ثقافة

إقبال زليلة لبوابة تونس: قابس سينما فن أثبت أنّ للسينما الفلسطينية تاريخ ينتصر لها

صابر بن عامر
قال المدير الفني لقسم السينما في مهرجان قابس سينما فن، إقبال زليلة، في لقاء مع بوابة تونس، إنّ النسخة السادسة من المهرجان المنتهية فعالياتها في ماي الجاري، (تحديدا من 27 أفريل إلى 1 ماي)، حقّقت جميع أهدافها الفنية، التوعوية، والتضامنية مع الشعب الفلسطيني الصامد.
وأكّد زليلة أنّ نسخة 2024، قدّمت 60 فيلما بين طويل، قصير، وثائقي، وتجريبي تناولت جميعها قضايا كونية عالمية تحاور المقاومة بشكلها العام، والفلسطينية بشكل خاص.
40 فيلما فلسطينيا
أما بالنسبة إلى الأفلام الفلسطينية التي عُرضت خلال أيام المهرجان، فمثّلت الثلثين -40 فيلما- منذ تاريخ التأسيس، أي منذ أواخر ستينات القرن الماضي مع بداية المقاومة، وحتى زمن السينما المعاصرة التي تبحث في إشكاليات الهوية والذات الفلسطينية.
وعن أهمّ الأفلام التي بقيت عالقة في ذاكرته بعد انتهاء دورة هذا العام، قال زليلة في تصريح خاص لبوابة تونس: “شاهدت وأنا صغير فيلم “كفر قاسم” (1974) للمخرج اللبناني برهان علويّة عن قصة لعاصم الجندي”.
ويُشدّد: “المقاومة المطروحة في الفيلم كانت سابقة لعصرها، لم أفهمه بالشكل الذي استوعبته اليوم، بعد أن أُتيحت لي فرصة إعادة مشاهدته في مهرجان قابس سينما فن، فعلمت أنّ للمقاومة تاريخا ورؤى سينمائية مدافعة عن القضية ومنتصرة لها”.
ويتناول فيلم “كفر قاسم” مجزرة قرية كفر قاسم الفلسطينية من قبل السلطة العسكرية للكيان المحتل، ويمزج الوثيقة بالرواية ضمن تحليل سياسي وفني ناضج.
ويوضّح الروائي الطويل في 90 دقيقة، أبعاد هذه المجزرة وملابساتها، وبالمقابل يحلّل الواقع الفلسطيني داخل الأرض المحتلة في تلك الفترة.
الفيلم الذي قام ببطولته كل من سليم صبري، عبدالرحمن آل رشي، شارلوت رشدي، وعبد الله عباسي يؤكّد ويفضح هوية العنصرية بحدّة ووضوح، ممّا يجعله -إلى الآن- وثيقة سينمائية دامغة للممارسات “الصهيونية” ضدّ الفلسطينيين.
ويستكشف علويّة في الفيلم الحياة اليوميّة في قرية كفر قاسم الفلسطينيّة، وكأنّ الكاميرا موجودة مع السكّان الأصليّين سنة 1956 عشيّة مجزرة “إسرائيليّة” جديدة.
ينجح الفيلم في تكوين وثيقة فعّالة وأساسيّة تُظهر آليّة الاحتلال وتركيبة المجتمع الفلسطيني بعيدا عن الميلودراما والخطابة الواعظة، وضمن نموذج طليعي من السينما العربيّة البديلة.
ونال الفيلم الجائزة الكبرى للأيام السينمائية بقرطاج عام 1974، وأثار -حينها- نقاشا كبيرا حول أهميته ونوعه.
يسترسل المدير الفني لقسم السينما في مهرجان قابس سينما فن: “المهرجان مكّنني أيضا من مشاهدة فيلم “الزيارة” للمخرج العراقي قيس الزبيدي، الذي لامست فيه جرأة كبيرة في التصوير وتناول القضية برؤية ومقاربة معاصرة”.
و”الزيارة” (1970) فيلم تجريبي ذو بنية شاعرية حول حادثة قتل في فلسطين المحتلة، استخدم فيه مخرجه قيس الزبيدي الرسم، والشعر، والموسيقى الشرقية والغربية، والفونوغراف والبانتوميم مبرزا الوجع الفلسطيني ومدى صمود الشعب الفلسطيني إزاء آلة القتل “الإسرائيلية”.
والفيلم من بطولة كل من منى واصف، حسن بغدادي، مروان وياسين أرناؤوط، ويوسف حنا.
مساءلة الشكل.. مقاومة سينمائية
عن سؤال مدى إفادة النقاش بعد مشاهدة الأفلام على الجمهور المستهدف، يقول زليلة: “النقاش الناجح، ذاك الذي يكون مخرجه حاضرا أو مخرجته حاضرة، كي لا نتعسّف على الفيلم بنقاشات جانبية، وهو ما نسعى إليه منذ تأسيس مهرجان قابس سينما فن، المشاهدة ثمّ النقاش الحرّ والمسؤول”.
وهو يرى أنّ المقاومة في الفن عموما، وفي السينما أساسا تأتي من مساءلة الشكل.
وفي سياق متّصل بالصورة والكلمة، يعتبر زليلة أنّ ما يعيشه العالم اليوم من تواتر مكثّف لصور الحرب على غزة وبشاعتها، سيما تلك المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، جعلت القضية تعيش مرحلة مفصلية، ستنتهي إلى النصر لا محالة.
ويُشدّد: “الصور الواردة من السوشيال ميديا، منذ السابع من أكتوبر 2023، تجاوزت الخيال السينمائي، لأنّها أُخذت بعفوية الوجع، وهي التي تركّز على تفاصيل اللامعلن في حرب الإبادة التي يشنّها المحتل على شعب غزة الأعزل، رمزية الصور وقسوتها حركّتا الضمير العالمي، لذلك انتصرت غزة”، وفق تصريحه لبوابة تونس.
وحول سؤال بوابة تونس، بعد ستة نسخ من قابس سينما فن، هل صنع المهرجان جمهوره؟
يقول الناقد الفني التونسي: “لدينا مشكل فضاءات في غياب قاعة لاغورا، لكننا اشتغلنا على استهداف المخزون الطلابي، باعتبار قابس هي مدينة جامعية، وحاولنا التنسيق في تحديد توقيت العروض مع أوقات فراغ الطلبة، خاصة مع تزامن فعاليات المهرجان وفترة المراجعة السابقة للامتحانات”.
ومع ذلك يُؤكّد زليلة أنّ القائمين على المهرجان وعروضه السينمائية خاصة، يحاولون منذ انبعاثه تحقيق التوازن بين البرمجة والجمهور العريض، وهو بدأ يترسّخ فعليا لدى جمهور الأطفال وذويهم، في الفترة الصباحية، معتبرا ذلك أكبر نجاح للمهرجان، “فأن تنجح في استقطاب جمهور الأطفال، فذاك يعني أنّك أسّست لجمهور سينمائي قادم، واع وناقد حتى بالفرجة”، وفق توصيفه.
وإقبال زليلة دكتور في الدراسات السينمائية، متخرج من جامعة السربون. يدرّس منذ عام 2001 جماليات السينما وتحليل الأفلام وجماليات السينما التسجيلية.
يهتمّ في بحوثه الأكاديمية بالشكلانية في السينماءات العربية، وبمناهج تدريس الفيلم الوثائقي وإخراجه.
تحمّل العديد من المسؤوليات في أيام قرطاج السينمائية، منها الإدارة الفنية للمهرجان سنة 2014.
وهو إلى ذلك ناقد سينمائي باللغتين العربية والفرنسية، ترأّس الجمعية التونسية للنهوض بالنقد السينمائي بين 2008 و2010.
شارك عضوا في لجنة تحكيم الجامعة الدولية للنقد السينمائي في عدة مهرجانات منها فينيزيا وإسطنبول وروتردام.
كما شارك في لجنة تحكيم صندوق آفاق للسينما العربية ودوكس بوكس صندوق لدعم الفيلم الوثائقي العربي.
ويسهر منذ 2012 على تكوين مخرجين في الفيلم الوثائقي في إطار مهرجان الفيلم الوثائقي بأغادير.
كما يضطلع منذ 2019 بمهمة المدير الفني للعروض السينمائية في مهرجان قابس سينما فن.