رأي

“أوروبا” ترتمي بين أحضان “اليمين المتطرّف”!

محمد بشير ساسي

معتقلو 25 جويلية
كثيرا ما يُنظر إلى أوروبا بكونها قارة فريدة، من حيث اختلافاتها الشديدة أو تناقضاتها الداخلية الكثيرة أو تحوّلاتها المتسارعة منذ وضع اللّبنة الأولى لمشروع التكتّل القاري قبل 73 عاما،حتى قالوا إنّها تتألّف في الواقع من أكثر من ستة وأربعين كيانا، في داخل كلّ منها دول وأمم لها تواريخ متميّزة.
تجربة متطورة
وسط هذه الفسيفساء طمح الأوروبيّون في جعل هذه التجربة “منارة” سواء داخل الفضاء الأوروبي نفسه أو على مستوى العالم، في تحدّ صريح للولايات المتحدة الأمريكية على خلفية علاقات معقّدة يُساء فهمها مرتبطة بانخراط الأخيرة في شؤون القارة العجوز في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية من خلال إطلاق ما يُعرف بـ”خطة مارشال”، التي تبنّاها الرئيس الأمريكي الأسبق هاري ترومان في الثالث أفريل 1948 من خلال التّوقيع على قانون أُطلق عليه برنامج “الانتعاش الأوروبي” لمساعدة البلدان الأوروبية على إعادة إعمار ما دمّره النزاع وبناء اقتصاداتها من جديد.
وهذا التكتّل القاري الذي أسّسته 6 دول في أفريل من العام 1951 وفرضته ظروف ما بعد الحرب العالمية العالمية الثانية، تطوّر على مدار أكثر من سبعة عقود وشهد عدّة محطات مهمّة وتوسّعت عضويته حتى استقرّت على 27 دولة في الأول من جويلية 2013 -بعد آخر انضمام إلى كرواتيا- وهي مرتبطة في ما بينها بمجموعة اتفاقيات ومعاهدات كانت آخرها معاهدة لشبونة في العاصمة البرتغالية عام 2007. وهدفت المعاهدة إلى إصلاح مؤسسات الاتحاد الأوروبي وعملية صنع القرار فيه وحلّت محلّ الدستور الأوروبي، وحدّدت المعاهدة أهدافه وقيمه، وأهمها:
– تعزيز السلام ورفاهية مواطني الاتحاد الأوروبي وتسهيل حركة انتقالهم بين الدول الأعضاء دون قيود.
– منح مواطني الاتحاد الأوروبي الحرية والأمن والعدالة من دون حدود داخلية، مع التحكّم بالحدود الخارجية.
– العمل من أجل التنمية المستدامة لأوروبا.
– تعزيز المساواة والعدالة الاجتماعية والسلام وأمن الأرض.
– إنشاء اتحاد اقتصادي عملته اليورو.
أما القيم فتتمثّل في: الكرامة الإنسانية والحرية والديمقراطية والمساواة وسيادة القانون وحقوق الإنسان.
جنوح نحو اليمن
بعد أربع سنوات تقريبا من حصول الاتحاد الأوروبي عام 2012 على جائزة نوبل للسلام كثمرة لمساهمته في تعزيز السلام والمصالحة والديمقراطية وحقوق الإنسان في أوروبا، جرت مياه كثيرة تحت جسور القارة التي عاشت سياقات سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية وثقافية ساعدت في صعود اليمين المتطرّف بأوروبا.
وفي الواقع بدأت ظاهرة صعود اليمين المتطرّف واضحة لأول مرة خلال الأزمة المالية العالمية (2008-2009)، فقد فرضت العديد من الحكومات الأوروبية تدابير تقشّفية قوّضت الثقة بالأحزاب والمؤسسات السياسية الرئيسية، الأمر الذي سهّل طريق هذه الأحزاب التي تحمل أيديولوجيا متشدّدة، كما سرّعت أزمة الهجرة وتدفّق اللاجئين من شمال إفريقيا والشرق الأوسط في الفترة بين 2014 و2016 هذا الاتجاه.
ومع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وفوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2017 ثم وباء كوفيد-19، وعودة الحرب إلى القارة بعد الغزو الروسي للأراضي الأوكرانية، مكّنت هذه الأجواء الأحزاب اليمينية المتطرّفة التي كانت على هامش المشهد السياسي من دخول الحكومات في جميع أنحاء أوروبا، وأصبحت إما على رأس الائتلافات الحاكمة (كما هو الحال في إيطاليا) وإما من الشركاء الصغار (في فنلندا والسويد).
مثّل ارتماء نسبة كبيرة من الأوروبيين بين أحضان اليمين المتطرّف وميلهم نحو الأحزاب التي تمثّله، هاجسا حقيقيا عبّرت عنه مرارا وتكرار الحكومات القائمة والمسؤولون الأوروبيون على حدّ سواء.
ففي خطاب ألقاه بجامعة السربون في أفريل 2024 أفصح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رؤيته الجديدة لمستقبل القارة والكتلة الأوروبية الموحّدة، حيث تقوم على فكرة الحدّ الأقصى الوجودي، بمعنى أنّه يفترض أنّ القارة تقف على حافة الفناء، ويصف ذلك بـ”أوروبا المميتة”، أي القابلة للموت في حال لم يتوجّه الأوروبيون نحو تغيير نهجهم السياسي والإستراتيجي.
وقد شاركت أيضا المستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل نظيرها الفرنسي المخاوف نفسها عندما وصفت مستقبل الاتحاد الأوروبي بالمقلق. وحذّرت في آخر قمة أوروبية شاركت فيها ببروكسل من أنّ القارّة تقف أمام سلسلة من مشاكل كبرى منها دولة القانون والهجرة والاقتصاد التي لم تلقَ حلولا.
وبوجهة النظرة نفسها تقريبا تتعامل رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين مع الواقع الجديد، فخلال آخر جولات حملتها لإعادة انتخابها في منصبها اتّهمت الأحزاب اليمينية المتطرّفة بمحاولة تدمير أوروبا الحاضر.
زلزال سياسي
طوال الفترة الماضية، كانت كل هذه المخاوف والتحذيرات الاستباقية بمثابة محاولات يائسة لم تمنع حدوث الزلزال السياسي في البرلمان الأوروبي والهزة الارتدادية القوية التي أحدثتها.
 ففي الانتخابات التي دُعي إليها أكثر من 360 مليون ناخب لاختيار 720 عضوا في البرلمان الأوروبي في مناخ مثقل بالوضع الاقتصادي القاتم والحرب في أوكرانيا، وفي وقت يواجه الاتحاد الأوروبي تحديّات إستراتيجية من الصين والولايات المتحدة، تمكّنت الأحزاب اليمينية القومية والمتطرفة من تحقيق مكاسب مهمة في (إيطاليا – هولندا – النمسا – إسبانيا – بولندا – المجر) موجّهة ضربة موجعة إلى زعيمي القوّتين الرئيسيتين في الاتحاد الأوروبي المستشار الألماني أولاف شولتس الذي سجّل أسوأ نتيجة له على الإطلاق أمام المحافظين وحزب البديل من أجل ألمانيا المتشدّد، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي مُني بخسارة مريرة ضد التجمّع الوطني اليميني المتطرف بزعامة مارين لوبان ما دفعه إلى حلّ الجمعية الوطنية والدعوة إلى عقد انتخابات برلمانية مبكّرة.
على الرغم من أنّ اليمين المتطرّف خرج قويا من الانتخابات الأوروبية، فإنّه يبقى منقسما داخل البرلمان الأوروبي بين كتلتي “الهوية والديمقراطية” -وأبرز مكوناتها التجمّع الوطني بزعامة “مارين لوبان” بعدما أقصي منها في الآونة الأخيرة البديل من أجل ألمانيا بسبب فضائح طالت رئيس قائمته- وبين كتلة “المحافظين والإصلاحيين الأوروبيين”، ومن مكوناتها حزب القانون والعدالة البولندي الذي مُني بانتكاسة، وحزب إخوة إيطاليا بزعامة رئيسة الوزراء “جورجيا ميلوني” الذي سجّل تقدّما كبيرا.
ومع أنه ما يزال تقارب المجموعتين غير مؤكّد بسبب خلافات كبيرة بينهما، إلّا أنّ اليمين المتطرف الذي كان يعتبر مجرد حركات هامشية توصم بالتشدّد بات اليوم رقما صعبا، إذ اندثر مع صعوده “المحظور الأوروبي” القديم المتمثل في عدم دمج الأحزاب السياسية للقوى المنتمية إليه في المشهد السياسي .
أجندات متطرفة
مع انتقال اليمين المتطرف من الهوامش إلى مركز الواجهة بات يستقطب أصوات شرائح واسعة من المجتمع، الأمر الذي سيمهّد أمامه الطريق إلى مشاركة الأحزاب الرئيسية في رسم مسار التوجّهات السياسية للاتحاد الأوروبي في المرحلة المقبلة، بل ثمة إشارات واضحة إلى أنّ أحزاب اليسار والوسط -الحاكمة في الأغلب- باتت بدورها تتّجه يمينا، وتقترب من أجندة الأحزاب المتطرفة أو تتحالف معها ضمن سياق مناخات يعيش على وقعها الفضاء الأوروبي خلال السنوات الماضية، أبرزها:
– تنامي النزعة القومية التي ترى أنّ الدولة يجب أن يقطنها فقط أفراد من مجموعة عرقية واحدة.
– عدم استمرار مفهوم “أوروبا الأمم” وعودة دول الاتحاد إلى تحقيق المزيد من السيادة الوطنية تغييرات في المعايير الأوروبية لكل دولة”.
– العولمة وما تبعها من أزمات اقتصادية وثقافية واجتماعية.
سياسيا استفادت الأحزاب والمجموعات اليمينية بشقيها المتطرف أو المحافظ من هذه المناخات لتحقّق اختراقات سياسية في المشهد الأوروبي وترفع سقف طموحاتها من أجل تطبيق إستراتيجياتها.
وفي هذا الإطار تعمل أحزاب اليمين المتطرف في عدد من الدول بالاستثمار الذكي في عدة أزمات لتجعل صوتها مسموعا في قضايا حسّاسة ومصيرية:
– الأزمات الاقتصادية: يربط اليمين المتطرّف واقع “الاقتصاد المنهك” للدول الأوروبية منذ بداية كورونا مرورا بالحرب الروسية الأوكرانية ومساندة الدول الأوروبية لكييف اقتصاديا وسياسيا وعسكريا. وقد ساهم كل هذا في تراجع الاقتصاد الأوروبي إلى حدّ غير مسبوق، حيث تشير المؤشرات الاقتصادية لمنطقة اليورو إلى الانكماش بنسبة 0.1% في الربع الثالث من عام 2022 وتراجع حادّ في الربع الرابع.
 كما تجد الحكومات الأوروبية صعوبة بالغة في كبح جماح التضخّم بسبب زيادة أسعار الطاقة والغذاء العالمية، وذلك يرجع بسبب العقوبات الأوروبية والأمريكية التي فرضت على روسيا وقطع روسيا إمدادات الغاز عن بعض الدول الأوروبية مما أدّى إلى زيادة الأسعار بشكل كبير على المواطن الأوروبي.
– معظلة البطالة: إضافة إلى الـصعوبات الاقتصادية والسياسات التقشّفية تتحمّل أوروبا أعباء ملايين العاطلين عن العمل، حيث أظهرت الأرقام الصادرة عن مكتب الإحصاءات الأوروبي، أنّ معدّل البطالة في منطقة اليورو بلغ 6.5%. وأشارت تقديرات “يوروستات” إلى أنّه في مارس 2024 كان 13.258 مليون شخص عاطلين عن العمل في الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك 11.087 مليونا في منطقة اليورو.
وفي ما يتعلّق بالبطالة في صفوف الشباب، ذكر مكتب الإحصاءات الأوروبي أنّ 2.858 مليون شاب (تحت سن 25 عاما) كانوا عاطلين عن العمل بالاتحاد الأوروبي في مارس الماضي، منهم 2.259 مليونا في منطقة اليورو.
– خطر الهجرة: يتغذّى اليمن المتطرف من ملف الهجرة، إذ يعتبر هذا التدفّق الكبير للمهاجرين من الشرق الأوسط وإفريقيا خطرا على فرص العمل، وسطوا على مكتسبات الأوروبيين في الخدمات الاجتماعية والسكنية والصحية، والأخطر أنّه يهدّد هوية المجتمع الأوروبي وثقافته.
ويمثّل اعتماد المؤسسات الأوروبية بشكل نهائي في 14 ماي الماضي، ميثاقا موحّدا بشأن الهجرة انتصارا للأفكار اليمينية. ويتضمّن الميثاق مجموعة صارمة من الإجراءات تتلخّص بالمواد الجديدة التالية:
  – يتعيّن تسجيل طالبي اللجوء في قاعدة بيانات
“يوروداك” البيومترية، خلال 7 أيام من وصولهم.
 – إنشاء معسكرات لاحتجاز المهاجرين غير النظاميين باليونان وإيطاليا ومالطا وإسبانيا وكرواتيا وقبرص.
 – حجز المهاجرين في هذه المعسكرات الحدودية لمدة أقصاها 12 أسبوعا.
 – ترحيل طالبي اللجوء المرفوضين مباشرة من الحدود الخارجية.
– يحقّ لدول الاستقبال نقل جزء من المهاجرين الذين تمّ قبولهم أو لديهم فرص جيّدة للحصول على اللجوء إلى دول أخرى بالاتحاد الأوروبي.
 – إلزام الدول التي ترفض استقبال اللاجئين مثل المجر بدفع مبالغ مالية لدول الاستقبال أو تساعدها بمعدات أو موظفين.
 – ترحيل الأشخاص بشكل أسرع في المستقبل إلى دول من خارج الاتحاد، وهي إما البلدان الأصلية للمهاجرين وإما دول أخرى.
– الإسلاموفوبيا: الزيادة الكبيرة في أعداد اللاجئين القادمين خاصة من دول الشرق الأوسط، راكمت
هواجس مستقبلية من تكوين جاليات شرق أوسطية وإفريقية كبيرة داخل حدود الاتحاد الأوروبي مما يغري باجتذاب مهاجرين بمعدّلات أضخم.
وبالطبع لا ينفصل ذلك عن تصاعد ظاهرة انتشار كراهية الإسلام والمسلمين، إذ تكوّن نوعًا من التماهي في الخطاب بين الفاعلين السياسيين التقليديين واليمين المتطرف حول “الانعزالية الإسلامية”. ويعمّم هذا الخطاب الظاهرة الدينية والرموز الإسلامية ويصفها بالتطرف ويعتبرها نقيضا جوهريّا لأوروبا قيميّا وثقافيّا.
– السياسة الخارجية: تعارض الأحزاب اليمينية المتطرفة السياسات الخارجية للحكومات الأوروبية الحالية خاصة معاداتها لروسيا ومساعدتها أوكرانيا ودعمها بالسلاح والأموال، وترى أنّ هذا الدعم ليس ذا فائدة على الشعوب الأوروبية التي تعاني نقصا في الطاقة وتردّي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية بسبب الحرب.
فهي ترفع شعار الوطن أولا، لذلك ليس من الغريب أن نجد المجر -وهي تحكمها الآن حكومة يمينية متطرفة- أن يخرج وزير خارجيتها ويقول إنّ بلاده ترفض سياسة العقوبات على واردات النفط الروسي، لافتا إلى أن واردات النفط الروسي تشكّل 65% من احتياجات المجر، لذلك فإنّ اليمين المتطرف يهمّه في المقام الأول المصلحة الوطنية ولا يهمه الحرب.
يقدّم اليمين المتطرف نفسه حارسا لمصلحة القارة المكبّلة بالمشاكل وللثقافة الغربية وهوية الشعوب الأوروبية، حتى أن نسبة كبيرة من الرأي العام تنظر لصعوده في الانتخابات الأوروبية بداية لمعالجة عدة قضايا حارقة عجزت الحكومات الرسمية عن تقديم حلول لها.
بيد أنّ الجيل الأوروبي الحالي، الذي نما وترعرع في ظل الرفاهية والحرية والسلام والديمقراطية وحقوق الإنسان كمُسَلَّمات وفق النموذج الأوروبي يتوجّس من مستقبل مليء بالمخاطر مع صعود تلك التيارات اليمينية التي يبدو أنها تشترك في هدف واحد، وهو تخريب أوروبا الحاضر “الهدية عظيمة” على حدّ وصف رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين.