أهالي غزة ينتزعون الفرحة برمضان من تحت أنقاض الحرب

رمضان في غزة

يطرق شهر رمضان هذه السنة أبواب قطاع غزة الجريح وقد أنهكته حرب الإبادة وغيّبت ملامح الشهر المعظم فيه فقد أضحى اليوم محكوما بإيقاع القصف وما خلفه من جراح وفقد ونزوح ودمار كبير ونقص حاد في الأغذية.

ومع أنين الفقد ولوعة الشتات، تبدلت تفاصيل الحياة هناك وحولت الناس إلى كتلة من الصمت المرهق فهاهم يستقبلون أول أيام شهر رمضان المبارك وقلوبهم مثقلة بالأسى والحزن على من فقدوهم طيلة الأعوام الثلاثة الماضية، فقد حصدت آلة الحرب الغاشمة أكثر من 72 ألف شهيد وخلفت جراحا في أجساد 171 ألفا.

وعلى الرغم من ذلك حاول عدد من الغزيين إعادة النبض إلى قطاعهم في مشاهد حية تعكس إصرارهم على التشبث بالحياة فبين بقايا المباني المدمرة وركام الحرب انتصب باعة كل يعرض منتوجاته من مواد غذائة وخضر وغلال في حركة تجارية خجولة يسعون من خلالها إلى إعادة لحظات من السكينة والحياة اليومية العادية وسط واقع مرير.

مرارة النزوح والشتات

يحل رمضان هذا العام على الغزيين وقد تجرعوا مرارة النزوح ومطاردة التهجير فاليوم ليس شبيها بالأمس، شعائر الشهر تقام داخل خيام تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة يتقاسمونها فيما بينهم محاولين ترميم ما كسره الاحتلال الغاصب الذي شتت عائلاتهم وأفقدهم ذويهم.

ووسط هذه الظروف القاسية لم تعد “المائدة الرمضانية” كعادتها إلا أنّ الكرم ظل حاضرا بين الأهالي إذ تعد الوجبات وفق ما تيسر من مواد غذائية شحيحة قد لا تتجاوز بعض التمرات والخبز والماء وعلبة مساعدات يتقاسمها الجميع.

كل نشاط تقليدي كان يملأ الحارات صخباً، بات اليوم معلقاً بتوفر الحد الأدنى من الإمكانيات، بعيداً عن أجواء الفرح الجماعي التي طمستها الحرب.

ولم يعد رمضان في قطاع غزة يشبه ما عرفه أهله لعقود ففي السابق كان صوت الآذان يصدح عاليا منبئا بحلول موعد الإفطار ليجتمع أفراد العائلة حول مائدة عامرة جمعت ألوانا مختلفة مما لذ وطاب من الأطعمة الفلسطينية الشهية.

لكن هذه الموائد ولئن لم تعمرها الأطباق المتنوعة فقد عمرت بالمحبة والفرحة التي يحاول الآباء والأمهات زرعها في قُلوب أطفال لم يعد همّهم الفانوس أو ملابس العيد فقط، بل الأمان.

بعض أطفال غزّة يصوم للمرة الأولى هذه السنة، لكنهم يصومون على صوت القصف بدل صوت المدفع، ويفطرون في خيام أو بين أنقاض بيوت كانت يومًا مليئة بالضحكات.

نقص المواد الغذائية وارتفاع الأسعار غيّرا شكل الإفطار والسحور في غزة، فصارت الوجبات أبسط وتعتمد غالبًا على ما يتوفر من مساعدات.

غلاء الأسعار وحرمان من الشراء

وفاقمت الأوضاع الاقتصادية الصعبة معاناة الآلاف من السكان مع بداية شهر رمضان وحرمتهم القدرة على الشراء، بسبب ارتفاع البطالة والأسعار، لا سيما أن  أكثر من 90% من سكان غزة يعتمدون على المساعدات الإغاثية لتأمين احتياجاتهم الأساسية ولكنها هي أيضا “شحيحة” ولا تفي بحاجيات القطاع .

وتظهر المؤشرات الاقتصادية أن نسبة البطالة في قطاع غزة تجاوزت 80%، فيما تخطت معدلات الفقر 90%، مع اعتماد نحو 95% من الأسر على المساعدات الغذائية أو النقدية.

وينعكس ذلك على وضع الأسواق التي بدت فيها حالة كساد واضحة مع دخول الشهر الفضيل.

كما سجل الناتج المحلي الإجمالي في غزة انكماشاً حاداً بنسبة 83% خلال عام 2024، تبعته خسارة إضافية بلغت 7.8% في عام 2025، وهو ما يعكس انهياراً شبه كامل في القدرة الإنتاجية، وانقطاعاً فعلياً لمسار النمو الاقتصادي.

ويشير هذا التراجع الحاد إلى تفكك شامل في منظومة الاقتصاد، من الصناعة والزراعة إلى التجارة والخدمات، وانهيار قدرة السوق المحلية على توليد الدخل أو فرص العمل.

وتتحدث التقديرات الأممية عن محو 69 عاماً من التنمية البشرية، أي تراجع جذري في التعليم والصحة والبنية المؤسسية ورأس المال البشري، وهو ما يعني أن المجتمع الفلسطيني لا يواجه أزمة اقتصادية فحسب، بل انهياراً في مقومات الحياة والتنمية المستدامة.

فقدان أبسط المقومات

ومع انقطاع الكهرباء وشحّ المياه، تحوّلت التحضيرات اليومية إلى عبء إضافي على العائلات.

فمع اقتراب آذان المغرب، تُحضِّر العائلات إفطارها على ضوء خافت أو على نار بدائية. قد تنقطع الكهرباء قبل الأذان بدقائق، فتتحول المطابخ إلى مساحات مظلمة تُضاء بالشموع أو كشافات الهاتف.

لا ثلاجات تحفظ الطعام جيدًا، ولا مراوح تُخفف حرارة البيوت، ولا إنارة تملأ الشرفات بالفوانيس كما في أماكن أخرى.

وفيما كانت الزيارات العائلية ركنًا أساسيًا من روح الشهر تراجعت بفعل النزوح وتفرّق الأقارب، فكثير منهم يكتفي بالمعايدة والتواصل الهاتفي إن أمكن لهم.

رمضان في غزة ليس زينة وشوارع مزدحمة، بل ثبات تحت النار، وتكافل بين الجيران، وكرامة تُقاوم الانكسار.. هو شهر تتضاعف فيه المعاناة، ولكن يتضاعف معه أيضًا الإيمان بأن الفجر آتٍ مهما طال الليل.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *