعمال القانون للتضييق، دون الاضطرار إلى خوض معارك بالطرق التقليدية التي انتهجتها السلطة في زمن الرئيسين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي (انقلابات، طرد من العمل، سجن…).
وتتمثّل النقطة الثالثة في البُعد القضائي، وتكمن أهمية هذا البعد في إشهاره والتلويح به واستعماله في حالات محدوده. فهو خيار أشبه ما يكون بالإضراب العام عند النقابيين، وبالسلاح النووي عند من يمتلكه. فإمكانية الاستخدام قد تُغني عن اللجوء إلى الاستخدام الفعلي.
يوُكِّد واقع الحال أنّ السلطة نجحت في تنفيذ إستراتيجيتها ممّا جعل المنظمة الشغيلة تنكفئ على نفسها. لم يعد اتحاد الشغل يفكّر في تقديم حلول وخطط لإنقاذ البلاد، بل غدا يبحث عن إنقاذ نفسه ولو ببيع ما يملك.
رفض اتحاد الشغل خيار الخوصصة وبيع ممتلكات الدولة لكنه لم يتوان عبر تاريخه في التخفّف من مكتسباته من أجل إنعاش خزينته. وبلوغ هذا الدرك مؤشّر على أنّ القضية ذات صلة بضمان شروط إمكان الاستمرار أي الوجود أكثر منه البحث عن حلّ ظرفي.

حتّى لا يخطئ اتحاد الشغل مرّة أخرى

يُخطِئُ الاتحاد العام التونسي للشغل مرّة أخرى في فهم الانعطافة التاريخية، لو اعتبر أنّ جمع بعض الأموال من الانخراط الطوعي ومن بيع الممتلكات سواء كانت عقارات أو أسهما ومن سياسة التقشّف بما هي مؤشّر على سوء تصرّف سابقا، سيُنقذ المنظمة ممّا هي فيه.
إنّ أوّل ما ينبغي القيام به هو إعادة قراءة المشهد اليوم في علاقة بأمرين أساسيين، الأوّل طبيعة النظام الحالي ورؤيته لكيفية تسيير دواليب الدولة، وطريقته في التعاطي مع المنظمات والجمعيات ومنها الاتحاد العام التونسي للشغل. فلا مكان للمنظمة ضمن المنظومة الحالية إلّا إذا “اختارت الانخراط في حرب التحرير الوطنية” وفق عبارات السلطة. لقد حوّل دستور البلاد التشريع والقضاء إلى مجرّد وظيفة، ومن باب أوْلى أن تكون المنظمة الشغيلة هي الأخرى وظيفة وفق منطوق رؤية السلطة واستتباعاتها.
أمّا الأمر الثاني، فهو إعادة النظر في طبيعة المنظمة ذاتها وأدوارها ومستطاعها ضمن السياق الحالي. فلا معنى في ظل النظام الحالي الحديث عن المهام والصلاحيات ذاتها، ولا معنى ضمن التحوّلات الاقتصادية والتكنولوجية اليوم وسوق العمل المستجد والأشكال الجديدة للإنتاج والتغيّر الكلّي ليس في سوق العمل وإنما في طبيعته، أن يظل اتحاد الشغل سجين ماضيه.
لا يحتاج اتحاد الشغل اليوم خطة للإنقاذ المالي والإداري والتسييري، إنّه في حاجة إلى ما يشبه إعادة التأسيس. فالنظام يعتبره مجرّد وظيفة، وطبيعة العمل تغيّرت، والفاعل الدولي من أوّل المصفّقين لانحسار تلك المنظمة التي “كانت أقوى قوّة في البلاد”.

اشترك في قائمتنا البريدية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد مباشرة.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *