إنكفاضة: المجتمع المدني يواجه تضييقا ممنهجا

إنكفاضة: المجتمع المدني يواجه تضييقا ممنهجا

أشارت تقارير “ميدل إيست آي” إلى أنّ تونس تشهد حاليا حملة “تضييق هيكلي تستهدف الإعلام المستقل والجمعيات الحقوقية، وسط مخاوف جدية من تقويض كامل للمكتسبات الديمقراطية” التي تحققت بعد عام 2011.

ورصد التقرير تزايد التجمعات الاحتجاجية أمام المحكمة الابتدائية بتونس، حيث يرفع المتظاهرون أصواتهم دفاعا عن الحريات العامة، أو رفضا لقرارات تعليق إداري يصفونها بـ”الجائرة”؛ وهو مشهد يعكس قلقا متناميا من تآكل المساحة المدنية وتحولها إلى حالة دائمة من التضييق.

من التهديد إلى الإغلاق

وتُشير تغطية ميدل إيست آي إلى أنّ المشهد المدني شهد على مدار العامين الماضيين سلسلة من قرارات تعليق النشاط لمدة ثلاثين يوما بحق عشرات المنظمات غير الحكومية، تلتها تهديدات بالحل القضائي النهائي.

هذا النهج أثار تساؤلات حادة حول استقلالية الجهاز القضائي ومآلات توظيفه في مسارات سياسية.

وقد شملت هذه الحملة التضييقية، وفقا للمصدر ذاته، كيانات حقوقية وازنة، على رأسها الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ومنظمة محامون بلا حدود.

وعلى وقع إجراءات قضائية بدت كاستكمال لفترة تعليق سابقة، وجدت “مؤسسة الخط” -الجهة المالكة لمنصة التحقيقات الاستقصائية إنكفاضة- نفسها في مواجهة مساع رسمية تهدف إلى حلها نهائيا.

وعن هذه المواجهة، نقلت ميدل إيست آي عن المديرة التحريرية للمنصة، منال لسود، تأكيدها بأنّ هذه “التدابير لا تبتغي سوى إسكات كل صوت يجرؤ على ممارسة النقد”.

ورغم وطأة هذه الضغوط، أوضحت لسود أنّ المنصة لم تُخضع قلمها للترهيب، بل استمرّت في أداء رسالتها الإعلامية، متمسّكة بحقها الأصيل في ممارسة مهنتها، ومراهنة في الوقت ذاته على نزاهة المسار القضائي وقدرته على إنصافها.

محاصرة النظام السياسي

ويرى مراقبون، وفقا لما ذكر في التقرير، أنّ ما يحدث “ليس مجرد تضييق ظرفي”، بل هو استراتيجية تهدف إلى “محو النظام السياسي برمته”.

فوفقا للمين بن غازي، مسؤول المناصرة في منظمة “محامون بلا حدود”، فإنّ السلطات لا تكتفي باستهداف المؤسسات فحسب، بل تسعى لتفكيك النظام البيئي السياسي الذي يشمل الإعلام، والجمعيات، والنقابات العمالية.

وتتزامن هذه الإجراءات مع ما تصفه منظمات حقوقية -مثل منظمة العفو الدولية- بذريعة مكافحة التمويل الأجنبي لحماية الأمن القومي، في حين يرى الحقوقيون فيها وسيلة لترهيب الفاعلين المدنيين.

وفي حديثها للمنبر ذاته، أكّدت سهام بن سدرين، رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة سابقا، أنّ “تقنيات القمع الجديدة أصبحت أكثر مكرا”، إذ لا تكتفي السلطة بالمنع المباشر، بل تعتمد على التعليق الإداري لنشر الخوف وتكريس الرقابة الذاتية.

تراجع الحريات وتنميط المشهد

وكشفت المنصة أنّ تونس تعاني من تراجع لافت في مؤشرات حرية الصحافة، حيث هبطت إلى المرتبة 137 عالميا في تصنيف “مراسلون بلا حدود” لعام 2026.

ويشير أسامة بوعجيلة، مسؤول في المنظمة، في تصريحاته للميدل إيست آي إلى تسجيل 39 قضية ضد صحفيين بناء على قوانين لا علاقة لها بالعمل الصحفي، مع دعوات متكرّرة من السلطة لوسائل الإعلام إلى الاصطفاف خلف توجهات الدولة.

ووفقا لما أوردته ميدل إيست آي، تظل منصة إنكفاضة في هذا السياق الصعب مثالا صارخا على هذا الصراع، حيث عرفت بتحقيقاتها الجريئة التي كشفت ملفات حساسة.

وقد شدّدت منال لسود، في ختام حديثها للمنبر ذاته، على أنّ ما تشهده البلاد اليوم لم يعد مجرد تغيير في المواقف، بل هو حملة قمع ممنهجة وهيكلية ضد الإعلام المستقل والمجتمع المدني.

اشترك في قائمتنا البريدية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد مباشرة.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *