أسامة بالطاهر
أعلن الاتحاد العام التونسي للشغل، السبت الماضي، انتخاب صلاح الدين السالمي، أمينا عاما جديدا، في خطوة جاءت في ظروف صعبة داخليا، وأزمة خارجية تتمثل في رفض السلطة التحاور مع المنظمة وتهميش دورها.
أهم الأخبار الآن:
ويواجه السالمي، الذي خاض السباق بشعار “الثبات والتحدي”، رهانات إصلاح البيت النقابي واستعادة مسار الحوار المجتمعي، في ظل أوضاع اقتصادية ضاغطة وتوترات متزايدة بشأن الحقوق النقابية والأجور.
ووفق اللوائح الداخلية للاتحاد كان يفترض أن يُعقد المؤتمر عام 2027 بعد انتهاء عهدة الخمس سنوات للمكتب التنفيذي الحالي المنتخب في فيفري 2022 برئاسة نور الدين الطبوبي، إلا أن بروز خلافات في القيادة النقابية من جهة وخلافات مع نقابيين سابقين وحاليين معارضين للمكتب الحالي دفعت إلى تقديم تاريخ المؤتمر.
العزل والتهميش
ورغم أن اتحاد الشغل لم يكن له موقف معارض لإجراءات قيس سعيّد الاستثنائيّة في 25 جويلية 2021 في البداية إلا أن المنظمة الشغيلة دخلت في قطيعة مع السلطة التي عملت على تهميش الاتحاد وتحجيم دوره على الساحة الوطنيّة من خلال اتخاذ عديد الإجراءات مثل الملاحقات القضائيّة لقيادات نقابيّة وغلق باب التفاوض وإقرار زيادات دون تشريك الطرف الاجتماعي وأخيرا تعليق العمل بالخصم المباشر للانخراطات.
ويمثّل الاقتطاع الآلي للاشتراكات مورداً أساسياً للاتحاد، إذ يضمن تدفقاً مالياً منتظماً يسمح بتسيير الهياكل النقابية.
وتشير تقديرات نقابية، غير رسمية، إلى أن عدد المنخرطين يتجاوز نصف مليون عامل وموظف، ما يجعل الانخراطات المورد المالي الأول للمنظمة، مقارنة بالمداخيل الثانوية مثل كراء العقارات أو الأنشطة التدريبية.
وفي المقابل، تشير دراسات مقارنة حول تمويل النقابات إلى أن اشتراكات الأعضاء تمثل أكثر من 90٪ من موارد العديد من النقابات في أوروبا، ما يجعل الحفاظ على قاعدة المنخرطين واستمرارية استخلاص الاشتراكات مسألة حيوية لاستقرارها المالي والنقابي.
والاقتطاع المباشر هو الآلية المعتمدة في القطاع العمومي والوظيفة العمومية، والتي يجري من خلالها استخلاص الاشتراك في إحدى المنظمات النقابية.
وقد مثّل الاقتطاع المباشر على مدى عقود عنواناً لتصالح الاتحاد مع السلطات الحاكمة مع الحركة النقابية، والتنسيق المشترك بينهما.
غير أن قواعد التعامل بين الطرفين أخذت منعرجاً آخر منذ مسك الرئيس قيس سعيد بزمام الحكم المباشر، عقب تعليق عمل البرلمان، وتقليص دور كل الأجسام الوسيطة، بما في ذلك المنظمات الوطنية.
رهانات المكتب الجديد
قال الأمين العام الجديد للاتحاد العام التونسي للشغل صلاح الدين السالمي، “إنّ برنامج عمل المنظمة سيتركز كأولوية عاجلة في المرحلة المقبلة على إعادة فتح الحوار الاجتماعي مع الحكومة”.
وأكّد أنّ “يد الاتحاد ممدُودة للحوار”، في محاولة لكَسر حالة الفتور التي طبعت العلاقة بين الطرفيْن خلال الفترة الأخيرة.
وقال السالمي في أول تصريح له إثر توليه الأمانة العامة لاتحاد الشغل، إنّه “لا يُمكن الاستمرار في حالة القطيعة مع الطرف الحكومي وتعّطل الحوار الاجتماعي”.
وشدّد على أنّ “تونس في حاجة إلى حوار اجتماعي فعلي يخدم مصلحة البلاد والعمال“.
وبيّن أنّ المنظمة ستُبادر بالاتصال بالحكومة لعقد جلسة تَفتح باب التفاوض حول مختلف الملّفات المطروحة، لافتًا إلى أنّ “الإشكاليات العالقة لا يُمكن حلها إلاّ بالحوار وأنّ الاتحاد يدخل هذه المرحلة وأيديه ممدودة للحوار مع كل الأطراف”.
وعبّر السالمي، عن أمله في أن “تُمثل انتخابات المؤتمر الـ26 نقلة نوْعية في مسار المُنظمة، بما يكرّس قطيعة مع ما قبل المؤتمر ويفتح أفقًا جديدًا في علاقة الاتحاد بمحيطه، لاسيما مع الطرف الحكومي، ويُهيئ الظروف لعودة الحوار الاجتماعي”.
