محمد بشير ساسي
عندما اندلعت أولى شرارات الحملة العسكرية التي شنّتها الولايات المتحدة وحليفتها “إسرائيل” على الجمهورية الإسلامية الإيرانية في 28 فيفري 2026، رَفع الرئيسُ الأمريكي دونالد ترامب سقف الأهداف والوعود عاليا، مروّجا بأنّ عملية “الغضب الملحمي” فرصة لإخضاع طهران وتقويض برنامجها النووي والصاروخي وتقليص نفوذها الإقليمي ودفع نظامها السياسي نحو الانهيار أو التغيير الداخلي.
نصر زائف
منذ البداية أدار “ملك العقارات” الحرب بتصريحات مغرورة متهوّرة وبعقليّة النرجسية والاستعراض بالقوة والضغط الأقصى، بحثا عن تحقيق نصر سريع أو إجبار طهران على الجلوس للتفاوض بشروط أمريكية صارمة.
لكن بعد أشهر من الضربات الموجعة ضد منشآت ومواقع عسكرية حيوية تابعة لإيران، واغتيال شخصيات سياسية وعسكرية إيرانية ثقيلة وفرض عقوبات اقتصادية، لم تخضع طهران أمام كل تلك الضغوط.
بل على العكس استطاعت، برأي عديد المراقبين، امتصاص الصدمة وإطالة أمد المواجهة ورفع كلفتها، ثم سحب النزاع العسكري إلى منطقة أخرى أكثر تعقيدا، تدور في فلك مفاوضات مضنية وشاقة بوساطة باكستانية أسفرت عن قرار ترامب رفع الحصار البحري على إيران ومطالبة الأخيرة بإزالة جميع الألغام البحرية في المضيق والتشديد على عدم امتلاكها أبدا سلاحا أو قنبلة نووية.
في المقابل سارعت طهران إلى التأكيد أنه لا يوجد اتفاق نهائي حتى الآن، وأن قضايا أساسية ما زالت عالقة، من بينها العقوبات والأموال المجمدة وآليات تنفيذ أي تفاهم مستقبلي.
وفي الوقت الذي حاول فيه الرئيس ترامب تسويق “نصر زائف” واعتبار المفاوضات مع إيران اتفاقا عظيما يحقق المصالح الأمريكية، تتعالى عديد الأصوات المشككة داخل الولايات المتحدة وتتصاعد الهجمات السياسية والانتقادات الإعلامية الحادة، تعتبر أن واشنطن خرجت من الحرب الأخيرة بخسائر إستراتيجية وسياسية، وأن الرئيس الأمريكي يسعى إلى إعادة تقديم التراجع باعتباره انتصارا.
ولم يكن الوهم في حرب إيران أن الولايات المتحدة تملك قوة نارية كاسحة، بل في الاعتقاد أن هذه القوة تكفي وحدها لصناعة نهاية سياسية، فقد ضربت واشنطن وهدّدت وصعّدت، لكنها لم تنتزع من طهران بعد أوراقها الكبرى، فيما عمّقت الحرب والحصار أزمة الإيرانيين اليومية، وهكذا يتحول “النصر” من إعلان سياسي إلى سؤال عن الفاتورة: من يدفع ثمن حرب لم تُنتج حسما، ولم تترك أثرها داخل حدودها وحدها؟
وقد لا تكمن العقدة في غياب رغبة أمريكية في الاتفاق، بل في أن الحرب فتحت ملفات أكثر مما تحتمله صفقة واحدة: البرنامج النووي، واليورانيوم المخصب، ومضيق هرمز، والعقوبات، والأصول الإيرانية المجمدة وحزب الله وأمن الخليج.
هجمة شرسة
داخل الساحة السياسية الأمريكية، برزت أصوات ديمقراطية اعتبرت أن إدارة ترامب دفعت الولايات المتحدة إلى حرب غير محسوبة انتهت بإضعاف الموقف الأمريكي، وفاتورة تجاوزت 95 مليار دولار وفق موقع “Iran War Cost Tracker”.
السيناتور الديمقراطي كريس مورفي قال إنه سيرحّب بأي اتفاق حقيقي مع إيران لأن كل يوم تستمر فيه هذه الحرب المجنونة تصبح أمريكا أضعف، لكنه شدّد في الوقت نفسه على أن هذه شروط إيران، معتبرا أن الولايات المتحدة تخرج من الحرب وهي في حالة إذلال.
أما زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريز فحمّل الجمهوريين مسؤولية هذه الحرب المتهورة الاختيارية، معتبرا أن تداعياتها الاقتصادية، خصوصا ارتفاع أسعار الوقود، أصبحت تضغط على الأمريكيين بشكل مباشر.
وفي السياق نفسه، أشار السفير الأمريكي السابق لدى روسيا مايكل ماكفول إلى أن مضيق هرمز كان مفتوحا وغير خاضع لسيطرة إيران قبل أن يطلق ترامب الحرب، في إشارة إلى أن التصعيد الأمريكي أدى عمليا إلى تعزيز النفوذ الإيراني في أحد أهم ممرات الطاقة العالمية.
وفي خضم هذه الأجواء، عاد ترامب للدفاع عن نفسه عبر منشور على منصة تروث سوشيال، قال فيه إن أي اتفاق مع إيران سيكون اتفاقا جيدا وصحيحا، بخلاف اتفاق باراك أوباما الذي منح إيران أموالا ضخمة ومسارا مفتوحا نحو السلاح حسب تعبيره.
وأضاف أن الاتفاق الحالي لم يكتمل التفاوض عليه بعد، داعيا منتقديه إلى عدم الاستماع إلى الخاسرين الذين ينتقدون شيئا لا يعرفون عنه شيئا.
لكن منشور ترامب لم ينجح في تهدئة موجة الانتقادات، بل فتح الباب أمام مزيد من التفاعلات الساخرة والغاضبة على منصات التواصل، خاصة بعد انتشار مقال “ذا أتلانتيك” على نطاق واسع.
مأزق ترامب
حسب المجلة الأمريكية، فقد حاول ترامب انتزاع تنازلات إيرانية عبر تهديدات ومهل متصاعدة، لكن طهران اختبرت حدود هذه التهديدات ودفعت واشنطن إلى تمديد وقف إطلاق النار بدل العودة إلى حرب مفتوحة.
أما صحيفة كريستيان ساينس مونيتور فقد تفاعلت مع هذا المأزق معتبرة أن خطاب “لقد ربحنا” اصطدم بحقيقة أشد تعقيدا: إيران أضعف عسكريا من واشنطن وإسرائيل، لكنها ما تزال قادرة على تعطيل هرمز وضرب حلفاء الخليج وفرض كلفة عالمية على استمرار الحرب.
وبين أعمدة صحيفة نيويورك تايمز، قال الكاتب البارز توماس فريدمان إنه لم يتبق سوى سؤالين عن الحرب الأمريكية على إيران، أولهما: كم كأس مرارة سيتجرعها الرئيس ترامب لإنهاء هذه الحرب بالحد الأدنى من الإنجازات؟ وثانيهما: هل سيقول ترامب إن ما يتجرعه من مرارة هو وجبة فاخرة؟
ويضيف فريدمان أنه لا يمانع في أن يضطر ترامب لتجرع كؤوس كثيرة كأن لا يتحقق “الاستسلام غير المشروط” لإيران الذي وعد به، إذا كان ذلك سيؤدي إلى تخلي إيران عن نحو 1000 كيلوغرام من اليورانيوم القريب من درجة صنع السلاح النووي لأن ذلك من شأنه أن يزيل التهديد المباشر بامتلاك إيران قنبلة نووية.
ويشدّد على أن ذلك -حتى لو تم- لا يخولنا القول إن ترامب انتزع صفقة مثالية ومغرية لأن تأمين هذا اليورانيوم عالي التخصيب لن يُبقي فقط النظام في السلطة، مع احتفاظه بنحو 10 أطنان من اليورانيوم منخفض التخصيب، بل سيقويّه فعلا بشكل مقلق.
ووفق فريدمان، فإن التاريخ سيذكر أنّ ترامب ونائبه جي دي فانس ووزير الحرب بيت هيغسيث ووزير الخارجية ماركو روبيو هم الفريق الذي منح إيران فرصة جديدة للحياة في اللحظة التي كانت فيها بأضعف حالاتها أمام شعبها.
بدوره، دخل الكاتب والمحلل الأمريكي ديفيد فرينش على خط الهجوم الشرس ضدّ ترامب معتبرا أن الحرب على إيران تحولت إلى “درس نموذجي في ما لا ينبغي فعله”، وأن واشنطن فشلت في تحقيق أهدافها الإستراتيجية رغم تفوقها العسكري الساحق.
وكتب فرينش في نيويورك تايمز إن الولايات المتحدة تجد نفسها اليوم تتفاوض مع “النظام ذاته الذي قيل إن الحرب أطاحت به”، بهدف إعادة فتح مضيق هرمز وإنهاء برنامج نووي كانت الإدارة الأمريكية تؤكد سابقا أنها “دمّرته بالكامل.
ويرى كاتب التقرير أن الصورة التي قدمتها الإدارة الأمريكية خلال الأسابيع الأولى من الحرب كانت “مضللة”، إذ تحدث المسؤولون الأمريكيون عن انتصارات ساحقة وإذلال كامل لإيران، بينما كانت الوقائع على الأرض أكثر تعقيدا.
ويشير فرينش إلى أن إيران تمكنت من إغلاق مضيق هرمز بسرعة، وألحقت أضرارا ملموسة بالقواعد الأمريكية وبمنشآت الطاقة في الخليج، إضافة إلى إسقاط أو تدمير عشرات الطائرات الأمريكية المأهولة والمسيّرة.
ويضيف أن تقارير الاستخبارات الأمريكية باتت تتناقض مع الرواية الرسمية، إذ تشير إلى أن إيران ما تزال تحتفظ بنحو 70% من منصات إطلاق الصواريخ ومخزونها الصاروخي، فضلا عن استمرار سيطرتها على معظم المواقع العسكرية المرتبطة بمضيق هرمز.
خطة ساذجة
تجمعُ التقييمات والآراء السّابقة على أن إدارة ترمب لم تُحقّق أيا من أهداف الحرب”، فالنظام الإيراني ما يزال قائما، وربما أصبح أكثرَ تشدّدا بعد تعاظم نفوذ الحرس الثوري، كما أنَّ إيران ما تزال تمتلك برنامجا نوويا ومخزونا من اليورانيوم عالي التخصيب وترسانة صاروخية كبيرة، فضلا عن استمرار دعمها لحلفائها الإقليميين.
من منطلق هذه المعطيات الوقائع يحمّل كثيرون ترامب مسؤولية هذا الإخفاق، معتبرين أنه دخل الحرب بخطة “ساذجة وغير واقعية”، اعتمدت على افتراض أن إيران ستنهار بسرعة تحت الضربات الجوية، تماما كما حدث مع أنظمة أخرى كما أن الإدارة الأمريكية أساءت تقدير طبيعة النظام الإيراني “المستعد عقائديا لتحمل الخسائر والاستمرار في القتال.
وثمة من توسّع في دائرة اللوم على العقيدة العسكرية الأمريكية التي تعتقد بإمكانية حسم الحروب عبر القوة الجوية وحدها مستشهدين بتجارب تاريخية من الحرب العالمية الثانية إلى فيتنام والعراق، مؤكدين أن القصف الجوي -رغم أهميته- لم يكن كافيا لتحقيق انتصار سياسي أو إستراتيجي حاسم.
في الواقع لا يدور النقاش فقط حول فصول الحرب وجولات مفاوضاتها ونتائجها، بل كيف تحولت من مواجهة إقليمية محدودة إلى اختبار واسع لموقع الولايات المتحدة في النظام الدولي، ولقدرتها على فرض إرادتها العسكرية والسياسية في الشرق الأوسط، في إشارة قوية إلى بداية تراجع الهيمنة الأمريكية، أو ما يشبه “لحظة السويس” 1956 التي أدركت فيها بريطانيا أنها لم تعد القوة الأولى عالميّا…
فالحرب وفق خبراء ومراقبين، لم تنتهِ إلى الحسم الذي توقّعته واشنطن وتل أبيب، رغم استخدام واحدة من أضخم القوة النارية الأمريكية منذ غزو العراق 2003. فالقصف الواسع، الذي استهدف منشآت عسكرية ونووية وبنى تحتية وقيادات عليا، لم ينجح تحقيق الهدف المركزي للحرب، سواء بإسقاط النظام الإيراني أو فرض استسلامه الإستراتيجي.
وتشير تقديرات أن جوهر الفشل الأمريكي بدأ من سوء تقدير طبيعة القوة العسكرية نفسها، فالولايات المتحدة تصرفت، كما يشرح، انطلاقا من تصور قديم يفترض أن القصف الجوي المكثف قادر وحده على إخضاع الخصوم وفرض التحولات السياسية الكبرى. لكن التجربة الإيرانية (مثل فيتنام من قبل) أظهرت حدود هذا التصور.
كما تظهر التقديرات أن الإدارة الأمريكية تعاملت مع التقديرات الإسرائيلية حول إيران باعتبارها حقائق شبه نهائية، دون إدراك لطبيعة التوازنات الداخلية الإيرانية، أو لوزن الحس القومي داخل المجتمع الإيراني حتى بين قطاعات معارضة للنظام.
في الجبهة المقابلة يبدو أن الحرب لم تُضعف إيران فقط، بل منحتها أيضًا أدوات ضغط جديدة، فالرد الإيراني لم يكن رمزيّا أو محدودا، بل استطاع إلحاق أضرار بمواقع أمريكية وخليجية وإسرائيلية، وفرض تهديد مباشر لحركة الملاحة والطاقة في الخليج.
أما ما يستخلص من “درس مضيق هرمز هو قدرة إيران على التحكم العملي بشريان الاقتصاد العالمي، والمأزق الذي واجهته الولايات المتحدة وحلفاؤها، فالممر البحري الضيق، المحاط بالتحصينات الإيرانية، جعل خيار الحسم العسكري الكامل أكثر تعقيدا وكلفة.
ومن هنا تطرح فكرة محورية هي أن الحرب، بدل أن تُخرج إيران من معادلة القوة الإقليمية، أعادت تثبيت موقعها لاعبا لا يمكن تجاوزه في الخليج والشرق الأوسط.
ما بعد الهيمنة الأمريكية
كما أن موقف العديد من المحللين لم يتوقف عند حدود الحرب الإقليمية، بل يعتبر أن أخطر ما في المواجهة هو انتقال تداعياتها إلى المسرح الدولي، فإيران ليست دولة هامشية، بل طرف يرتبط بعلاقات وثيقة مع روسيا والصين، كما أن الحرب نفسها ترافقت مع توتر أمريكي متزايد مع الحلفاء الأوروبيين.
ولهذا يقرأ الفشل في إيران أنه لم يعد مجرد تعثر عسكري، بل مسألة تتعلق بصورة القوة الأمريكية عالميّا، فواشنطن دخلت الحرب منفردة تقريبًا، وفي تحالف وثيق مع إسرائيل، بينما راقبت القوى الدولية الأخرى المشهد من مسافة، خصوصًا الصين وروسيا.
ويتطابق هذا الرأي مع مواقف عدد من منظري السياسة الأمريكية الذين بدأوا يتحدثون عن تسارع “مرحلة ما بعد الهيمنة الأمريكية”، وعن أن الحرب على إيران قد تكون لحظة كاشفة لحدود القدرة الأمريكية على فرض نظام إقليمي ودولي أحادي.
من المؤكد أن الاندفاعة الأمريكية-الإسرائيلية لحسم الصراع في الشرق الأوسط والهيمنة على المنطقة قد أخفقت. وليس ثمة ما يشير إلى أن الأمور ستصبح على صورة الشرق الأوسط الذي تحدث عنه نتنياهو في خطابه الشهير، في سبتمبر 2024، ولا هو الشرق الأوسط الذي أعرب الرئيس ترامب مرارا عن رغبته في السيطرة على مقدراته.
فهل يعني هذا الإخفاق خروجا أمريكيا هادئا من المنطقة؟ وهل ستبدأ الدول الحليفة للولايات المتحدة في الإقليم في إعادة النظر فيما يفرضه هذا التحالف من وجود عسكري أمريكي؟ أو أن إدارة أمريكية مقبلة، بعد عامين أو أكثر قليلا، ستعمل على تطوير مقاربة إستراتيجية أخرى، وعلى ترميم النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، كما فعلت إدارة أوباما بعد كارثة الحروب التي أطلقتها إدارة بوش الابن؟


أضف تعليقا