“إسرائيل المنفلتة” تغضب إدارة ترامب

إسرائيل

محمد بشير ساسي

على مدار عقود، ظلّ رابط الولايات المتحدة وإسرائيل وثيقا استثنائيا، إذ حافظت واشنطن على انسجام كامل مع تل أبيب في زمن السلم والحرب على حد سواء، مع تقديم دعم غير مشروط لها دبلوماسيا وسياسيا وعسكريا وأمنيا.

وعلى الرغم من خصوصيّة العلاقة بين الحليفتين التي تصنّف واحدة من أكثر العلاقات متانة ورسوخا واستمرارية في النظام الدولي المعاصر، فإنّ “التحالف الإستراتيجي” الوثيق بين الإدارات الأمريكية والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، لم يكُن بمنأى عن الخلافات الحادة والصّدمات بسبب عديد القضايا الجوهرية، أبرزها طريقة التعامل مع ملفات الحرب والتهدئة في منطقة الشرق الأوسط وتحديدا في حقبة حكومة بنيامين نتنياهو الأكثر تطرفا منذ قيام “الكيان الصهيوني” عام 1948 بالإضافة إلى قضية التجسس الإسرائيلي على واشنطن الأكثر إثارة للحساسية والجدل بين الطرفين.

تكاليف باهظة

وفق مقال طويل نشر قبل عام في مجلة “فورين أفيرز” بقلم أندريو ميلر نائب مساعد لوزير الخارجية الأمريكي للشؤون الإسرائيلية الفلسطينية (استقال قبل عامين من منصبه في الإدارة الأمريكية السابقة على خلفية موقفه من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة)، وقد ردّ فيه علاقة أمريكا وإسرائيل إلى فترة التسعينيات، حين اعتقدت واشنطن أن دعمها المطلق لإسرائيل سيشجعها على اتخاذ خطوات نحو السلام، وأن النهج الأمريكي في العلاقة بإسرائيل كان قائما على أربعة افتراضات أساسية.
ويضيف تحليل ميلر، أن أول هذه الافتراضات أن المصالح الأمريكية – الإسرائيلية متوافقة في الغالب إن لم تكن متطابقة، وثانيها أن إسرائيل تفهمُ مصالحها والتهديدات التي تواجهها، وثالثها أن حلّ أي خلافات بينهما لا يكون علنا، وآخرها أن تستجيب إسرائيل للهواجس الأمريكية الكبيرة.

ولكن العلاقة -وفق كاتب المقال- تحولت مع الوقت إلى منظومة تمنح إسرائيل حصانة سياسية وعسكرية، وتضمن لها المساعدات الضخمة بغض النظر عن سياساتها، مع قيام الولايات المتحدة بحمايتها دبلوماسيا في الأمم المتحدة، وتجاوز قوانينها الخاصة المعمول بها مع دول أخرى، خاصة انتهاكات حقوق الإنسان.

بيد أن حرب الإبادة على غزة التي أعقبت هجوم 7 أكتوبر 2023، كشفت أنّ الحفاظ على هذا النوع من العلاقة الثنائية يأتي بتكاليف باهظة، إذ فشلت واشنطن في إعادة ضبط طريقة إدارة إسرائيل للحرب، بسبب طبيعة العلاقة “الاستثنائية” التي تربطها بإسرائيل.
وفعلا ظلت واشنطن تتجنب ممارسة أي ضغط حقيقي على إسرائيل بالرغم من قلقها من ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين الفلسطينيين، ومن أساليب جيش الاحتلال، ولم تضع واشنطن قوانين أمريكية تمنع تقديم المساعدة العسكرية لدول تعرقل الإغاثة، ولم تربط المساعدات بشروط واضحة.

وقد أضرت هذه الاستثنائية بمصالح البلدين، فضلا عن إلحاق ضرر بالغ بالفلسطينيين، وبدلا من المساعدة في ضمان “بقاء إسرائيل” الذي يعد الهدف المعلن لهذه السياسة، سمح الدعم الأمريكي غير المشروط لأسوإ غرائز القادة الإسرائيليين بالازدهار.
وكانت النتائج زيادة مستمرة في المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية وعنف المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين في غزة، إلى جانب نشر الخراب والمجاعة والفقر هناك.

كما أدت هذه السياسة إلى قيام تل أبيب بأعمال عسكرية متهوّرة في أنحاء الشرق الأوسط وتوترات إقليمية أكبر، حيث نفّذت عمليات عسكرية في سوريا ولبنان والعراق واليمن، كما استهدفت في سبتمبر من العام الماضي 2025 مباني سكنية في العاصمة القطرية الدوحة بغارة جوية كان فيها قياديون من المكتب السياسي لحركة حماس في اجتماع أنذاك لمناقشة مقترح أمريكي لوقف إطلاق النار في غزة مما أسفر عن سقوط شهداء، زد على ذلك أشعلت حربا ضروسا مع إيران، ما فاقم الأخطار الوجودية التي تواجهها.

شروخ عميقة

يُجمعُ اليوم العديد من المحلّلين كون العلاقة “الاستثنائية”بين أمريكا وإسرائيل تعيشُ أكثر من أيّ وقت مضى على وقع أكثر اللحظات تعقيدا وتوترا بعدما جنحت خلال الفترة الأخيرة صوب نقطة الانفجار، فحين صمتت مدافع الحروب كما يقال، وبدأت الدبلوماسية في رسم ملامح الخرائط الجديدة، طفت على السطح شروخ عميقة كانت قد حجبها غبار المعارك.

فالتحالف الذي أظهر ثباتا وصمودا خلال الضربات المشتركة على المنشآت الإيرانية، يواجه اليوم اختبارا وجوديا شرسا بمعنى الكلمة، ليس بسبب قوة الأعداء، بل بفعل تباين المصالح الإستراتيجية بين الحليفين الأقرب، واحتدام الخلاف الشخصي بين ترامب ونتيناهو.
ويبرز هذا التباين في اختلاف مقاربة كل طرف، إذ يقدّم ترامب نفسه بوصفه “رجل سلام” يسعى إلى إنهاء الحروب عبر الضغط السياسي والصفقات بدلا من الانخراط في نزاعات طويلة، أما نتنياهو فيعتمد على رؤية أمنية ترى في القوة العسكرية أداة لإدارة الصراع، وفي أي تسوية ضمانا لتفوق أمني إسرائيلي أوضح.

هذا هو المشهد الذي كشفت عنه التسريبات المتلاحقة في الأسابيع الأخيرة، حين وصل غضب الرئيس الجمهوري إلى حد التهديد بسجن رئيس وزراء حليف وطرد أبنائه وتجميد ممتلكات عائلته، على خلفية الزلزال الذي عصف بمنظومة العلاقات الأميركية الإسرائيلية.
وبحسب موقع أكسيوس، استخدم ترمب لهجة حادة، واصفا نتنياهو بـ”المجنون”، ومتهما إياه بنكران الجميل، في إشارة إلى الدعم الذي قدمه له سابقا خلال محاكمته بتهم الفساد.

وفي كواليس اتصال هاتفي، كشف الموقع أن ترامب شدد على أن استمرار هذا النهج قد يقوّض جهوده الدبلوماسية مع طهران لا سيما في ظل مقترحات مطروحة تشمل إنهاء القتال في لبنان على اعتبار أن توسيع العمليات البرية واستهداف مناطق مدنية، بما في ذلك تدمير مبان كاملة لتصفية قيادات، أمر يثير القلق ويهدد الاستقرار.
وفي الواقع دخلت علاقة ترامب ونتنياهو مرحلة توتر متصاعدة، عقب توقيع واشنطن وطهران، فجر الخميس، مذكرة تفاهم تمهّد لفتح مسار تفاوضي جديد، في وقت خرجت فيه الخلافات بين واشنطن وتل أبيب إلى العلن عبر تبادل انتقادات وتصريحات غير مسبوقة تجاوزت الأطر الدبلوماسية المعتادة.

وكشفت صحيفة هآرتس أن الحكومة الإسرائيلية ضخّت أكثر من 40 مليون دولار ضمن حملة منظمة لاستعادة التأييد داخل الأوساط اليمينية في الولايات المتحدة، في ظل تراجع ملحوظ في شعبية إسرائيل بين قطاعات من الرأي العام الأمريكي، خصوصا داخل الحزب الجمهوري وبين الناخبين الشباب.

وحسب الصحيفة، تركّز الحملة على الجمهور المسيحي المحافظ في الولايات المتحدة، مع إعادة توجيه الخطاب الإعلامي الإسرائيلي من التركيز التقليدي على “مكافحة معاداة السامية” إلى إبراز تهديدات إيران والصين وقطر، في محاولة لإعادة صياغة السردية الإسرائيلية داخل النقاش السياسي الأمريكي.
وتشير هآرتس إلى أن هذا التحول جاء في ظل اتهامات متزايدة لإسرائيل بأنها دفعت واشنطن نحو مواجهة مباشرة مع إيران خلال الحرب الأخيرة.

