ثقافة

“أم البلدان”.. سينوغرافيا رقمية وفنتازيا تاريخية لمسرحية تلخّص تاريخ تونس وفنونها

“أم البلدان” مسرحية جديدة تُضاف إلى سلسلة المسرحيات المرجعية التي كتبها عميد المؤلفين المسرحيين التونسيين عزالدين المدني، في استلهام للتاريخ واستقراء للحاضر واستشراف للمستقبل.

معتقلو 25 جويلية

قدّمها، أخيرا في عرض ما قبل أول المخرج حافظ خليفة بقاعة الجهات بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي بالعاصمة تونس، عبر رؤيته إخراجية فنية معاصرة وبلغة سينوغرافيا رقمية متطوّرة خرج بها عن المألوف عنه في جلّ أعماله المسرحية السابقة.

من الماضي يُستشرف المستقبل

مسرحية “تونس أم البلدان”، هي عمل درامي مسرحي فرجوي اعتمد نصه بالأساس على فترة أبوزكرياء الحفصي عندما أقام دولة الخلافة بتونس بعد سقوط بغداد على يد المغول، ليجعل من تونس في زمنه دولة مستقلة وقطبا تجاريا واقتصاديا وملجأ كل الجاليات الأندلسية، حيث قضى على الفتن، وجالس العلماء والفقهاء وقربّهم منه، وكرّم الأدباء.

استقرت أحوال دولته وعظم شأنها وذاع صيتها في شمال إفريقيا والأندلس، وإثر وفاته خلفه ابنه المستنصر بالله، لكنه لم يكن في مستوى خلافة والده، فتدهورت أحوال البلاد.

وعلى امتداد ساعة و15 دقيقة، سافر حافظ خليفة بجمهوره في رحلة فنية إبداعية ملهمة من خلال فنتازيا تاريخية ودراما كوريغرافية بعيدة كل البعد عن تأريخ الأحداث أو الوقائع عبر صور جمالية اعتمد فيها على مجموعة كبيرة من الممثلين المحترفين من نجوم المسرح والدراما في تونس، على غرار: عزيزة بولبيار، جلال الدين السعدي، عبد اللطيف بوعلاق، محمد توفيق الخلفاوي، نورالدين العياري، عبدالرحمان محمود، جميلة كامارا، نزهة حسني، شهاب شبيل، وكمال زهيو.

بالإضافة إلى بعض الوجوه الشابة والجديدة، وهم: آدم الجبالي، عبدالقادر الدريدي، فاطمة الزهراء المرواني، عبير بن صميدة، أحمد روين، شيماء السماري، مجدي محجوبي، محمد يوسف بن عزيز، وسيف الدين الوجيهي.

لعب بين الممثل والشخصية وعلى عمق النص فكرةً، وطرحًا، واستشرافًا للمستقبل، وأيضا نداء استغاثة من أجل الالتفاف حول تونس التي كانت بالأمس القريب مركزا للخلافة ومنارة إسلامية كبرى من الشرق إلى الغرب.

بالإضافة إلى الدعوة إلى تجريم الإرهاب من أجل بناء لبنة أولى لدولة جديدة، على الرغم من انعدام الخبرة السياسية في إدارة مقاليد الحكم، ومن أجل أن تعود تونس كما كانت “أم البلدان”، هي أبرز ثيمات العمل المسرحي الفانتازي والملحمي في آن واحد.

كتابة مسرحية معاصرة

سينوغرافيّا جمع المخرج في عمله بين الإنارة والصور الرقمية المبتكرة التي بثّت للمرّة الأولى، ممّا زاد في جمالية المشاهد أثناء الحوارات الثنائية والجماعية، واللوحات الاستعراضية وأخرى احتفالية، واللوحة الختامية.

أما الموسيقى التي وضعها الدكتور رضا بن منصور، فقد جمعت بين الإيقاعات التراثية المعزوفة سواء منها المباشرة عن طريق الفنان إبراهيم بهلول أو المسجلة، وهي من الموروث الغنائي الموسيقي الشعبي المتداول، لتكون منصهرة مع روح النص وزمانه.

ملابس المصمّمة آمال الصغير، شكّلت بدورها عاملا بصريا مُتمّما لتفاصيل الشخصيات وتنوّعها، فجاءت أشبه بلوحات فسيفسائية متحرّكة في اتساق تام مع الكوريغرافيا التي أضفت حركاتها الإيقاعية تكاملا على مستوى المشاهد واللوحات، وفهم تواتر الأحداث وتوتّرها حينا وهدوئها أحيانا.

وهو ما استعرضته شيماء العوني ومجموعتها الشبابية من خلال لوحات فنية بإيقاعات تونسية راسخة في القدم، لتكون الكوريغرافيا أكبر شاهد على عراقة التراث اللامادي لتونس الحضارات والثقافات.

إنارة رمزي النبيلي، أتت كعادتها جزءًا لا يتجزأ من نجاح أيّ عمل مسرحي أو ملحمي لحافظ خليفة، مُعتمدا فيها على التوازن بين المشاهد في توزيع الإنارة في الوسط وفي المناطق الجانبية اليمنى واليسرى، وكذلك في أقصى خلفية الركح.

أما مفاجأة العرض، وفق إجماع الجمهور والنقاد على السواء، فقد أتته الصور الرقمية لنور جلولي التي أتت متعدّدة ومتنوّعة على خلفية الشاشة العملاقة، منها بناء باب بحر، وباب الخضراء، وباب سعدون، وسيدي محرز، ومسجد القصبة، ولوحة الخفافيش، وعلم تونس في الخاتمة.. لتغدو مسرحية “أم البلدان” خلاصة كل فنون تونس وأبنائها وبناتها.

عدسة: نور جلولي