فجأة تحول إيريك زمور من مجرد ظاهرة إعلامية كلامية في فرنسا تتردد أصداؤها كلما تعلق الأمر بمعاداة الإسلام والعرب وقضايا المهاجرين، إلى مشروع سياسي يسير بخطى متسارعة الإيقاع باتجاه الإليزيه.
الفرنسي اليهودي ذو النزعة المتطرفة، تحول من مجرد معلق سياسي وكاتب عمود صحفي مثير للجدل بمواقفه العنصرية تجاه العرب والمسلمين إلى مرشح جدي للانتخابات الرئاسية الفرنسية، وسط تخمينات بتحقيقه مفاجأة مدوية واختراق قواعد اليمين المتطرف والإطاحة بمرشحته مارين لوبان أقوى المرشحات حظا لمنافسة إيمانويل ماكرون.
أهم الأخبار الآن:
كراهية علنية
لا يدخر زمور جهدا في التعبير عن كراهيته المسعورة للمسلمين وكل ما يمت للعرب بصلة في فرنسا كما لا يحاول تجميل مواقفه العنصرية، فهذا الصحفي المنحدر من أصول يهودية جزائرية حول مواقفه المناهضة للعرب والمسلمين إلى “علامة مسجلة” لخطابه الإعلامي ومشروعه السياسي الذي يوشك أن يكلل بإعلان ترشحه رسميا للسباق الرئاسي.
عداء زمور للمسلمين والعرب يبدو أبعد من سياقات الهوية والتنوع الثقافي والإثني في فرنسا، وهي الشعارات التي يوظفها اليمين المتطرف وخاصة الجبهة الوطنية بقيادة مارين لوبان لتسويق خطاب معاد للهجرة والإسلام وهي ترى فيهما خطرا على قيم الجمهورية.
فعلى عكس غيره من اليهود الفرنسيين المنحدرين من أصول مغاربية يفتخرون بها ويعبرون عن حنين وارتباط شديد بها، مثل الإعلامي سيريل حنونة أو الكوميدي جاد المالح وكذلك المغني أنريكو ماسياس، يعاني زمور من عقدة الجذور أو إشكالية “تمثل الهوية ” كلما تطرق الحديث إلى عائلته الجزائرية المهاجرة إلى فرنسا، وهو ما يجعله يقدم نفسه على أنه “يهودي فرنسي من أصول بربرية”، في محاولة للتعمية على خلفيته العربية التي تتناقض مع مواقفه وشعاراته.
مع تجدد النقاش داخل النخب السياسية والثقافية الفرنسية بشأن قضايا الحريات الدينية للمسلمين واندماجهم في المجتمع الفرنسي منذ العام الماضي إثر إعلان ماكرون عن مشروع قانون لتعزيز قيم الجمهورية ومكافحة ما وصفه بالتطرف و”الانعزالية الإسلاموية”، عادت شعارات زمور المثيرة للجدل للحضور مجددا عبر المنابر الإعلامية.
تيار الإسلاموفوبيا وورقة الانتخابات
استغل الرجل صعود نزعات الإسلاموفوبيا وكراهية المهاجرين والعرب في الأوساط الشعبية بعيد عملية ذبح المدرس صامويل باتي، والصعوبات الاقتصادية والغليان الاجتماعي ليوسع قاعدته الشعبية في وقت وجيز، بل أنه نجح في جذب آلاف من الشباب من قواعد الجبهة الوطنية وغيرها من القوى اليمينية وتعبئتهم للترويج لمشروعه الذي ينادي علانية بطمس هوية العرب والإسلام من المجتمع الفرنسي.
تصريح زمور الذي سلط الأضواء على مضمون مشروعه السياسي وسن أقلام المدونيين والمثقفين والسياسيين داخل فرنسا وخارجها للرد عليه ،تمثل في الإعلان عن نيته منع اسم النبي محمد في فرنسا بين أوساط المسلمين. والعرب ومنع إطلاقه على المواليد الجدد تحت زعم الدفاع عن الهوية الفرنسية
الموقف الذي قوبل بانتقادات واسعة من النخب الفرنسية السياسية والثقافية لم يكن مبادرة مسقطة، بقدر ما يعبر عن تطور خطير في مواقفه ومشروعه من المعادة إلى الإلغاء.
فطوال عقود أشتهر هذا الناشط اليهودي برفضه للخصوصيات الثقافية التي يتمسك بها أبناء الجاليات المسلمة في فرنسا، من خلال ممارسة الطقوس الدينية إلى جانب استعمال الأسماء العربية وتدريس لغتهم الأصلية في المدارس والمساجد.
منع اسم محمد
خلال مشاركته في برنامج “نحن على المباشر” الذي يبث على القناة الفرنسية الثانية، قال الكاتب والناشط اليميني المتطرف “إنه إذا أصبح رئيسا لفرنسا فسيمنع تسمية المواليد الجدد باسم محمد”، كما تعمد عدم الإجابة عن سؤال المحاورة إذا كان سيفرض على المسلمين إنكار جيناتهم كشرط للاندماج في المجتمع بعد كشفه عن نيته إغلاق المساجد “التي يتحكم فيها الإخوان المسلمون والسلفيون”.
وأضاف زمور أنه يمكن للمسلم الفرنسي أن يطلق على ابنه اسما ثنائيا مركبا يأتي فيه محمد ثانيا بعد الاسم الأول الذي “لا بد أن يكون فرنسيا بالقطع”.
وأشار الكاتب الفرنسي المتطرف إلى المدرب ولاعب المنتخب الفرنسي السابق زين الدين زيدان معتبرا أنه “كان يجدر أن يسمي جان زيدان بدلا من زين الدين”.
ورغم محاولة زمور التخفيف من حدة موقفه العدائي والعنصري الصريح تجاه العرب بالقول إنه سيلغي كل الأسماء غير الفرنسية على غرار القانون الذي سنه نابوليون بونابرت سنة 1803، إلا أنه كشف بوضوح حقيقة أفكاره القائمة على عداء إيديولوجي وفكري وتعصب ديني تجاه المسلمين.
يسوق زمور لأفكاره في كتابه الأخير “فرنسا لم تقل كلمتها الأخيرة بعد” والذي يزعم فيه التحذير من مخاطر أسلمة فرنسا وتغيير هويتها وبنيتها الديمغرافية، وسط الارتفاع المتنامي والمقلق للفرنسيين من أصول عربية ومسلمة.
ترتكز أفكار الناشط السياسي والصحفي اليميني المتطرف على خليط من سياسات الإلغاء وطمس الهوية التي انتهجتها محاكم التفتيش في إسبانيا ضد الموريسكيين المسلمين في محاولة لطمس هويتهم نهائيا بعد سقوط غرناطة، من خلال الترويج لمنع تدريس اللغة العربية والأسماء العربية على المواليد والتضييق الممنهج على الحريات الدينية وممارسة الشعائر الإسلامية، إلى جانب ممارسات شوفينية فاشية عملت على استهداف الأقليات الإثنية في المجتمعات بحجة حماية الثقافة والهوية الوطنية الأصلية.
بعض المحققين والباحثين التاريخيين يقارنون كراهية زمور للإسلام بموجة معادة السامية التي انتشرت في أوروبا منتصف القرن 19، لكن الرجل يتجاوز هذه النزعة إلى التبشير بصهر قسري للمسلمين في المجتمع والثقافة الفرنسية بدلا من تثمين التنوع الديني والثقافي والحضاري القائم حاليا.
تصريح زمور تسبب في تقليص مشاركاته الإعلامية من جانب الهيئة العليا للسمعي البصري في فرنسا والتي بررت القرار بأن مواقفه “تمثل توجها سياسيا”.
يعلق الصحفي اليميني المتطرف على مسألة ترشحه للسباق الفرنسي “المسألة لم تحسم بعد وفي طور التفكير”، مكذبا بذلك عديد السياسيين والقوى اليسارية وحتى الأوساط الشعبية الفرنسية التي تصوره بأنه الخطر الحقيقي الذي يهدد الجمهورية، والذي يعمل على خلق جدل ترويجي بشأن أفكاره مساهما في صعود أسهم ترشيحه.


أضف تعليقا