وتتزامن هذه التحركات مع جدل داخلي في إسرائيل حول جدوى الاتفاق الأمريكي الإيراني، إذ ترى مؤسسات أمنية أن التحولات الجارية قد تفرض على تل أبيب إعادة تقييم أدواتها الإقليمية، خصوصا في لبنان.
ووفق مراقبين، فإن دوائر عسكرية إسرائيلية تدفع باتجاه فصل المسار اللبناني عن الاتفاق الأمريكي الإيراني، خشية أن يتأثر النفوذ الإسرائيلي في الجنوب اللبناني بنتائج التفاهم الدولي.

وتشير تقديرات داخل المؤسسة الأمنية إلى أن “الإنجازات الميدانية” في لبنان لم تُترجم بعد إلى مكاسب سياسية، ما دفع بعض القيادات العسكرية إلى المطالبة باستثمار الوضع الحالي للدفع نحو اتفاقات مع بيروت، قد تشمل ترتيبات أمنية جديدة تتعلق بسلاح جزب الله في وقت يرفض فيه المستوى السياسي أي انسحابات من المناطق التي سيطرت عليها القوات الإسرائيلية خلال العمليات الأخيرة.
ويتمسّك نتنياهو ووزراء في حكومته بخطاب يقوم على الإبقاء على ما يوصف بـ”الحزام الأمني” تحت السيطرة الإسرائيلية، مع تأكيد حرية العمل العسكري ضدّ أي تهديدات محتملة، وهو ما يخلق فجوة متزايدة بين الرؤية السياسية والتقديرات العسكرية.

هجوم فانس

وسكبت تصريحات جيه دي فانس نائب الرئيس الأميركي الزيت على النار، حين وجه خلالها انتقادات وصفت بـ”العنيفة وغير المسبوقة” ضد أعضاء في الحكومة الإسرائيلية هاجموا مذكرة التفاهم مع إيران، قائلا إن الرئيس ترمب هو “الرئيس الوحيد المتعاطف مع إسرائيل حاليا.

ولم يكتف فانس بالدفاع عن الاتفاق، بل وجه رسالة مباشرة إلى وزراء إسرائيل قائلا إن ترامب هو “الحليف القوي الوحيد المتبقي لإسرائيل”، وإن ثلثي أنظمة الدفاع التي حمت إسرائيل خلال الأشهر الماضية صنعت ومولت أمريكيا، مشددا على أن تل أبيب لا تستطيع حل جميع مشاكلها الأمنية “بقتل المزيد والمزيد من الناس، وعليها “الاستيقاظ وفهم الواقع واحترام عملية السلام.
في تل أبيب أثارت الانتقادات الحادة التي وجهها نائب الرئيس الأمريكي لوزراء في حكومة نتنياهو بسبب موقفهم من اتفاق إيران، صدمة بين الأوساط السياسية بإسرائيل.

وذكرت تقارير إعلامية أن حكومة نتنياهو اختارت “الصمت الإستراتيجي” حيال تصريحات فانس، خشية تعميق الصدع مع إدارة الرئيس دونالد ترمب، وبحسب صحيفة يديعوت أحرونوت، فقد فُهمت التصريحات على أنها تحمل تلميحات بإمكانية إعادة النظر في مستوى الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل إذا استمرت الانتقادات العلنية لسياسات إدارة ترمب، وهو ما أثار قلقا داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية.

خارج السرب

في قلب هذه العاصفة اختار مايك هاكابي السفير الأميركي لدى إسرائيل التغريد خارج سرب رئيسه بعدما اعتبر أن الولايات المتحدة ما كانت لتوجد لولا إسرائيل”، في حديث أعاد إلى الواجهة الجدل بشأن نفوذ إسرائيل داخل دوائر صنع القرار الأمريكي وحدود الدور الذي يفترض أن يؤديه السفير الأمريكي في تل أبيب.

وجاءت تصريحات هاكابي خلال افتتاح “المؤتمر الدولي للتراث الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة، حين قال إن دوره “لا يقتصر على تمثيل الولايات المتحدة في إسرائيل فحسب، بل يشمل أيضا تمثيل أهمية إسرائيل للأمريكيين”.
وأضاف مخاطبا وزير التراث الإسرائيلي عميحاي إلياهو: “هذا إرثكم بلا شك، ولكن يا معالي الوزير، هذا أيضا إرث الولايات المتحدة. فدون إسرائيل، ودون الأساس اليهودي، لم تكن أمريكا لتوجد.
واكتسبت تصريحات هاكابي أهمية خاصة لأنها جاءت بعد ساعات فقط من تصريحات للرئيس ترامب أكد فيها أن إسرائيل “ما كانت لتوجد لولا الولايات المتحدة”، ما دفع كثيرين إلى اعتبار حديث السفير الأمريكي ردا ضمنيا على رئيسه، وأشعل موجة من الجدل والانتقادات داخل الولايات المتحدة.

