رأي سياسة

إنّهم يبحثون عن انتخابات حرّة ونزيهة في زمن حرب التحرير الوطني! 

عبدالسلام الزبيدي
يتميّز خطاب رئيس الجمهورية قيس سعيّد بالوضوح، وذلك على خلاف ما يدّعيه منتقدوه الذين يلتجئون، قبل مناصريه، إلى تقنيات التفسير وربّما أكثر من ذلك التأويل. فعندما صدع من مقرّ وزارة الداخلية ومن داخل أسوار عدد من الثكنات أنّه قائد القوات العسكرية والأمنية وليس القوات العسكرية فقط وفق دستور  2014، اعتبر مشاركوه في السلطة الموزّعة بين ثلاثة قصور (قرطاج والقصبة وباردو) أنّه يعبّر عن رأي فحسب، في حين أنّه أعلن على الملإ مشروع عملٍ  قام بتنفيذه وتجسيده يوم 25 جويلية 2021.
المفسِّرون أو معرفة الحقّ بسعيّد 
ولم يُحسن شركاؤه في الحكم بين 2019 و2021 التقاط دلالات تصريحاته الرافضة لتفتيت الدولة وتفجيرها من الداخل، ولم يدركوا أبعاد تعالي الأصوات بحلّ البرلمان. وقد تراوحت ردود الفعل حينها بين الصمت والنقد الخجول وربّما التبخيس أو الاستهزاء “في الغرف المظلمة” حسب تعبيرات سعيّد ذاته. والحال أنّه صدع بأعلى صوته بما يفكّر فيه، فكان ما كان يوم 25 جويلية حيث منعت دبابة ممثّلي الشعب من ولوج مقرّ رمز السيادة الشعبية، واستجمع قيس سعيد كلّ الصلاحيات في المرسوم عدد 117 الذي منح فيه لنفسه كلّ الصلاحيات التنفيذية والتشريعية.
 ولم يخرج سعيّد عن هذا الصراط في كلّ ما له  علاقة بالسياسات العمومية والهيئات والمنظمات. فهو يُعلن ما يُضْمِر بما يسمح للجهات المعنية بتقبّل الرسائل/ المخطّطات والاستعداد لها. لكن في كلّ مرّة تتكرّر الأخطاء ذاتها في مواجهة استراتيجية رئيس الجمهورية، من ذلك تأويل تصريحاته حول مقاومة الفساد بأنّه لا يستهدف هيئتها وإنّما ينتقد طريقة عملها، فتكون النتيجة إغلاق كلّ مقرات الهيئة الدستورية  وتجميد العمل بالنصوص القانونية ذات العلاقة.
ويجتهد ممثّلو الأجسام السياسية والناطقون بأسماء المنظمات والجمعيات في تأويل “صواريخه” نحو القضاء، بتخفيض سقف الأضرار المتوقّعة إلى مستوى إدانة القضاة  الفاسدين ومحاولة التأثير في سير بعض الملفات حدّا أقصى، بينما أنّ رأس المجلس الأعلى للقضاء كان مطلوبا تمهيدا لدحرجة القضاء من منزلة السلطة إلى درك الوظيفة… وقد كان ما أراد رئيس الجمهورية وما أعلن. وأثبت الواقع زيف التأويلات المغلّفة بمقولات حسن الظنّ والواقعيّة وتقدير المواقف بناء على التوازنات وغيرها من عبارات فقدت خلال العهدة الرئاسية الحالية صلاحيتها.
وتنسحب “الاستراتيجية الاتصالية” ذاتها لرئيس الجمهورية على عدد من الملفات الأخرى، على غرار الإدارة والصلح الجزائي والتعاطي مع الملفات النقابية وإدارة أزمات الغذاء من حيث الوفرة والأسعار وندرة الماء.
يمكن “تفهّم” استراتيجية التبرير والتفسير التي يعتمدها أنصار السياسات الرئاسية وفي مقدّمتهم ما يُعرف بالمفسّرين. فهُم  يعرفون الحقّ بالرجال، وفي هذا المقام ” يعرفون الحقّ بسعيّد”. ويؤمنون بصدق النص الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ويعتمدون مقولة النسخ لتبرير التناقض وفي الحدّ الأدنى التباين بين المواقف في المسألة نفسها، من ذلك التصويت على القرارات الأممية ذات الصلة بغزّة، أو ملف الصلح الجزائي، وقبلهما صياغة الدستور ولجنته ونسخته الرئاسية والثانية المعدّلة…
“توافق” بين المعاضدة والمعارضة 
لكن ما يعسر تفهّمه هو اعتماد المعارضة/ المعارضات ما يمكن وصفه بالاستراتيجية نفسها للتعاطي مع تصريحات رئيس الجمهورية ومواقفه وإشاراته وتلميحاته. وليس المقصود أنّ المعارضة ترفع مقولات سعيّد إلى مستوى “النص الذي لا يأتيه الباطل”، وإنّما يشتركون معهم في مسألة مُضمرة وهي أنّ للنص/الموقف/القرار  أكثر من دلالة. الدلالة الأولى ظاهرية قوامها السجلّ اللغوي الرئاسي المشحون بعبارات سياقها سلبي (تآمر، تلاعب، حرب، خيانة، ارتماء في أحضان الخارج، إثارة شغب، المسّ بالسلم الاجتماعية)، وأخرى تتضمّن الموقف السياسي الحقيقي لرئيس الجمهورية. أمّا الدلالة الثانية فهي معلنة حينا وغامضة أو “مخفية” أحيانا أخرى.
 أكّدت تجربة حكم سعيّد طيلة أربع سنوات ونصف أنّه يعني ما يقول، وأنّه يصرّح بما يخطّط له، حتى إن بدا ما يعلنه غير مقبول وفق السياق السياسي والاجتماعي والاقتصادي والدولي. ويمكن إحصاء عدد من المواقف التي تؤكّد صحّة هذا الرأي، على غرار ما كشفته مديرة الديوان الرئاسي نادية عكاشة عن اعتزام سعيّد طرد السفير الأمريكي الأسبق، أو طريقة التعاطي مع صندوق النقد، أو إجراءاته الاستثنائية، أو إدارته لملف المنظمات الاجتماعية الكبرى (اتحادات العمال والأعراف والفلاحين).
فظاهر القول عند المعاضدة أنّ ما يقوله رئيس الجمهورية هو تعبير، مثلا، عن رفض ممارسات سائدة منذ عقود، والمهمّة الوطنية اليوم ضرورة محاربتها (حرب التحرير). أمّا المعارضة فتنتقد أسلوب الوصم، والاتّهام دون أدلّة، وانتحال صفة القاضي، وانتهاك مبادئ كوكبية على غرار براءة المتّهم قبل الإدانة وعلويّة الحقيقة القضائية والفصل بين السلط.
 والتفسيران عندي يعودان إلى الأرضية نفسها، ألا وهي تفسير ما يصدر عن قيس سعيد من أقوال، تصلنا في الأغلب الأعم عن طريق فيديوهات منشورة في منصة فيسبوك، بأنّ لها مستويين. لكن الواقع أثبت أنّه عندما يصف قطاعا مهنيا بالفساد (ولو جزئيا) فهو يعني ما يقول، ويكمن الحل عنده في السيطرة على الهيئات المنظمة له سواء بالإلغاء أو الحلّ أو تغيير التركيبة، ثم التقليص من صلاحيات الفاعلين في ذاك القطاع وتحويلهم إلى “موظفين” بمعنيَيْ التوظيف، أيْ وظيفة إدراية والاستخدام لتحقيق أهداف ما.
رئاسيات شعارها إمّا البقاء أو الفناء 
تكمن المعضلة الأساسية التي تعاني منها الساحة السياسية في تونس، في رفض أخذ ما يقوله “الصانع الأساسي” وربّما الأوحد للسياسات مأخذ الجدّ، والتعاطي معه وفق ما يظهر من تصريحاته ورسائله وإشاراته.
فرئيس الجمهورية، وفق هذه المحدّدات، يرفض الشراكة في صنع القرار، ويعتبر توزيع السلطات تفكيكا للدولة ومحاولة لتفجيرها من الداخل، ويرى في الهيئات المستقلّة قضما لصلاحيات السلطة التنفيذية ومدخلا للخارج في تشكيل القرار الوطني، ويعتبر أنّ تونس تعيش مرحلة تحرير وطني تستوجب الالتفاف حول قائد أوحد بما هو رمز لوحدة الدولة ومدافع عن سيادتها، ويشدّد على أنّ حرب التحرير نتيجتها إمّا البقاء أو الفناء، ويصرّح بأنّه لن يسلّم العهدة إلاّ لمن هو وطني، وينظر إلى الراغب في الترشّح إلى الانتخابات الرئاسية حلقة من مؤامرة لتنفيذ أجندات من ارتمى في أحضان الخارج.
هكذا تحدّث رئيس الجمهورية وما يزال… وهو ما جعل المفسّرين المعاضدين يجتهدون في بيان أوجه الصدق والإخلاص والوطنية، ويعتبرون أنّ الترشح  لنيل العهدة الرئاسية القادمة واجب وطني مقدّس (القيادي في حركة 25 جويلية عبدالرزاق الخلولي)، بل يرون أنّ نتائج الانتخابات الحالية محسومة وينبغي التفكير في عهدة سنة 2029، وذلك بمنح سعيّد حصانة مدى الحياة (قيس القروي الذي يعرّف نفسه بأنه أحد المقرّبين للرئيس زمن التأسيس).
هكذا تحدّث رئيس الجمهورية وما يزال.. في الوقت الذي شرع بعض المعارضين في تقديم الترشّحات للانتخابات الرئاسية قبل صدور القرار المحدّد للشروط وقبل إفراج رئيس الجمهورية عن أمر دعوة الناخبين، في حين يعمل شقّ آخر من المعارضة على الضغط من أجل توفير شروط إمكان انتخابات حرّة ونزيهة.
إنّهم يبحثون عن انتخابات حرّة ونزيهة في زمن حرب التحرير الوطني، زمن شعاره البقاء أو الفناء، زمنٌ لن يتسلّم المشعل فيه إلّا الصادق الذي لم يرتم في أحضان الخارج.