شروط انفراج الأزمة
في قراءته لنتائج مؤتمر الاتحاد قال المحلل السياسي صلاح الدين الجورشي إن للمؤتمر وجهين.
وبيّن الجورشي في تصريح لبوّابة تونس أن الوجه الأول هو المقدمات التي دار بسببها المؤتمر، والذي خضع، وفق تقديره، لحالة من التوتر القصوى، أكدت وبينت أن هناك أزمة عميقة وهيكلية داخل الاتحاد.
وأشار الجورشي إلى وجود أزمة ثقة بالخصوص بين القيادة المتخلية وبين جزء واسع من القواعد، مبيّنا أن المؤتمر شهد ضغطا كبيرا حتى من الذين كانوا خارج القاعة والذين وجّهوا نقدا شديدا للمرحلة السابقة.
وأشار الجورشي إلى أن ذلك أعطى انطباعا بأن المنظمة النقابية مقدمة على أزمات ربما تصل إلى حد الانقسام والقطيع.
واعتبر المحلل السياسي أن نتائج المؤتمر جاءت مخالفة إلى حدّ ما لهذه المقدّمات، حيث أن هناك شبه إجماع للقيادة الجديدة والتفاف من جديد حول المنظمة وهناك أمل من طرف القيادة في محاولة لتحسين الشفافيّة داخل الاتحاد ومعالجة الجروح التي بقيت في الجسم النقابي.
وشدّد الجورشي على أن التحدّي الأكبر الذي سيواجه القيادة النقابيّة الجديدة هو مستقبل العلاقة مع السلطة.
وبيّن أن هناك أزمة كبيرة جدا بين المنظمة ومؤسسة رئاسة الجمهوريّة.
واعتبر أنه بقدر ما هناك رغبة نقابية من أجل إيجاد حلّ وإعادة ربط القنوات بين الطرفين ومحاولة التصدي لأخطاء أو مواقف اتخذتها السلطة من أجل عزل الاتحاد، بقدر ما هناك أمل – وإن كان ضعيفا – في تغيير أسلوب الرئاسة لطريقة تعاملها مع اتحاد الشغل.
وبيّن قائلا: “إذا كان هناك استعداد لإعادة التواصل بين الطرفين، لا بدّ من الأخذ بعين الاعتبار مسألة الاستقلاليّة، لأن المشكلة كبيرة التي ستواجهها القيادة النقابيّة الجديدة هي كيفية إثبات القدرة على تعاون مع السلطة دون المس باستقلاليتها وبسلطة قرارها”.
إرث القيادة السابقة
من جهته اعتبر المحلّل السياسي بولبابة سالم أن جزء من القيادة التي أفرزها مؤتمر المنستير – بما فيها الأمانة العامة – هي من جزء من القيادة السابقة.
واعتبر في تصريح لبوّابة تونس أن رهانات المكتب التنفيذي الجديد، على مستوى العلاقة مع السلطة تبدو صعبة ومحدودة خاصة في ظل اهتزاز علاقة الاتحاد بقواعده بسبب الصراعات والانقسامات الداخليّة والوعود التي لم تتحقّق والولاءات والتوظيف السياسي للمنظمة.
وتوقّع المحلل السياسي انفراجا في الأزمة بين الاتحاد والسلطة ومحاولة من القيادة الجديدة للتواصل وفتح باب الحوار إن كان في علاقة بالمفاوضات الاجتماعية أو كذلك لحلّ مسألة الاقتطاع الآلي ومعالجة بعض الملفات الأخرى.
ولم ينف سالم صعوبة الموضوع خاصة في بسبب العلاقة القديمة التي كان فيها اتحاد الشغل متغوّلا على السلطة أو مهيمن تقريبا على الساحة وعلى الخيارات السياسية والاقتصادية.
وبيّن قائلا: “ذلك الزمن قد انتهى بسبب سلوك وممارسات المكتب التنفيذي الماضي الذي أعتقد أنه أسوأ مكتب تنفيذي في تاريخ الاتحاد العام”.
وشدّد بولبابة سالم على أن مستقبل علاقة الاتحاد بالسلطة يبقى مرتبط أساسا بسلوك المكتب التنفيذي الجديد وتوجهاته ورهاناته المقبلة.
ولفت إلى أن السلطة استغلت تراجع منسوب الثقة في المنظمة النقابيّة أو اهتزازها لدى جزء كبير من التونسيين واتخذت خيارات استنزفت قدرات الاتحاد.
وبيّن المحلّل السياسي لبوّابة تونس أن المكتب التنفيذي الجديد سيحاول بلورة علاقة جديدة مع السلطة عبر إجراء تغيير في خطابه.
وختم بولبابة سالم بالتأكيد أن اتحاد الشغل يبقى مكوّنا أساسيّا من مكونات المشهد الوطني في تونس ولكن القيادة الجديدة للمنظمة تواجهها مهمّة مستعجلة تتمثّل أساسا في التخلّص من إرث المكتب التنفيذي الماضي الذي أساء كثيرا إلى الاتحاد العام التونسي للشغل.



أضف تعليقا