ولم تمر تصريحات هاكابي مرور الكرام، إذ أثارت موجة واسعة من الانتقادات في الأوساط السياسية والإعلامية الأمريكية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث اعتبرها منتقدون دليلا على انحياز السفير الأمريكي لإسرائيل على حساب المصالح الأمريكية، فيما طالب آخرون بإقالته أو استقالته من منصبه.
وتعيد تصريحات هاكابي إلى الأذهان ما صرّح به الأخير هاكابي أمام المؤتمر السنوي لرؤساء المنظمات اليهودية الأميركية الكبرى “أنا مسيحي صهيوني وبعض الناس لا يفهمون معنى ذلك. نحن نؤمن أن المسيحية ما كانت لتوجد لولا اليهودية.

توزيع الأدوار

رغم ما يتسرّب بين حين وآخر من مظاهر “الخلافات” أو “التباينات” في المواقف والرؤى بشأن هذا الملف أو ذاك، فإنّ مراقبين يجزمون بأنّ ما يجري في الخفاء هو توزيع للأدوار، ولا يعبّر في الواقع عن خلافات جوهرية عميقة بينهما…
وفي مقال رأي نشرته صحيفة واسنطن بوست ، كتب مايكل سينغ (المدير التنفيذي والزميل البارز في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى) أن التغطيات الإعلامية المتلاحقة والمثيرة قد توحي للوهلة الأولى بأن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل تتداعى بسبب الخلافات المتصاعدة بين ترمب ونتنياهو.
غير أن سينغ يرى، من واقع خبرته الطويلة في السياسة الخارجية، أن هذه التوترات بين الرؤساء الأمريكيين ورؤساء الحكومات الإسرائيلية ليست ظاهرة جديدة.

وأوضح أن التاريخ يزخر بأمثلة مشابهة لخلافات من هذا القبيل، مستدلا بما حدث في عام 1975 عندما وجه الرئيس جيرالد فورد رسالة شديدة اللهجة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إسحاق رابين يعرب فيها عن خيبة أمل عميقة من المواقف الإسرائيلية المتصلبة خلال المفاوضات مع مصر في أعقاب حرب أكتوبر 1973، محذرا من أن الفشل في التوصل إلى اتفاق سيكون له أثر بعيد المدى على العلاقات الثنائية.

كما استحضر سينغ في مقاله تحذير الرئيس الأمريكي رونالد ريغن لرئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن بعد قصف بيروت عام 1982، عندما قال إن استمرار العمليات قد يهدد مستقبل العلاقة بين البلدين. كما ذكّر بموقف الرئيس جون بايدن عام 2024 عندما نصح نتنياهو بالاكتفاء بما حققه بعد اعتراض هجوم صاروخي إيراني واسع.
يفسّر محللون هذا التباين البنيوي بالقاعدة السياسية القائلة بأن الموقف الإستراتيجي يتحدد وفقا للموقع الجغرافي والسياسي لكل دولة، فالولايات المتحدة وإسرائيل تملكان مصالح متكاملة لكنها ليست متطابقة بأي حال من الأحوال.

وبينما يقع الطرفان تحت ضغوط محلية لتحقيق نتائج ملموسة في الحرب مع إيران، فإن مفهوم النجاح يختلف لديهما جذريا؛ إذ يرى المواطن الأمريكي العادي أن النجاح يتمثل في خفض أسعار الوقود وإزالة التهديد النووي الإيراني، في حين يعني النجاح للمواطن الإسرائيلي مثلا تحصينه من قذائف وصواريخ حزب الله والمسيّرات التي لا تشكل تهديدا مباشرا وخطيرا على الأراضي الأمريكية.
ويؤكد مراقبون أن الخلافات بين الحلفاء الكبار والصغار أمر مألوف تاريخيا، إذ تشعر القوى الكبرى بالإحباط عندما يتصرف حلفاؤها بصورة مستقلة، بينما تحس الدول الأصغر بأنها مضطرة إلى دفع أثمان أمنية وسياسية دون أن تكون شريكا كاملا في صنع القرار.
ومع ذلك أظهرت الحرب ضدّ إيران مستوى غير مسبوق من التعاون العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث عمل الطرفان جنبا إلى جنب بصورة أقرب إلى الشراكة المتكافئة، وتولت إسرائيل جزءا كبيرا من العمليات ضد الأهداف الإيرانية، كما خاضت مواجهات منفردة ضد خصوم مشتركين مثل حزب الله.

واعتبر الكاتب أن هذا الأداء يفسر وصف إسرائيل بـ”الحليف النموذجي” في أحدث إستراتيجية دفاعية لإدارة ترامب، مشيرا إلى أنها من الدول القليلة القادرة والراغبة في استخدام القوة بما يخدم المصالح الأمريكية.
وانطلاقا من هذا الفهم، تشدد قراءات على ضرورة أن يتجنب ترمب إغراءين أساسيين؛ أولهما ألا يتسرع في الاعتقاد بأنه قادر على كبح جماح إسرائيل، لأن الدبلوماسية تصبح أكثر فاعلية عندما تكون مدعومة بتهديدات حقيقية وموثوقة وهو ما تفعله تل أبيب بالضبط.

أما الإغراء الثاني، فيكمن في ضرورة أن يتجنب المسؤولون الأمريكيون تحميل إسرائيل مسؤولية الحرب مع إيران وجعلها “كبش فداء” أو تصويرها على أنها دفعت الولايات المتحدة إليها، مؤكدا أن ترامب نفسه نفى ذلك، وأشار إلى أن مواقفه المتشددة تجاه طهران سبقتها اعتبارات أمريكية خاصة تتعلق بسلوك النظام الإيراني.
وخلصت تقديرات إلى أن إضعاف الحليف الأكثر قدرة في الشرق الأوسط سيعني في نهاية المطاف عبئا أكبر ومسؤوليات أوسع على كاهل القوات الأمريكية، مستشهدا بكلمات وينستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا إبان الحرب العالمية الثانية أن الشيء الوحيد الأسوأ من القتال مع الحلفاء هو القتال دونهم.

السلام المفروض

في قراءة تاريخية تحليلية مغايرة للمشهد الحالي ثمة من يعتبر أن نهاية الحرب مع إيران تشبه إلى حد بعيد نهاية حرب أكتوبر 1973 بين مصر وسوريا، وإسرائيل -المدعومة أمريكيا- من جهة أخرى.
ووفق القراءة يبدو أن الولايات المتحدة كررت نمطا مألوفا في سياستها تجاه الشرق الأوسط يتمثل في التدخل عسكريا أو دعم الحليف الإسرائيلي ثم فرض وقف لإطلاق النار عندما ترى أن أهدافها الرئيسية قد تحققت.
وإزاء هذا المشهد يقارن بين دور وزير الخارجية الأمريكي السابق هنري كيسنجر في إنهاء حرب 1973 وبين دور ترامب الحالي في إعلان وقف إطلاق النار مع إيران.

ووفق باحثين في تاريخ العلاقات الأمريكية الإسرائيلية فإن تل أبيب وجدت نفسها في الحالتين أمام حقيقة واحدة تتجلى في أن الولايات المتحدة هي التي تحدد لحظة انتهاء القتال.
ويرى كثيرون أن الاختلاف الجوهري بين الطرفين يظهر عند الانتقال من مرحلة الحرب إلى مرحلة التسوية. فواشنطن تسعى إلى إدارة التوازنات الإقليمية والحفاظ على استقرار أسواق الطاقة ومنع الفوضى، بينما تركز إسرائيل على إزالة التهديدات الأمنية بصورة نهائية.

وحسب التحليلات، فإن ترامب لم يكن يريد إسقاط النظام الإيراني بقدر ما كان يرغب في إضعافه وإجباره على العودة إلى طاولة المفاوضات، في حين فضّلت إسرائيل مواصلة الضغط العسكري أملا في إحداث تغيير أعمق داخل إيران.
ويخلص مراقبون إلى أن العلاقة الخاصة بين البلدين حقيقية لكنها محكومة بحدود مصالح الولايات المتحدة، وأن إسرائيل مطالبة دائما بالتكيف مع قرارات الراعي الأمريكي حتى عندما لا تتوافق مع أهدافها بالكامل.

في الأخير لم يعد السؤال ما إذا كانت هناك أزمة بين الجانبين، بل ما إذا كانت هذه الأزمة ستبقى ضمن حدود الخلاف السياسي أم أنها ستتطور إلى إعادة تعريف للدور الإسرائيلي داخل الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط؟

اشترك في قائمتنا البريدية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد مباشرة.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *