صابر بن عامر
تحضر الترجمة في التجارب الإبداعيّة العربيّة المعاصرة بوصفها ممارسة مركّبة تتجاوز حدود النقل اللغويّ إلى فضاء أوسع تتقاطع فيه أسئلة اللغة والهويّة والاعتراف الثقافي.
والترجمة، بهذا المعنى، ليست مجرّد جسر بين لغتين أو أكثر، بل فعل تأويليّ يُعيد ترتيب المعنى، ويكشف عن تمثّلات الذات للآخر، وعن موقعها داخل خرائط الثقافة العالميّة.
أهم الأخبار الآن:
فهي مفهوم إشكاليّ غنيّ، يمكن من خلاله مقاربة تحوّلات الكتابة الإبداعيّة وحدودها، فضلا عن مساءلة شروط تداولها وانتشارها..
وتكتسب الترجمة، من وجهة نظر الروائية التونسية أميرة غنيم، دلالة خاصّة حين ترتبط بتجربة المبدعة العربيّة، خصوصا إذا اشتغلت المبدعة على الترجمة لا بوصفها نشاطا تقنيا محايدا، بل بوصفها فعل اختيار وحوار وكتابة ثانية.
فالترجمة التي تنجزها المبدعة تحمل بالضرورة أثر صوتها، وذائقتها الجماليّة، وتمثّلاتها للعالم، لتغدو امتدادا لتجربتها الإبداعيّة لا عملا منفصلا عنها، وهي بذلك تكشف عن علاقة خاصّة باللغة، وعن وعي حادّ بالكتابة بوصفها ممارسة عابرة للحدود..
هذه الثيمة اشتغلت عليها، باحثات وأكاديميات من تونس والجزائر ومصر، على امتداد 3 أيام في النسخة الـ28 من مهرجان المبدعات العربيات الذي احتضنته مدينة سوسة، أخيرا.
بوابة تونس حضرت الملتقى وطرحت على الحاضرات وغيرهنّ وغيرهم أيضا، مجموعة من الأسئلة مفادها: هل تكتسب الترجمة دلالة خاصة حين تكون مُنجزتها امرأة، وهل الترجمة التي تقوم بها امرأة تحمل بالضرورة أثر صوتها، وذائقتها الجماليّة، وتمثّلاتها للعالم؟ أم لا فرق في الترجمة بين الرجل والمرأة؟ باعتبارها نشاطا محايدا يعتمد الدقة والثقة في نقل ما خطه مبدعه (ته) الأول؟ فكان هذا التقرير.
آمنة الرميلي: الترجمة فعل إبداع على الإبداع يُشبه بالضرورة صوت فاعله
وفي إجابتها عن أسئلة بوابة تونس، قالت الروائية التونسية آمنة الرميلي: “الترجمة فعل إبداعي تقني لا صلة له بجنس المترجم أو المترجمة”.
وأضافت صاحبة رواية “توجان”: “الفوارق القائمة بين مترجم ومترجمة هي فوارق علمية فنية، قوامها تمكّن أحدهما من فن الترجمة وضعف أحدهما فيه”.
وتسترسل موضحةً: “الترجمة هي قراءة أخرى للنص المترجم ومحاولة امتلاكه بلغة أخرى، وهو فعل إبداع على الإبداع، لذلك يشبه بالضرورة صوت المترجم أو صوت المترجمة”.
وشدّدت صاحبة رواية “جمر وماء” في تصريحها لبوابة تونس على أنّ الصوت اللغوي والثقافي وطريقة كل منهما في خوض مغامرة الترجمة بشكل فردي من ناحية وعلمي مؤسّسي من ناحية أخرى، يُحدّدان الفوارق بينهما، إن وجدت.
حذام خريّف: الترجمة الأدبية تختلف كثيرا عن الترجمة القانونية والعلمية
ومن غير الحاضرات في الملتقى، قالت الناشرة والصحفية التونسية حذام خريّف، مجيبةً عن أسئلة بوابة تونس: “رأيي كناشرة لا يختلف عن رأيي كمترجمة متخرجة من المعهد العالي للغات في تونس، ففي اختصاص الترجمة درّسني أستاذة مختصّون رجال ونساء.. لا أرى أنّ هناك فرقا في القواعد أو الضوابط بين المترجم والمترجمة، فالمعايير المهنية واحدة وتعتمد أساسا على الدقة والحياد والأمانة في نقل المعنى”.
ومع ذلك لا تُنكر خريّف أنّ هذا ينطبق بشكل خاص على الترجمة القانونية والاقتصادية والعلمية بصفة عامة والتي تتطلّب حيادا اصطلاحيا دقيقا.
أما في الترجمة الأدبية، فهي ترى أنّ هناك دائما مساحة أوسع من حيث اعتماد الأسلوب والاختيار اللغوي، ما قد يُتيح للمترجم أو المترجمة إضفاء بصمته الخاصة دون الإخلال بروح النص الأصلي.
وتخلص إلى أنّ الجودة لا ترتبط بالجنس، بل بالكفاءة والتكوين والخبرة وحسّ اللغة وفهم النص واستيعاب اللغة الأم له، وفق تقديرها.
أميرة غنيم: العبرة في الترجمة بالكفاءة والقدرة على نقل العالم
أما الروائية التونسية أميرة غنيم، إحدى ضيفات ملتقى سوسة والمحاضرة فيه، فقالت في إجابتها سؤال بوابة تونس حول هل تختلف ترجمة المرأة عن الرجل؟
“لا فرق عندي في أن يترجم لي رجل لي أو امرأة، فالعبرة بالكفاءة والقدرة على نقل العالم”.
وأضافت صاحبة رواية “نازلة دار الأكابر”: “المعيار في ذلك معرفة اللسان المنطلق واللسان الهدف، والمتشبع بروح الثقافة التي ينتمي إليها النص المترجم، أما جنس من يقوم بالترجمة فمسألة هامشية لا أثر لها”.
سفيان العرفاوي: الجنسية والجنس واللون مسألة ثانوية في فعل الترجمة
ومن غير المُشاركين في الملتقى أيضا، طرحت بوابة تونس سؤالها على صوت ذكوري، فقال الصحفي والإعلامي بالإذاعة الثقافية سفيان العرفاوي: “يبدو لي أننا إزاء هذا الموضوع في مفترق طرق، حيث أنّ الترجمة مهارة تقتضي التمكّن من لغتين على الأقل، لغة الأثر الأصلي واللغة المنقولة إليها، هذا فضلا عن مجال التخصّص العلمي: أدبي أو علمي أو علوم إنسانية، وغيرها.. وعليه تطرح مسألة الكفاءة بعيدا عن جنس المترجم”.
ويُضيف: “لكن لو دققنا أكثر، فإنّ الترجمة في العلوم سواء الصحيحة أو الإنسانية تقتضي نحت المفاهيم وابتكارها”.
ويضرب في ذلك مثل ما اقترحه الدكتور أحمد ذياب من ترجمة مصطلح “le pra-médical” لا كما هو متداول “المهن الشبه طبية”، بل أحاله إلى مفهوم الطبابة وهو أكثر دقة وفي علاقة بوظيفة الكلمة بكل دقة.
ويستطرد العرفاوي شارحا طرحه، بقوله: “الأمر في مجال الآداب مختلف وذا خصوصية أكثر، إذا يقتضي التمكّن من السياقات الأنتروبولوجية لذلك السرد الروائي أو الشعري”.
وفي ذلك يقول: “هنا وجب الحديث أولا عن الكفاءة، عن التمكّن، عن دواعي مشروع الترجمة حتى ولو كانت قصيدة ببعض أبيات، منطلقات فعل الترجمة هو ما يحدّد مساراتها وأهدافها وجدواها، وحين يكون المنطلق حضاري وواعي وعميق، يكون فعل الترجمة ذا مردودية ثقافية وحضارية عظيمة”.
ويُشدّد عل أنه وبعد ضمان هذا الحد من التمكن الألسني واللغوي والحضاري والفكري، يمكن الحديث قليلا عن جنس المترجم، “إذ لا يخفى أنّ للمرأة لمسة خاصة بها في كل مناحي الحياة، في البيت في العمل، في الدراسة.. وإذا ما توفّرت لها ظروف الإبداع والتميّز بعيدا عن التعصب مع أو ضد هذه الفكرة، إلّا وأثبتت جدارتها وتفوّقها”.
ومع ذلك يؤكّد أنّ الأمر يبقى معاشرة لتلك اللغة الأم التي كتب بها الأثر، واللغة المنقول إليها.
فهو لا يعتقد أنّ تاء التأنيث أو نون النسوة إذا ما تصدّرت غلاف أيّ ترجمة، كفيلة لوحدها بضمان لخصوصية معينة أو إضافة مفقودة في عمل بقلم رجل.
فالترجمة، عند سفيان العرفاوي، فعل حضاري عميق لا يستجيب إلّا لدواعيه وخصوصياته وأهدافه الفكرية والإبداعية العميقة، وتبقى جنسية وجنس ولون المترجم (ة) مسألة ثانوية، ولكنها قد تمثل قيمة مضافة في أحيان محدّدة.
سماح حمدي: أثر المرأة المُترجمة ووعيها بجندرها ينعكس على نصّها
في المقابل، تقول الأكاديمية التونسية سماح حمدي التي قدّمت في ملتقى المبدعات العربيات بسوسة ورقة علمية تحت عنوان “الترجمة الإبداعية جسرا للعبور بين الثقافات”، مجيبة عن سؤال بوابة تونس: “الترجمة بشكل عام تقنية وفنّ له قواعد تنظّمه لتضمن عملية النقل من لغة إلى أخرى، وهذا ما يجعله نظريا فعلا محايدا لا فرق فيه بين جنس المترجم”.
ومع ذلك، فهي تُقرّ بأنّ الأمر يختلف متى تعلّق بالترجمة الإبداعية، مشيرةً إلى أنّ للمرأة أثرها الخاص في أيّ عمل، ويتجلى ذلك، وفقها، في اختياراتها وذائقتها الفنية الجماليّة وحرصها على يكون العمل في أبهى تجلياته اللغوية والاستعارية.
وهذا لا يعني، من وجهة نظر سماح حمدي، أنّ ترجمات الرجال أقلّ جودة، لكنّ أثر طبيعة المرأة المتجسّدة في الاِنتباه إلى التفاصيل، وفي وعيها بجندرها، وفي اِختيار النصوص التي ستترجمها، وفي الحرص على إخراجها في أجود نسخ ممكنة تجعل بصمة المرأة فيها واضحة.
سهير اللحياني: الترجمة سوسيولوجيا وثقافيا ليست فعلا محايدا بالكامل
وترى الأستاذة الجامعية والباحثة في علوم الإعلام والاتصال سهير اللحياني، المُشاركة بدورها في ملتقى سوسة، أنّ “الترجمة، في ظاهرها، نشاط قائم على الدقة والأمانة في نقل النص من لغة إلى أخرى. غير أنّ النظر إليها من زاوية سوسيولوجية وثقافية يكشف أنّها ليست فعلا محايدا بالكامل، بل عملية تأويلية تتداخل فيها ذات المترجم مع النص المنقول.
ومن هنا تُعيد بدورها طرح سؤال بوابة تونس على نفسها: هل تختلف الترجمة باختلاف جنس المترجم، رجلا كان أم امرأة؟
وعن ذلك تُجيب: “لا يمكن اختزال الترجمة في كونها نقلا آليا للمعنى، إذ تتضمّن اختيارات لغوية وأسلوبية متعدّدة، مثل انتقاء المفردات، وبناء التراكيب، وضبط الإيقاع النصي، وهي كلها عناصر تتأثّر بخلفية المترجم الثقافية وتجربته الذاتية”.
وبذلك -والكلام دائما للحياني- فإنّ الترجمة تعكس، بدرجات متفاوتة، وعي المترجم وتمثلاته، بغض النظر عن جنسه.
وفي هذا السياق، تستشهد الأكاديمية التونسية بمقاربات نقدية حديثة، أبرزها ما يُعرف بـ”الترجمة النسوية”، التي تؤكّد أنّ المترجمة قد تتّخذ موقفا واعيا من النص، خصوصا إذا كان يحمل حمولة جندرية أو خطابا متمركزا حول الذكورة. فتسعى، في بعض الأحيان، إلى إعادة صياغة بعض البنى اللغوية أو إبراز حضور المرأة داخل النص، بما يعكس رؤية نقدية للغة والمعنى.
ومع ذلك، لا تنتصر الباحثة التونسية للفصل بين ترجمة نسوية وأخرى ذكورية على نحو جوهري أو ثابت، “فالجندر يظل عاملا من بين عوامل متعدّدة تؤثّر في عملية الترجمة، إلى جانب الثقافة، والتكوين المعرفي، والخبرة الشخصية. ومن ثمّ، يصعب التمييز الحاسم بين ترجمة رجل وامرأة على أساس الخصائص الأسلوبية وحدها.
وهي ترى أنّ الترجمة، بوصفها فعلا إنسانيا، لا تنفصل عن ذات منجزها.. فهي ليست حيادية خالصة، بل تحمل، بشكل أو بآخر، أثر المترجم، سواء كان رجلا أم امرأة.
وعليه، فإنّ السؤال الأعمق لا يتعلّق بالاختلاف الجندري في الترجمة بقدر ما يتعلّق بحدود الموضوعية وإمكان تحقّقها في فعل تأويلي بطبيعته، وفق اللحياني.
وهي في ذلك، تقول: “لم تعد الترجمة تُفهم، بوصفها مجرد نقل محايد للمضامين بين اللغات، بل باعتبارها ممارسة تواصلية مركّبة تُسهم في إعادة إنتاج المعنى داخل سياقات ثقافية واجتماعية محدّدة.. ومن هذا المنطلق، يبرز التساؤل حول مدى تأثير الجندر في فعل الترجمة: هل تختلف ترجمة المرأة عن الرجل، أم أنّ العملية محكومة أساسا بمعايير مهنية موضوعية؟”.
وتخلص سهير اللحياني إلى أنّ المقاربة التواصلية تنطلق من اعتبار الترجمة فعلا تداوليا (Pragmatic) يتوسّط بين مرسل أصلي ومتلقٍ جديد، حيث يضطلع المترجم بدور فاعل في إعادة تشكيل الرسالة بما يتلاءم مع أفق التلقي.
وبذلك، لا يكون المترجم ناقلا سلبيا، بل منتجا ثانيا للخطاب، تتدخّل في عمله منظومات القيم والتمثلات والمرجعيات الثقافية.
وفي هذا الإطار، تواصل اللحياني: “يُمكن النظر إلى الجندر كأحد المتغيرات التي قد تؤثّر في عملية إنتاج المعنى، لا بوصفه محدّدا حتميا، بل باعتباره عنصرا من عناصر الهوية التي تُسهم في توجيه التأويل”.
وتستشهد هنا ببعض الدراسات في مجال الترجمة والتواصل التي أظهرت أنّ الوعي الجندري قد ينعكس في اختيارات لغوية معيّنة، خاصة في النصوص ذات الحمولة الرمزية المرتبطة بالسلطة أو الجسد أو التمثيل الاجتماعي للمرأة.
ومع ذلك، تُشدّد الباحثة التونسية على أنّ المقاربات المعاصرة لا تدعم فرضية وجود اختلاف جوهري أو نمطي بين ترجمة الرجل والمرأة، إذ تؤكد أنّ الترجمة تخضع لمنظومة معقدة من العوامل، من بينها التكوين العلمي، والخبرة المهنية، والانتماء الثقافي، وسياق الإنتاج والتلقي. وعليه، فإنّ الجندر يظلّ متغيّرا ضمن شبكة أوسع من المحدّدات التي تؤثر في الفعل التواصلي، وفق تقديرها.
فاطمة كرومة: الترجمة أشبه بتقمّص ممثل لدور ما يسكنه
أما الشاعرة التونسية فاطمة كرومة، المشاركة بدورها في ملتقى سوسة، فقالت مجيبة عن سؤال بوابة تونس: “أعتقد أنه لا يوجد اختلاف جوهري بين ترجمة المرأة والرجل، الترجمة فعل معرفي وجمالي، لا تحدّده الهوية الجندرية بقدر ما تحدّده الحساسية والتمكّن من اللغة”.
ومع ذلك تقرّ بأنّ القرب من تجربة الكاتب يمكنها أن تمنح المترجم أو المترجمة نوعا من الألفة مع بعض التفاصيل والأحاسيس، فإذا كانت المترجمة امرأة، وكان النص المترجَم كتبته امرأة وموضوعه امرأة، فسيكون الطريق أقرب إلى كنه النص، مقارنة بما قد يسلكه مترجم رجل لنص كتبته امرأة، والعكس وارد، لكن هذا ليس حاسما، فالمترجم قادر على أن يسكن النص ويتماهى معه، إذ تشبه الترجمة تقمّص ممثل لدور ما يسكنه في شخصية مسرحية أو سينمائية”، وفق توصيفها.
وهي ترى انطلاقا من تجربتها الخاصة أنّ النوع الاجتماعي لا تأثير له في النص، حيث تمّت ترجمة نصوصها الشعرية من قبل نساء ورجال، كما قامت بدورها بترجمة نصوص لنساء ورجال، ولم تجد فرقا يُذكر.
فالمترجم، وفق صاحبة ديوان “لا فرامل تهوي في منحدر” المتوّج بجائزة زبيدة بشير لعام 2022، قبل أن يُترجم النص، هو متلقٍ له؛ فإذا وجد نفسه داخل النص، سيتأثّر به ويعيشه، بغضّ النظر عن جنس صاحبه أو لونه أو عرقه أو جنسيته أو دينه، لتبقى اللغة وحدها العامل الأبرز الذي يتأثّر به المترجم أو المترجمة.


أضف تعليقا