إيبولا – هانتا.. الأوبئة تعري “هشاشة” العالم !!

إيبولا هانتا

محمد بشير ساسي

قبل 7 سنوات حذّر تقرير مستقلّ أُعدّ بطلب من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من وجود “تهديد في غاية الخطورة” لوباء يجتاحُ الكوكب، ويهدّد حياة حوالي 80 مليون شخص.

و ذكرَ التقرير الذي أصدره مجلس رصد الاستعداد العالمي العام الماضي بالتعاون مع البنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية في منتصف سنة 2019، أنّ مسبّبات الأمراض المميتة التي تنتشرُ جوا في جميع أنحاء العالم يمكنُ أن تدمّر حوالي 5% من الاقتصاد العالمي، ولكن العالم ليس مستعدّا لمجابهة مثل هذا الوباء القاتل.

شبح الفيروسات

طَرح آنذاك العديد من القادة والمسؤولين السياسيين والخبراء سؤالا في غاية الأهمية والخطورة: هل أنّ العالم على أتمّ الاستعداد لمواجهة الجائحات؟ وما مدى تأهّبه وجاهزيته لمكافحة الأوبئة على جميع الأصعدة السياسية والمالية واللوجستية.

بعد كابوس “كوفيد 19” الذي أودَى بحياة الملايين ودمّر الاقتصاد العالمي أتت الإجابة المـــُؤلمة على لسان تيدروس أدهانوم غيبريسوس المدير العام لمنظمة الصّحة العالمية، حين أقرّ بأنّ العالم استخلص عبرا ودروسا صعبة، لكنّه ليس مستعدّا لمواجهة جائحة أخرى أو وباء جماعي وفق تصريحاته.

يعودُ اليوم شبح الأوبئة مجدّدا لتخيّم معه حالة من القلق الارتياب، بعد انتشار عديد البيانات والإحصائيات في النار كالهشيم بكثير من دول العالم بخصوص التفشي لفيروسي هانتا وإيبولا أحدث الأزمات الصحية التي يبدو أنها عرّت مجدّدا النظام الصحي العالمي، وكشفت عودته لمنطق ردّة الفعل لا الوقاية وبمنطق إدارة الأزمة لا منعها

رعب في إفريقيا

في قلب القارة الإفريقية المنسيّة وفي ظل عدم وجود لقاح أو علاج معتمد لوقفها، داهمت سلالة نادرة من إيبولا” بونديبوجيو” كل جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا، وهي سلالة تختلف عن سلالة “زائير” الأكثر انتشارًا، ومنذ الإعلان عن تفشي الفيروس في 15 ماي الجاري، تصاعدت المخاوف الدولية من احتمال اتساع نطاق انتشاره، في حين أن طرح أي لقاح محتمل لهذه السلالة من الفيروس لوقفه ما يزال على بعد أشهر ما يجعل جهود الاستجابة تقتصر على الرعاية الداعمة فقط.

مع ارتفاع حصيلة الضحايا، لم تتأخّر منظمة الصحة العالمية في الإعلان عن “حالة طوارئ” صحية عامة بموجب الفقرة الثانية من المادة 12 الخاصة بتحديد حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقا دوليا، بما في ذلك الطوارئ الوبائية وفق اللوائح الصحية الدولية لعام 2005، لكنّ المنظمة لفتت إلى أن انتشار المرض لا يرقى إلى مستوى “الطوارئ الوبائية” (الجائحة) وفق تعريف اللوائح الصحية الدولية.

ووسط حالة الرعب والذعر المنتشرة في القارة السمراء والعالم، زادت تقارير إعلامية الوضع تعقيدا كاشفة عن ضعف الوعي العالمي بمخاطر الأوبئة كما يحذر خبراء الصحة العالميين.

فوفق “فايننشيال تايمز”، فإنه لم يُكتشف تفشي إيبولا في جمهورية  الكونغو الديمقراطية إلا بعد أسابيع من بدايته بسبب انهيار منظومات الإبلاغ الصحي في مناطق النزاع شرق البلاد.

وتنقلُ الصحيفة البريطانية عن أحد الخبراء الكونغوليين، أن المشكلة لا تتعلّق بغياب الخبرة الطبية، بل بغياب الموارد والبنية التحتية القادرة على العمل في بيئة أمنية منهارة، فحتى دولة تُعد من الأكثر خبرة عالمياً في التعامل مع إيبولا منذ ظهوره لديها عام 1976، لم تتمكن من احتواء التفشي في مراحله الأولى خصوصا وأنّه مرض فيروسي فتّاك ينتشر عن طريق الاتصال المباشر بسوائل الجسم، ويُعتقد أنه انتقل إلى الإنسان من الخفافيش، ويمكن للفيروس أن يتسبب بنزف حاد وفشل في وظائف الأعضاء.

أما من الناحية اللوجستية، فيربط العديد من المحللين أبعاد الأزمة الصحية المركبة في إفريقيا وصعوبة احتواء تفشي “إيبولا ” شرقي الكونغو بتداخل الأوبئة مع النزاعات المسلحة، والنزوح الجماعي، وانعدام الثقة بين السكان والسلطات الصحية، بل وحتى استهداف المرافق الطبية في بعض المناطق.

بالإضافة إلى ذلك فقد انعكس تقليص المساعدات الدولية، خصوصاً من الولايات المتحدة وبريطانيا على قدرات المراقبة الصحية، من خلال تقليص فرق التتبع، وبرامج التوعية، والبنى الأساسية البسيطة مثل محطات غسل الأيدي.

ويرى كثيرون أنّ هذه المعطيات الخاصة بأزمة إيبولا تعيدُ إحياء جدل قديم حول الطريقة التي يُدار بها خطابُ الصحة العالمية، حيث يعتقد كثير من الأفارقة أن القارة لا تُذكر في الأوبئة إلا بوصفها مصدراً للخطر، بينما تُهمل تضحيات كوادرها الصحية التي تقود الاستجابة فعلياً على الأرض.

كابوس جديد

بالتوازي مع تصاعد المخاوف من توسّع انتشار وباء “إيبولا” يصارع العالم على جبهة ثانية – وإن كانت أقل خطورة – لمنع تحوّل فيروس هانتا إلى كابوس وهو الذي تفشى على متن السفينة السياحية الهولندية “إم في هونديوس أوائل شهر ماي 2026 ” مسجلا 12 إصابة، بينها 3 حالات وفاة وفق آخر بيان صادر عن منظمة الصحة العالمية.

ورغم أن المسؤولين في الهيئة الدولية يؤكدون أن الوضع الحالي لا يشير إلى بداية جائحة عالمية جديدة، فإن الفيروس الذي يُعد نادرًا نسبيًا قد تؤدّي بعض أنواعه إلى مضاعفات حادة ومهددة للحياة، خاصة في البيئات المغلقة أو عند تأخّر التشخيص والعلاج الداعم، وقد يسبّب الفيروس أيضا أمراضًا تصيب الجهاز التنفسي أو الكلى لدى الإنسان. ويرتبط الفيروس غالبًا بالتعرض لبول القوارض أو فضلاتها أو لعابها، سواء عبر الاستنشاق أو ملامسة الأسطح الملوثة، في حين يُعد انتقاله بين البشر نادرًا في معظم السلالات المعروفة.

في قراءة لحالة تفشي “فيروس هانتا” تعتبر رئيسة وزراء نيوزيلندا السابقة والخبيرة في مجال الأوبئة هيلين كلارك أنّ ما حدث على متن سفينة سياحية في جنوب الأطلسي لا يقل خطورة عن الحالة الإفريقية، لأنه يكشف فشلاً في الوقاية الاستباقية.

وتضيف كلارك في أحد مقالاتها أن المرض كان يجب أن يُؤخذ في الحسبان منذ البداية، نظراً لأن فيروس هانتا متوطن في مناطق انطلاق السفينة جنوبي الأرجنتين، ما يعني أن أي أعراض تنفسية حادة على متن سفينة قادمة من تلك المنطقة كان ينبغي التعامل معها كحالة طوارئ وبائية منذ اللحظة الأولى، لا بعد تأخر التشخيص.

وتتابع كلارك التي شغلت سابقا مديرة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أن ما يجمع بين حالتي هانتا وإيبولا هو غياب ما تسميه الجغرافيا الوبائية في صنع القرار الصحي، أي تجاهل طبيعة الأمراض المتوطنة في المناطق التي تنطلق منها الرحلات أو تتفشى فيها العدوى، وهو ما يسمح بانتشار المرض قبل اكتشافه.

ذاكرة مؤقتة

تلتقي جلّ الآراء والتحليلات والتقييمات السابقة عند نقطة مركزية واحدة: النظام الصحي العالمي ما زال يعاني من ثغرات بنيوية في ثلاثة مستويات متداخلة؛ الرصد المبكر، والتمويل المستدام، والاستجابة في البيئات الهشة.

وفي هذا السياق تجمعُ عديد التوقعات من أنّ أخطر ما كشفته هذه الأزمات ليس فقط محدودية القدرات الطبية، بل هشاشة البنية السياسية والمالية التي يفترض أن تدعمها، في عالم تتراجع فيه أولويات الصحة العالمية لصالح أزمات سياسية واقتصادية أخرى.

وعلى هذا الأساس تبدو الأوبئة القادمة أقل ارتباطاً بطبيعة الفيروسات نفسها، وأكثر ارتباطاً بمدى استعداد العالم للاعتراف بأن الدروس التي تعلمها من كوفيد-19 لم تُترجم بعد إلى منظومة وقائية حقيقية، بل إلى ذاكرة مؤقتة تتلاشى مع كل أزمة جديدة.

عموما لا تعكسُ هشاشة العالم أمام الأوبئة فشل الحضارة الإنسانية بقدر ما هي تذكير بحدود القوة البشرية، فقد كشفت الأزمات الصحية أن العالم الحديث، رغم كل تقدمه، ما يزال معرضًا للانهيار أمام أخطار غير متوقعة، وأن الإنسان بحاجة دائمة إلى التواضع أمام الطبيعة.

لكن هذه الهشاشة يمكن أن تتحول إلى فرصة لبناء عالم أكثر عدلًا وتضامنًا واستعدادًا للمستقبل، فالأوبئة لا تكشف ضعف الإنسان فقط، بل تكشف أيضًا قدرته على المقاومة والتعاون وإعادة البناء. ولعل الدرس الأهم الذي خرجت به البشرية من هذه التجارب هو أن مصير الناس واحد، وأن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالقوة المادية وحدها، بل بالعلم والوعي والرحمة والتعاون بين الشعوب.

اشترك في قائمتنا البريدية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد مباشرة.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *